مرتضى الحسني

مرتضى الحسني / لا ميديا -
ما عادت الوقائع تحتمل أي قدر من التمويه أو الأقنعة المنمقة بضروبِ الحضارةِ أو الديمقراطية؛ فما جرى في فنزويلا ليس «عملية أمنية»، أو «تدخلاً محدوداً»، بل عدوانٍ همجي يرقى إلى مستوى حربٍ استعمارية صريحةٍ بكل ما للكلمة من معنى تاريخي وقانوني وأخلاقي. تدمير مقدراتِ شعبٍ وانتهاك سيادته جهرةً، واعتقال رئيس منتخب واقتياده بالقوة، وتدخل فج في تقرير مصير شعب بأكمله، خارج أي تفويض دولي أو حجة أخلاقية وقانونية، بل إنه تجاوزٌ فج للدستور الأمريكي ذاته.
لا يخفى على ذي نظرٍ في العالم أن قبح الجرم لم يكن يسعى لمكافحة المخدرات أو نشر الديمقراطية، ولا لإثبات حقوق الإنسان - فأمريكا أكثر منتهكيها بدءاً من إبادة الهنود الحمر وحتى الإبادة الجماعية بحق الأبرياء في قطاع غزة وما بينهما ناجازاكي وهيروشيما وفيتنام وأفغانستان والعراق ونيكاراغوا... إلخ؛ بل تسعى للنفط والغاز، للثروة السيادية، التي طالما كانت لعنة دول الجنوب في علاقتها مع الإمبراطورية الأمريكية. وهذا ما يقوله ترامب بلا مواربة؛ أن بلاده «ستنخرط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي»، وأنها «ستتولى إدارة فنزويلا». وتلك ليست زلة لسان، إنما عقيدة استعمارية قديمة تتجدد، «عقيدة مونرو»، ترى في أمريكا اللاتينية حديقة خلفية، شعوبها مجرد عائق مؤقت أمام حركة الشركات والأساطيل.
تفاصيل العدوان تكشف تخطيطاً صيغ شهوراً على مهل، بأيادي وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الحرب وقيادات سياسية وأمنية عليا، استخدمت فيه مئات الطائرات وعمليات تشويش إلكتروني وتعطيل منظومات الدفاع الجوي، وضرب الموانئ والمطارات والثكنات، وحتى المؤسسة التشريعية... ومع ذلك يُطلب من العالم أن يصدق أن الأمر «دقيق» ويهدف إلى تقليل الخسائر المدنية، ناهيك عن سقوط عشرات القتلى من الجنود والمدنيين.
والأعظم وزراً من العدوان ذاته هو الوقاحة السياسية التي رافقته. رئيس أمريكي ينتفخ بجاحةً بمشاهدة اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، عبر شاشة تلفزيونية، وكأنه يحضرُ فيلماً مما تصنعه هوليوود! يُغذي هو وأعوانه غريزة الدكتاتورية البارزة من فوق اكتاف الديمقراطية. أبانها في تصريحاته حين قال: «هذا الفعل رسالة لمن يهددنا، أو نعيد تذكير العالم بأننا سنستخدم القوة حيثما نريد». ويرمي بالقول تارة لكولومبيا وأخرى لكوبا والمكسيك وثالثة لإيران... مستدعياً بذلك شريعة الغاب، التي نما فيه الرجل الأبيض من دم ولحم الهنود الحمر، وتطاولت أبراجه من عظم الأفارقة والهنود وغيرهم الكثير الذين استعبدتهم القوى الاستعمارية الإمبريالية.
فنزويلا ليست الوحيدة فقط في هذا العدوان، وإنما قد تكون هي الأولى، لاسيما بتصريحات ترامب حول المكسيك وكولومبيا وكوبا... وهي دول أدانت العدوان صراحةً، معتبرةً ما جرى اعتداءً على «منطقة السلام» في أمريكا اللاتينية، وأنه عودة إلى أحلك فصول التدخل والانقلابات المدعومة أمريكياً. ما حصل في كاراكاس قد يتكرر في أي عاصمة تجرؤ على الخروج عن الطاعة الأمريكية مستقبلاً.
من اللافت أيضاً خطاب المسؤولين الفنزويليين، كنائبة الرئيس ووزيري الدفاع والخارجية، وغيرهم؛ إذ يختصر جوهر المعركة بأن «لا مساومة على السيادة ولا تفاوض تحت النار، ولا قبول بتحويل البلاد إلى مستعمرة نفطية تُدار من واشنطن». فالقضية لم تعد شخص نيكولاس مادورو، بل كرامة أمة وحق شعب في تقرير مصيره دون قصف أو إملاءات أو «إدارة» أجنبية.
ما جرى في فنزويلا هو اختبار صارخ للنظام الدولي برمته؛ إما أن يُواجه هذا العدوان بوصفه جريمة حرب وخرقاً فاضحاً لميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً لكل مفردات الأخلاق والأعراف القائمة في التعاملات الدولية، وإما أن يُفتح الباب على مصراعيه لعصر جديد من الاستعمار العسكري المباشر، تُستباح فيه الدول الضعيفة باسم «التخطيط الجيد» و«الإشارات الرادعة». وفي هذا المفترق، لا يملك الأحرار ترف الصمت؛ لأن الصمت شراكة، والتواطؤ جريمة لا تقل بشاعة عن العدوان نفسه.

أترك تعليقاً

التعليقات