الحسين (عليه السلام) ليس مجرد ماضٍ
 

سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
استحال الطعنُ في سِبْطِ الرسول - عليه السلام، في زمنِ التشرذم، ظاهرةً مُقلِقةً تتجاوز أعداءَ الملة إلى نخبٍ تزعمُ الانتسابَ إليها! حملةٌ متصاعدة، لا يحرّكها دينٌ ولا خُلُق، بل صراعاتٌ دنيوية راهنة تُخفي وراءها سُذّجاً يردّدون: «كفانا حسيناً ويزيداً، نحن أبناء هذا اليوم، نريد العيش!»، غافلين عن أن العيشَ بلا موقفٍ هو موتٌ أبطأ. ومن هنا كان هذا المقال.
«ما لنا وما ليزيد والحسين؟! تلك مرحلة انتهت، ونحن أولاد هذه المرحلة!». هكذا يردّد البعض حد الإملال، محاولين طيّ صفحات الماضي وإغلاق ملفات التاريخ وكأنها قضية فصّلت وانقضت. لكنهم يُغفلون حقيقةً قرآنيةً كونيةً: أن صراع الحق والباطل ليس حدثاً عابراً في الزمن، بل سُنّة إلهية ماضية إلى قيام الساعة. فمن يقف مع الحسين، أو يتشيع لعلي، فإنما يختار موقعه في معركة أبدية لا تعرف التقويم أو الانقضاء.

 سُنّة كونية لا تتبدّل
القرآن الكريم يضعنا أمام حقيقة صارمة: «سُنَّةَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً». وهذه السُّنّة التي لا تتبدّل تشمل «سُنّة الصراع بين الحق والباطل»، التي بدأت منذ خلق آدم عليه السلام، حين رفض إبليس السجود وتوعّد بإغواء البشرية. وقد عبّر عن هذه الحقيقة أحد الخطباء بقوله: «إن الصراعَ بين الحق والباطل لم يُرفع بموت الرسُل عليهم الصلاة والسلام، بل هو سُنّةٌ ماضية باقية ما بقي على وجه الأرض طائفة على الحق ظاهرة».
فالحياة الدنيا، كما يقرّر العلماء، هي «مسرح للصراع بين الحق والباطل»، صراع «دائم ومستمر قدره الله كوناً بين أهل الإيمان وأهل الكفر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها». وليس من قبيل المبالغة القول إن هذا الصراع «لا يكاد يخلو منه عصر من العصور، كما لا يمكن أن يستثنى زمان منه ومن آثاره».

 التشيُّع للحق لا للنسب
هنا تبرز المفارقة التي يغفل عنها أولئك الذين يحاولون اختزال موقفهم من الحسين في خانة «تاريخ منقضٍ»: إن الوقوف مع علي بن أبي طالب أو الحسين بن علي لا يعني الانحياز لبيت أو نسب، بل يعني الانحياز للحق في مواجهة الباطل، في كل زمان ومكان. فمن يتشيع لعلي، فإنه يتشيع لمبدأ قال عنه الإمام علي نفسه في نهج البلاغة: «الحق أوسع»، وقال فيه: «اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله».
إن التشيع بالمعنى العميق ليس ترفاً عاطفياً أو انتماءً قبلياً، بل هو «محبة علي» التي تعني في جوهرها الالتزام بمنهج الحق والعدل. فمن يقف مع الحسين، فإنما يقف مع قيم التضحية والكرامة والرفض المطلق للظلم. وقد عبّر عن ذلك أحد الكتّاب بقوله: «الحسين مع الحق، والحقّ مع الحسين؛ وطريق الوحدة -الحقيقية- الوحيد هو الدخول في هذه الدائرة. ليست المسألةُ طائفيةً كما قد يتوهَّم البعض».

 الحسين في عيون العالم: رمز إنساني لا حدود له
لعل أبلغ دليل على أن قضية الحسين تتجاوز حدود الزمان والمكان والمذهب، هو ذلك الإجماع الإنساني النادر الذي احتضن رمزيته. فالمفكرون والقادة من مختلف الأديان والثقافات رأوا في ثورته درساً خالداً يتجاوز الانتماءات الضيقة.
فالمهاتما غاندي، قائد الهند وقاهر الاستعمار البريطاني، قال: «تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر». وأضاف: «لقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين، شهيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الحسين». إنها شهادة من رجل لم يكن مسلماً؛ لكنه أدرك أن ثورة الحسين ليست ميراثاً طائفياً، بل منهج تحرر إنساني.
أما المستشرق الألماني ماربين فوصف الحسين بأنه «قدم للعالم درساً في التضحية والفداء من خلال التضحية بأعز الناس لديه». وأكد أن «الظلم والجور لا دوام له، وإن صرح الظلم مهما بدا راسخاً وهائلاً في الظاهر إلا أنه لا يعدو أن يكون أمام الحق والحقيقة كريشة في مهب الريح».
وقال الآثاري الإنجليزي وليم لوفتس: «لقد قدم الحسين بن علي أبلغ شهادة في تاريخ الإنسانية، وارتفع بمأساته إلى مستوى البطولة الفذة». والمفكر المسيحي أنطوان بارا ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً: «لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبراً».

 نسيان التاريخ خيانة للحاضر
إن الذين يقولون: «ما لنا وما ليزيد والحسين؟!» يمارسون نوعاً من النسيان التاريخي الخطير، لأن نسيان الماضي لا يمحو آثاره في الحاضر، بل يتركنا عُرضة لتكرار أخطائه. فصراع كربلاء لم يكن صراعاً على السلطة أو الملك، بل كان -كما أكد الإمام الحسين نفسه- خروجاً «لطلب الإصلاح، والإصلاح هو الجهاد في سبيل الله ومحاربة التسلط والظلم والفساد والطغيان من قبل الولاة الظالمين».
وقد عبّر الأديب المصري عباس محمود العقاد عن خلود هذه الثورة بقوله: «ثورة الحسين واحدة من الثورات الفريدة في التاريخ، لم يظهر نظير لها حتى الآن في مجال الدعوات الدينية أو الثورات السياسية».
فالقضية -إذن- ليست قضية «الحسين ضد يزيد» كحدث تاريخي منقضٍ، بل هي قضية «الحق ضد الباطل» كمعركة مفتوحة تتجدد صورها في كل عصر. فكل طاغية في أي زمان هو «يزيد» زمانه، وكل من يقف في وجهه بشجاعة وإباء هو «حسين» زمانه. ومن هنا كان قول بعض المفكرين: «كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء»، تعبيراً عن هذه الحقيقة الخالدة.

 موقف لا حياد فيه 
إن المواجهة بين الحق والباطل لا تسمح بالحياد. وقد قال الإمام علي عليه السلام في «نهج البلاغة»: «المحايد شخص لم ينصر الباطل؛ ولكنه من المؤكد خذل الحق». فالوقوف مع الحسين ليس خياراً تاريخياً، بل هو خيار أخلاقي متجدد، يتجلى في كل موقف نواجهه بين الظلم والعدل، بين الصدق والكذب، بين الحق والباطل.
فمن قال: «ما لنا وما للحسين» فقد قال: «ما لنا وما للحق» في كل زمان. ومن تشيع لعلي فقد تشيع لمبدأ العدالة الإلهية التي لا تتبدل بتغير الأزمان. وكما قال الإمام علي: «من تعدى الحق ضاق مذهبه». فليختر كل إنسان موقعه، ولكن ليعلم أن التاريخ لا يمرّ مرور الكرام، وأن الأرواح التي نصرت الحق في كربلاء لا تزال شاهدة على من يتخلى عن قيمها بحجة «انتهت المرحلة».

أترك تعليقاً

التعليقات