فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
إن توقيع ترامب للأمر التنفيذي المتعلق بفرض عقوبات ثانوية على إيران في لحظة بدء التفاوض ليس سوى حلقة جديدة متوقعة من حلقات مسرحية الضغط التي لن تثمر سوى المزيد من التصلب الإيراني والإصرار على الحقوق المشروعة، فتاريخ الصمود الإيراني الطويل يمتد جذوره في عمق جغرافيا الإرادة، من قلب حرب الثماني سنوات التي خرجت منها الجمهورية الإسلامية أكثر قوة وتماسكاً، إلى أربعة عقود من العقوبات الشاملة التي تحولت بفعل الحكمة والقيادة الواعية إلى فرص حقيقية لبناء اقتصاد مقاوم، وتطوير قدرات علمية وتكنولوجية محلية، وتعزيز الاعتماد على الذات في المجالات الاستراتيجية.
فالعقوبات التي كانت تهدف إلى عزل إيران حوّلتها إلى قوة إقليمية فاعلة تمتلك نفوذاً متعاظماً ومشاريع تنموية تصل إلى أبعد الحدود، وهذا هو بالضبط ما يثير حفيظة واشنطن ومعها بعض الأطراف الإقليمية التي ارتضت لنفسها دور التابع، فالعبرة ليست في الأوامر التنفيذية ولا في عدد السفن الحربية التي ترسل إلى المياه الإقليمية، بل العبرة في إرادة شعب يؤمن بمشروعه الحضاري وقيادة تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قادرة على قراءة تعقيدات اللحظة الدولية وتحويل التحديات إلى منصات انطلاق.
إن ما تشهده المنطقة اليوم هو صراع إرادات بين مشروعين: مشروع المقاومة والاستقلال الذي تتزعمه إيران ودول محور المقاومة، ومشروع الهيمنة والتبعية الذي تحاول واشنطن إعادة إنتاجه بأدوات جديدة، لكن حقائق الجغرافيا السياسية والتاريخ تؤكد أن مستقبل «الشرق الأوسط» سيُصنع بأيدي أبنائه، ولن تكون لقرارات البيت الأبيض أي فعالية حقيقية طالما أن شعوب المنطقة أدركت قوتها وبدأت ترفض الوصاية الخارجية.
إن إيران، بقوتها الناعمة والصعبة، بتقدمها العلمي والتقني، بنموذجها في مواجهة القوى العظمى، ستظل القاطرة التي تقود المنطقة نحو آفاق جديدة من الاستقرار والتنمية بعيداً عن التدخلات الأجنبية، إن هذه العقوبات الثانوية، كسابقاتها، ستفشل لأنها تتجاهل جوهر القوة الإيرانية المتمثل في الوحدة الداخلية والشرعية النظامية والقدرة على الابتكار تحت الضغط، لقد تعلمت إيران فن تحويل الحصار إلى فرصة، والعقبة إلى سلم، والتهديد إلى دافع للتقدم، وصناعة السيادة لا تأتي من خلال التفاوض تحت التهديد، بل من خلال تمتين القدرات الذاتية وبناء التحالفات الاستراتيجية مع محيط إقليمي ودولي يدرك مصلحته في التعاون مع إيران كشريك أساسي للاستقرار.
إن الدور التاريخي لإيران اليوم يتجلى في حماية سيادة دول المنطقة ومقاومة المشاريع التفتيتية، ولو عدنا إلى الوراء قليلاً لرأينا كيف أن كل موجة ضغط أمريكية زادت إيران قوة وقدرة على المناورة، حيث أصبحت معادلة الردع الاستراتيجي واقعاً يحسب له ألف حساب، والمفاوضات، بغض النظر عن نتائجها المرحلية، لن تغير من هذه الحقيقة الثابتة: أن إيران باقية كقوة رئيسية، وأن سياسة العصا الغليظة فقدت مفعولها، وأن عصر الهيمنة الأحادية آخذ في الأفول، ليحل محله نظام عالمي متعدد الأقطاب تجد فيه إيران مكانها الطبيعي كدولة محورية.
إن صمود إيران ليس مجرد قصة كفاح وطني، بل هو نموذج يُدرس للدول التي تسعى للتحرر من الوصاية، وهو دليل عملي على أن الإرادة الشعبية الموحدة يمكنها أن تقهر أدوات القوة الناعمة والخشنة معاً، وأن العقوبات في عصر العولمة والشبكات الدولية المعقدة أصبحت سلاحاً ذا حدين يضر بمن يطلقه كما يضر بالهدف المزعوم.
ولقد حولت إيران هذا الحصار الاقتصادي إلى حافز لتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات حيوية كالدفاع والتكنولوجيا الحيوية والطاقة النووية والسدود والزراعة، وأصبحت تصدر التقنية والخدمات الهندسية إلى دول عدة، وهذا هو الرد العملي الأقوى على أي أمر تنفيذي.
إن الرسالة التي تبعثها طهران اليوم واضحة: لن تنحني، ولن تتنازل عن مبادئها، ولن تفرط في أمنها أو كرامتها، وستواصل دورها كحارس للاستقرار الإقليمي وكراع للمشروع التحرري الذي يرفض الهيمنة، وكل محاولة لإخضاعها ستزيدها صلابة واقتناعاً بصحة طريقها، فالمستقبل هو لشعوب المنطقة التي بدأت تستيقظ على حقيقة أن قوتها في وحدتها وتعاونها، وإيران، بكل إمكانياتها وثقلها التاريخي، ستكون في قلب هذا التحول الكبير.
سيذكر التاريخ كيف أن عقوبات ترامب وما قبلها لم تكن سوى حافز لإيران كي تبني نفسها وتصبح أقوى، وتوسع دائرة شراكاتها، وتثبت للعالم أن سياسة اللّغة الواحدة لم تعد مجدية في عالم يتوق إلى العدالة والتعددية، هذه هي الحقيقة التي يجب أن يستوعبها صناع القرار في واشنطن: إيران شامخة، وإرادة شعبها أقوى من أي تهديد، ومشروعها الحضاري أعمق من أن تؤثر فيه عقوبات ظالمة، وستواصل مسيرتها بثبات كحجر أساس في بناء نظام إقليمي جديد، قائم على التعاون والاحترام المتبادل، ورفض الوصاية، وسيادة القرار الوطني.

أترك تعليقاً

التعليقات