اليمن: استشراف معادلة الردع القادمة
- فهد شاكر أبو راس السبت , 27 يـونـيـو , 2026 الساعة 8:13:31 PM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
لم يكن التحول النوعي في قناعات الشعب اليمني طارئاً أو رد فعل لحظياً، بل هو نتاج تراكمي لسنوات من المواجهة المفتوحة مع آلة حربية إقليمية مدعومة بأحدث ما تنتجه صناعة التسليح العالمي، حينها أدرك اليمنيون أن ما يعيشونه ليس مجرد مواجهة عسكرية حدودية، بل حرب وجودية تستهدف تكسير إرادتهم ونزع سيادتهم وسلب مقدراتهم، وقد جاءت فترة "خفض التصعيد" التي راهن عليها البعض كفرصة لالتقاط الأنفاس لتكشف عن الوجه الآخر للعدو، إذ تحولت إلى مرحلة ممنهجة لاستنزاف الاقتصاد الوطني وتجويع الشعب عبر إحكام الحصار البري والبحري والجوي، لا لإفساح المجال لسلام حقيقي، فكانت تلك المرحلة بمثابة مختبر عملي أثبت للجميع أن لغة الأبواق الداعية للحوار كانت مجرد غطاء لتمديد المعاناة وخلق واقع جديد يكرس التبعية، ومن هنا تكونت القناعة الجازمة لدى الجميع بأنه لا مفر من خيار الدفاع المسلح لا كتكتيك مرحلي، بل كضرورة مصيرية ترتبط بلقمة العيش والكرامة واستعادة الثروات المنهوبة، وهذا الوعي المتصاعد حوّل كل يمني إلى جندي في معركة لا تعترف بالحياد، وأصبحت المواجهة قيمة مضافة في ثقافة المجتمع الذي لم يعد يقبل بأقل من الحرية الكاملة.
وفي خضم هذا التحول المفاهيمي، أعادت القوات المسلحة اليمنية تعريف معادلات الردع بما يتناسب مع إمكانياتها المحدودة ظاهرياً، فلم تكن الندية في الميدان نتاج تسليح متطور مماثل لما يملكه العدو، بل نتاج عبقرية في تحويل الفقر التقني إلى وفرة تكتيكية تعتمد على الدهاء الميداني والاستخباراتي واستغلال نقاط العمى في نظم العدو الدفاعية، وهنا تجلت معجزة الصواريخ والطائرات المُسيّرة التي أصبحت تتحدث بلغة الأرقام في أسواق النفط والملاحة العالمية، ونجحت في قلب الطاولة على العدو، وبدلاً من أن تكون المعركة حكراً على جبهات التماس الممتدة، نقلتها إلى عمق أراضي المعتدي واستهدفت منشآته الحيوية النفطية، مما خلق معادلة ردع جديدة تقوم على أن اليمن لم يعد مجرد ساحة لاختبار الأسلحة، بل لاعباً قادراً على فرض قواعده في لعبة المصالح الدولية، وهكذا أصبح التفوق الاستراتيجي اليمني قائماً على نظرية "الألم المتوازن"، حيث كل عدوان يقابله رد يلامس شريان حياة العدو الاقتصادي، ليجبر العالم على إعادة حساباته مع هذا البلد الذي ظل مهمشاً لعقود، ومن هنا انتقلت الرسالة واضحة بأن الجغرافيا اليمنية ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل ممر مائي حيوي يمكن أن تتحول مياهه إلى نار تهدد أمن الطاقة العالمي، وهذا ما منح صنعاء أوراق قوة كانت غائبة عن أي مفاوضات سابقة.
إن الارتباط العضوي للمشروع العدواني السعودي بالهيمنة الأمريكية لم يعد سراً، فالموقف الأمريكي الداعم للتحالف سواء في مجلس الأمن أو عبر صفقات السلاح الفائقة التطور لم يترك مجالاً للشك بأن المطلوب ليس استقرار اليمن، بل إخضاعه كنموذج للتبعية في المنطقة، لكن اليمنيين الذين خاضوا تجارب مريرة مع الاستعمار والوصاية على مدى قرون، وجدوا في هذه المواجهة فرصة تاريخية لقطع دابر أي شكل من أشكال الهيمنة الخارجية، إنهم يدركون أن المعركة ليست حدودية ضد جار، بل هي فصلٌ من فصول الصراع مع مشروع إقليمي يرعى مصالح واشنطن في المنطقة، وهذا الفهم العميق حوّل المواجهة إلى نضال تحرري بامتياز، يتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية ليصبح مصدر إلهام لكل الشعوب الرافضة للوصاية، فالشعب اليمني يثبت يومياً أنه قادر على كسر إرادة أقوى تحالفات المنطقة المسلحة بالطيران الحديث والأساطيل البحرية، وأنه رغم حصاره وعدم تكافؤ الفرص، ما زال متمسكاً بحقه في تقرير مصيره بعيداً عن أي أجندات خارجية، هذه التجربة الصلبة التي خرجت من رحم المعاناة هي التي رسمت الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية، ووضعت العالم أمام حقيقة أن اليمن الجديد لا يقبل أن يكون في دائرة نفوذ أي قوة، مهما كانت كثافة ضغوطها، بل يسعى إلى بناء دولة قوية ذات سيادة كاملة، قادرة على حماية مواردها ومواجهة أي تحدٍ خارجي بإرادة صلبة لا تلين.
وفي موازاة هذا البعد السياسي والعسكري، تشكلت منظومة تماسك داخلي استثنائية جعلت الجبهة الداخلية عصية على الاختراق، فلم تعد هناك فجوة بين القيادة والجماهير، بل صار هناك تلاحم عضوي يقوم على الثقة المتبادلة التي أثبتتها التجارب الميدانية، فالقيادة الحكيمة نجحت في بناء نموذج قيادي لا يستند إلى السلطة الفارغة، بل إلى المشاركة المجتمعية والعدالة التوزيعية للأدوار الوطنية، والدعوات المتكررة للجاهزية لم تأت كرد فعل عسكري طارئ، بل كاستكمال لمنهج مقاوم أثبت جدارته في مواجهة العدوان على مدى عقد كامل، إن الخبرة المتراكمة التي اكتسبها المجاهدون في تفكيك أنظمة الدفاع الجوي وكسر التفوق التقني للعدو، خلقت ثقة مطلقة ليس فقط في القدرة على الصمود، بل في امتلاك خيارات تصعيد متعددة قادرة على إعادة خلط الأوراق متى شاءت القيادة، وهذه الثقة انعكست على المستوى الشعبي في صورة حماسية متزايدة للالتحاق بمراكز التدريب ودعم المجهود الحربي، لدرجة أصبح معها كل يمني يشعر بأنه جزء من المعادلة الاستراتيجية الكبرى، وهذا التماسك الداخلي هو السلاح الأكثر فتكاً في مواجهة العدوان، لأنه ينفي أي أمل للعدو في إحداث شرخ داخلي يمكن استغلاله، ويجعل من المستحيل فصل القرار العسكري عن الإرادة الشعبية التي باتت ضميراً واحداً يرفض الهزيمة ويستبشر بالنصر مهما طال الزمن.
وبالنظر إلى المشهد برمته، تبرز توقعات استراتيجية واضحة للمرحلة القادمة تؤكد أن القادم سيكون أكثر إيلاماً للعدو، فالعمليات النوعية ستزداد ذكاءً وتركيزاً، متجهة بدرجة أكبر نحو الأهداف الاقتصادية الحساسة التي تشكل عصب القدرة على استمرار الحرب، إلى جانب ذلك فإن التكاليف الباهظة للحرب والتي ستظهر بوضوح في ميزانيات دول التحالف، ستصبح عبئاً لا يطاق على دول تحالف العدوان، وربما يضطرون في نهاية المطاف إلى العودة إلى طاولة المفاوضات ليس بدافع الرغبة في السلام، بل تحت ضغط النفاد، لكن هنا المهم أن أي تسويات قادمة لن تكون إلا بشروط يمنية قائمة على القوة والردع، فلن يقبل اليمن بحلول هشة تكرر سيناريوهات ما قبل 2014، بل سيرسم هو معالمه بنفسه، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام خيار صعب بين التعامل مع اليمن المنتصر أو الاستمرار في دعم مشروع فاشل لا يحقق سوى الخراب للجميع، وهذا البعد التنبؤي لا يقوم على التمني، بل على قراءة دقيقة لمؤشرات القوة على الأرض وفي العمق الاستراتيجي، والتي تؤكد جميعها أن الرياح بدأت تهب عكس ما كان يتوقعه المحللون الغربيون، وأن معادلة النصر لم تعد محصورة في قدرات الردع الجوي والبري، بل أصبحت مرتبطة بالصبر الاستراتيجي وقدرة الشعب على تحمل التضحيات في سبيل أهدافه الكبرى.
ختاما، يبقى الخيار الدفاعي اليمني الأكثر اتساقاً مع تطلعات التحرر في المنطقة والعالم، فاستمرار العدوان مهما طال لن يزيد الشعب إلا صلابة وإيماناً بعدالة قضيته، لكن النصر الحقيقي هنا لا يقاس بسقوط المدن أو حتى بإسقاط الأنظمة، بل يكمن في إجبار العدو على الاعتراف بحقوق اليمن السيادية الكاملة، في إنهاء الحصار، في دفع التعويضات، وفي الاعتراف بالهزيمة السياسية والعسكرية التي مني بها مشروع الهيمنة، واليمن اليوم يمر بلحظة تاريخية فارقة حيث الجغرافيا التي ظلت قدراً مفروضاً تتحول إلى فعل إرادة، وإرادة هذا الشعب الذي خاض حرباً غير متكافئة لأكثر من عقد تثبت يوماً بعد يوم أنها قادرة على صنع المعجزات، المعجزات التي يعجز عنها أقوى الجيوش، والتي تجعل كتابة التاريخ هذه المرة بيد صناعه الحقيقيين، اليمنيين الأحرار الذين يكتبون بدمائهم وصمودهم فصلاً جديداً من فصول المجد، وعندما ينظر المستقبل إلى هذه المرحلة، سيرى فيها نقطة تحول مفصلي في مسار المنطقة، حيث أثبتت الإرادة أنها قادرة على هزيمة المادة ليس بالعدد، بل بالتصميم والإيمان المطلق بأن الحرية تستحق كل تضحية.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس