وهم النصر العسكري الصهيوني
- فهد شاكر أبو راس السبت , 2 مـايـو , 2026 الساعة 8:17:35 PM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في تصريح يختزل بعمق المأزق «الإسرائيلي» الاستراتيجي ويكشف عن هشاشة تعجز لغة التهديد عن إخفائها، خرج وزير خارجية «إسرائيل» بتصريح: «إذا تم تفكيك البنى التحتية لحزب الله في جنوب لبنان فلن تكون هناك ضرورة لوجودنا العسكري فيه».
هذا التصريح ليس مجرد مناورة دبلوماسية عابرة، بل هو فضح ذاتي لجوهر الفشل «الإسرائيلي» المتجسد في أن «إسرائيل» التي طالما روجت لقدرتها على الحسم العسكري السريع تعترف اليوم بأن بقاء قواتها في الجنوب مرهون باستحالة تحقيق هدفها الأساسي وهو إنهاء قدرة حزب الله.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالتصريح يحدد جنوب لبنان بالذات، وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها تثبت أن التراجعات «الإسرائيلية» لم تعد فقط مجرد وقائع ميدانية يلتقطها المحللون بعناية، بل أصبحت جزءاً من خطابها الرسمي الذي يعترف بثبات حزب الله في هذه الجغرافيا على وجه الخصوص.
فالمقاومة، التي انطلقت من قرى الجنوب ووديانه، جعلت من هذه الأرض الصغيرة (الجنوب) كابوساً لا تستطيع «إسرائيل» الخروج منه بإرادة منفردة، ولذلك لم تعد تتحدث عن احتلال دائم أو إقامة منطقة عازلة تسيطر عليها بأنيابها، بل صار وجودها مرتبطاً بشرط تعلم تماماً أنه لن يتحقق؛ وذلك أن تفكيك البنى التحتية لحزب الله ليس مسألة تدمير أنفاق أو مصادر صواريخ، بل هو استئصال كيان اجتماعي وعقائدي هو جزء من نسيج تلك الأرض، ومن يعتقد أن الحرب تستطيع أن تفصل حزب الله عن بيئته فهو لا يدرك طبيعة هذه المقاومة، التي خاضت جولات متعددة وخرجت من كل منها أكثر صلابة وأشد قدرة على إفشال أي بقاء «إسرائيلي» طويل الأمد.
في هذا السياق نفهم لماذا يشكل هذا التصريح شهادة رسمية على فشل المشروع الصهيوني برمته. ففي كل المواجهات السابقة كان الهدف «الإسرائيلي» المعلن هو القضاء على قدرات حزب الله أو على الأقل دحره إلى ما وراء الليطاني. إلا أننا اليوم نقف أمام اعتراف «إسرائيلي» بأن حزب الله باق، وأن بناه التحتية هي الرادع الأكبر الذي يمنع «إسرائيل» حتى من مجرد تصور احتلال دائم. فالقيادة «الإسرائيلية» باتت تعلم جيداً أن أي محاولة للمكوث الطويل في الجنوب ستجعل من قواتها هدفاً دائماً لعمليات استنزاف لا تنتهي، وهذا ما جربته «إسرائيل» سابقاً، وهي اليوم تعيد إنتاج التجارب السابقة ولكن بصورة أشد إيلاماً؛ إذ صارت تطلب مخرجاً آمناً لا بقاء مظفراً.
والمقاومة، التي أثبتت ميدانياً أنها لا تنهار ولا تتراجع ولا تستسلم لشروط الإملاءات، تجعل من الشروط التفاوضية لـ»إسرائيل» مجرد أمنيات معلقة في الهواء. فحزب الله لا يخوض معركته ليفاوض وفق الأجندة الصهيونية، بل إنه يفاوض من موقع مَن يفرض الوقائع قبل أن ينطق بها الساسة. ولهذا فإن أي حديث «إسرائيلي» عن انسحاب مشروط بتفكيك البنى التحتية لحزب الله هو حديث في العدم، بل هو اعتراف بفشل استراتيجي مزدوج: فشل في تحقيق الهدف العسكري، وفشل في إملاء شروط ما بعد الحرب.
وعلى أن فريق التفاوض اللبناني الرسمي المغرد دائماً خارج سرب هذه الوقائع الصلبة التي تقدمها المقاومة على الأرض، يذهب بعيداً في تقديم التنازلات الاستباقية. تخلق الفجوة بين إدراك المقاومة للتوازنات الجديدة، وغياب هذا الإدراك لدى المفاوضين، حالة من التيه السياسي تجعل من التضحيات والإنجازات الميدانية رصيداً لا يحسن توظيفه. فالتصريح «الإسرائيلي» يقرأ بوصفه علامة على أن العدو صار يفاوض على تفاصيل تعثره، لا على شروط انتصاره، بينما يتصرف الفريق اللبناني الرسمي كمن يفاوض من موقع المحايد البعيد عن حقيقة أن جنوب لبنان بصموده وبناه التحتية التي تحمي وتقاوم هو الذي أعاد رسم قواعد الاشتباك وجعل «إسرائيل» تعلن بلسان وزير خارجيتها أنها لا تريد البقاء، وتلك وحدها شهادة لا تحتاج إلى ذكاء خارق لالتقاطها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تدرك أن زمن الهزائم النفسية قد انقضى، وأن ما تقوله البندقية في الجنوب يجب أن يترجم إلى موقف صلب على الطاولة، لا هرولة إلى حلول تمنح الخصم ما عجز عن أخذه بالقوة.
فما عجزت آلة الحرب «الإسرائيلية» عن كسره بالقوة لا يجوز أن ينكسر على أيدي مَن يفترض أن يكونوا أمناء على حمل أمانة هذا الانتصار.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس