فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
لم يكن ما جرى ويجري على الأرض اليمنية من المخا إلى الساحل الغربي ومن تعز إلى عدن وحضرموت مجرد ردود فعل متأخرة أو معارك محدودة، بل كان ترجمة عملية لقاعدة استراتيجية أثبتتها صنعاء في أكثر من موقف، وهي أن لديها قدرة استباقية فائقة على قراءة مخططات الأعداء ومعرفة نواياهم قبل أن يترجموها إلى واقع ملموس، وهذا ما يجعلها دائماً تسبق العدو بخطوة، وتضرب مراكز الثقل قبل أن تتحول إلى خطر مباشر ضدها، وتعيد ترتيب الجغرافيا السياسية والعسكرية وفق إيقاعها لا وفق إيقاع العدو، فقبل أن تطلق صنعاء معركتها ضد التحشيدات السعودية في المخا والساحل الغربي وطرد تلك التحشيدات كانت على علم بمخطط العدو من البداية، وكانت تدرك أن الهدف الحقيقي ليس مجرد تعزيز حضور عسكري في تلك الجغرافيا، بل تحويل الساحل الغربي إلى قاعدة خلفية معادية تهدد العمق الجغرافي لقوات صنعاء.
إذن، المسألة لم تكن محلية أو محدودة، بل كانت جزءاً من هندسة حصار أكبر يريد العدو السعودي أن يطبقه على صنعاء وقواتها، بحيث تأتي التحشيدات السعودية من البحر إلى الساحل الغربي، وتحويله إلى قاعدة خلفية معادية لوجستية وعسكرية، بينما تتحرك قوى أخرى من الأمام في مأرب وتعز وعدن وحضرموت، فيكتمل المشهد على شكل كماشة تريد أن تحاصر قوات صنعاء من الخلف في الساحل الغربي والمخا ومن الأمام في مأرب وعدن وحضرموت، لكن صنعاء لم تنتظر اكتمال الكماشة، ولم تمنح العدو فرصة ترتيب صفوفه، بل سبقت العدو بخطوة، واستهدفت تلك التحشيدات ومخازن الأسلحة في الساحل الغربي والمخا وصولاً إلى استهدافها في مأرب وحضرموت.
كان الضرب الاستباقي هو اللغة التي فرضت نفسها، لأنه لم يعد مقبولاً أن تترك صنعاء عدوها يجمع أدواته في الخلف ثم تتفرغ له في الأمام، ولم يعد ممكناً أن تسمح بتحويل الساحل الغربي إلى نقطة ارتكاز تهدد معركة «التحرير الكبرى»، خاصة أن تلك التحشيدات لم تكن مجرد أعداد بشرية، بل كانت منظومة متكاملة من العتاد والسلاح والتمويل واللوجستيات والدعم البحري والمخابراتي، وكل ذلك كان يحتاج إلى مكان آمن نسبياً ليتراكم ويتحول إلى قوة ضاربة، وصنعاء بذكائها الاستراتيجي أدركت أن أفضل دفاع هو ضرب هذا التراكم في مهده، وتفكيكه قبل أن يصبح جاهزاً، وتنظيف خلفيتها الغربية تماماً في عملية برية سريعة حتى لا تكون بمثابة سكين في الظهر عند أي مواجهة كبرى يكون من شأنها «تحرير» كامل الأراضي اليمنية المحتلة.
إن توسيع الضربات الصاروخية ضد التحشيدات السعودية إلى عدن وما قبل ذلك كله في حضرموت ومأرب، لم يكن مجرد عملية عسكرية تكتيكية، بل كان رسالة استراتيجية بأن صنعاء قادرة على الوصول إلى كل نقطة محتلة تعد خطراً عليها، وأنها لا تتعامل مع الجغرافيا كخطوط ثابتة، بل كساحة مفتوحة يمكن أن تنقل المعركة إلى حيث يريد العدو أن يجمع قوته، وهذا ما يمنح صنعاء مبادرة مزدوجة، مبادرة في الميدان ومبادرة في اللوجستيات، فتضرب الإمداد، وتفكك الحشد، وتقطع الطريق، وتفرض على العدو أن يعيد حساباته قبل أن يبدأ.
إن خطوة صنعاء باستهداف تلك التحشيدات في الساحل الغربي، وإطلاق معركة طرد تلك التحشيدات من الساحل الغربي والمخا، وتنظيف خلفيتها تماماً، تنبئ، على ما يبدو، بعزم صنعاء على خوض معركة «التحرير» الكلية لليمن من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق، وهي معركة لا تدار بالحماس وحده، بل بالاستخبارات والاستباق والتحكم في الجغرافيا وقطع الإمداد وإرباك العدو في عمقه، وهذا ما يجعل خطوة صنعاء الأخيرة ليست نهاية رد فعل، بل بداية إعادة تعريف قواعد الصراع، بحيث لا يعود العدو قادراً على تجميع قوته في أي مكان آمن، ولا يستطيع أن يحاصر صنعاء من الخلف أو الأمام، ولا يجد سوى أن يواجه واقعاً جديداً فرضته صنعاء بقدرتها الاستباقية.
إن قرار صنعاء أن تكون المبادرة بيدها لا بيد خصومها، وأن تنتقل من معالجة التهديدات بعد وقوعها إلى منعها قبل وقوعها، جعلها في خانة من يصنع المعركة لا من ينتظرها، حيث أن هذه المعركة لم تبدأ من حيث أراد العدو، بل بدأت من حيث أرادت صنعاء، من تنظيف الخلفية الغربية، وتأمين الساحل، وضرب التحشيدات، وتفكيك المخازن وهذا ما تم بالفعل، ومن ثم الانطلاق إلى مأرب وعدن وحضرموت، في مشهد استراتيجي متصل يهدف إلى إسقاط كل محاولات الحصار، وفرض معادلة جديدة يكون فيها القرار اليمني، بعاصمته صنعاء، هو القرار الأعلى، والميدان هو الذي سيحسم ما تبقى من فصول هذه الحرب.

أترك تعليقاً

التعليقات