من وادي السنط إلى رسالة نعيم قاسم .. المقاومة تفرض معادلة الردع وترفض استباحة لبنان
- عبد الحافظ معجب الأربعاء , 22 أبـريـل , 2026 الساعة 12:51:22 AM
- 0 تعليقات

عبدالحافظ معجب / لا ميديا -
فجر جديد رسمته المقاومة الإسلامية في لبنان، متجاوزة حدود الجغرافيا الضيقة لتصيغ نصراً استراتيجياً سيظل محفوراً في وجدان الأمة وعقول أجيالها القادمة، لقد أثبتت وقائع المواجهة الأخيرة مع الكيان الصهيوني، والتي انتهت جولتها الأولى في منتصف أبريل/ نيسان الجاري، أن إرادة المقاومة تتفوق دوماً على العتاد والتكنولوجيا التي يمتلكها العدو بفارق شاسع لا يمكن ردمه، وأظهر التنسيق العالي والروح القتالية للمقاومة في هذه الجولة، أن حزب الله انتقل فعلياً من مرحلة الدفاع ورد الفعل التقليدي إلى مرحلة المبادرة الفعالة، تلك المرحلة القادرة على رسم معادلات الردع بالدم والبارود، وتغيير وجه الصراع في المنطقة برمتها.
المواقف السياسية التي توالت عقب وقف إطلاق النار في لبنان، تشير بوضوح إلى لغة القوة الأخلاقية والسيادية التي تملكها المقاومة وتستند إليها في كل حرف تقوله، وبدأ هذا المسار الصارم من رسالة الأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم، الذي أعلن بلغة الواثق أن حزب الله لن يقبل بمسار الـ15 شهراً الماضية من الصبر الاستراتيجي على العدوان «الإسرائيلي» بانتظار الدبلوماسية التي لم تُحقق شيئاً سوى إعطاء العدو مزيداً من الوقت للقتل والتدمير، وأوضح سماحته أن وقف إطلاق النار يعني بالنسبة للمقاومة وقفًا كاملًا وشاملاً لكل الأعمال العدائية وانطلاقاً من عدم الثقة التاريخية والواقعية بهذا العدو الغادر، أكد الأمين العام أن المقاومين سيبقون في الميدان مرابضين في مواقعهم وأيديهم لم تبرح الزناد وسيردون على أي خروقات للعدوان بحسب حجمها ونوعها، مؤكداً في الوقت ذاته انفتاح المقاومة على التعاون مع السلطة في لبنان بصفحة جديدة مبنية على تحقيق السيادة الفعلية، في إطار الوحدة الوطنية ومنع الفتنة واستثمار إمكانات القوة الشعبية والعسكرية ضمن استراتيجية دفاعية للأمن الوطني.
وعلى ذات السياق السياسي المرتفع، وضع نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي السلطة اللبنانية أمام مسؤولياتها التاريخية، واضعاً إياها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاعتذار من هذا الشعب الصابر والتراجع الفوري عن قراراتها التي استهدفت المقاومة وبيئتها، أو مواجهة غضب شعبي سلمي عارم قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاطها تحت وطأة الشرعية الشعبية التي استمدتها المقاومة من تضحيات أهلها.
هذه النبرة العالية في المواقف السياسية للمقاومة لم تكن لتوجد لولا الاستناد إلى الصمود الأسطوري الذي سطره المقاتلون في قرى الحافة الأمامية، هناك حيث تحولت القرى والبلدات من أهداف سهلة مفترضة لجيش الاحتلال إلى مقابر جماعية لدبابات (الميركافا) التي تساقطت تحت ضربات الصواريخ الموجهة النوعية، لقد تحول فخر الصناعة العسكرية «الإسرائيلية» إلى حطام متناثر يشهد على خيبة قادة الأركان في «تل أبيب» وعلى ارتباك التشكيلات المدرعة التي عجزت عن التقدم أمتاراً داخل الأراضي اللبنانية، مشهد احتراق آليات العدو عند تخوم عيتا الشعب والخيام، ومارون الراس رسم لوحة حقيقية ومعبرة لمعنى التشبث بالأرض، حيث عجزت «ألوية النخبة» الصهيونية عن تثبيت موطئ قدم واحد واصطدمت بجدران من الثبات القتالي الذي كسر أسطورة الجيش الذي لا يقهر مرة أخرى، وأجبر جنوده على التراجع وهم يجرون أذيال الخيبة والارتباك والذعر.
لم يتوقف الإبداع الميداني عند حدود البر، بل امتد ليشمل عمليات إفشال الإنزالات الجوية للعدو في محافظة البقاع وتحديداً في بلدة النبي شيت، لقد كانت تلك العمليات علامة فارقة في الوعي الأمني والاستخباري للمقاومة، إذ ظن العدو أن الوصول إلى المناطق الحاضنة في العمق سيحقق له نصراً معنوياً زائفاً يرمم به هيبته التي تكسرت عند الحدود، غير أن يقظة المجاهدين وحضورهم الميداني الدائم حولت تلك المغامرة الصهيونية إلى فشل ذريع بكل المقاييس، حيث وجد جنود «الكوماندوز» أنفسهم محاصرين ومستهدفين قبل أن تلامس أقدامهم التراب، واضطر سلاح الجو الصهيوني للتدخل بكل قوته لإنقاذ ما تبقى من جنوده المذعورين تحت وابل كثيف من نيران الدفاع الجوي التي لاحقتهم في السماء.
لكن المفاجأة الكبرى التي هزت أركان الكيان تمثلت بالضربة القاصمة على محطة وادي السنط «إيلا فالي» للأقمار الصناعية، هذه المنشأة الحيوية والحساسة تمثل النخاع الشوكي والمركز الأرضي الأضخم للاتصالات الدولية والمعلوماتية الإسرائيلية منذ عقود طويلة، يمثل استهداف هذا المرفق الاستراتيجي تحولاً جذرياً ونوعياً في مسار الصراع التاريخي، تهاوت منظومة السيطرة والاتصال الصهيونية ووجد الاحتلال نفسه معزولاً معلوماتياً في لحظة فارقة، مما تسبب في إرباك غير مسبوق في إدارة العمليات القتالية وربط الوحدات الميدانية بمراكز القرار في وزارة الدفاع، بالإضافة إلى اهتزاز ثقة المستوطنين بشكل نهائي بقدرة جيشهم على حماية المنشآت الحيوية التي تمس حياتهم اليومية، وتأكد العالم أن السيطرة الفضائية والذكاء الاصطناعي لا يستطيعان توفير الحماية لكيان يرتجف جنوده هلعاً أمام ثبات المقاتل المقاوم على خطوط التماس.
التكامل الفريد في الجهود بين الجبهة الميدانية المشتعلة في الجنوب وبين الوحدات الصاروخية والجوية التي طالت عمق الكيان وأوجاعه، خلق حالة من الإطباق الاستراتيجي التي خنقت كل خيارات العدو وأجبرته صاغراً وذليلاً على القبول بوقف إطلاق النار وفق شروط المقاومة، لقد أدرك قادة الاحتلال أن الاستمرار في هذه الحرب يعني الغرق المحتم في رمال متحركة لا قرار لها وأن كل يوم إضافي في القتال سيجلب لهم مفاجأة أقسى وأمرّ من كل سابقاتها، مما يهدد وجود الكيان ذاته.
وبالتوازي مع معجزة الميدان العسكري، اكتملت فصول النصر بمشهد الزحف البشري المهيب الذي غصت به طرقات الجنوب والبقاع منذ اللحظات الأولى لسريان الاتفاق، عندما تدفقت آلاف السيارات في مشهد ملحمي يجسد أسمى معاني الانتماء والولاء، خرج «أشرف الناس» من مناطق النزوح والتهجير القسري، رافضين فكرة البقاء بعيداً عن تراب وهوى الجنوب ولو لساعة واحدة إضافية، هؤلاء الناس ضربوا بعرض الحائط كل تهديدات العدو وكل محاولاته لقطع أوصال المناطق عبر قصف الجسور وتدمير الطرقات الرئيسية، بادر المجتمع المقاوم إلى فتح الطرقات ورفع المخلفات وردم الحفريات وعبروا الأنهر بمركباتهم المتواضعة، متجاوزين كل الصعاب والمتاعب للوصول إلى بيوتهم التي أصبح بعضها ركاماً بفعل حقد المحتل واستهدافه الممنهج للأعيان المدنية.
يجد هؤلاء العائدون حلاوة العيش فوق أنقاض منازلهم المدمرة، مفضلين رائحة التراب الممزوجة بالكرامة على أي مأوى بعيد عن جغرافيا المقاومة، عودتهم الصاعقة كانت الرد الأخلاقي والعملي الأقوى على سيل الافتراءات والاتهامات الباطلة التي ساقتها قوى معروفة بولائها للمشاريع الخارجية، والتي ادعت زوراً وبهتاناً أن هؤلاء المهجرين يسعون لتغيير الديموغرافيا اللبنانية، لقد غادر المجتمع المقاوم مناطق الاستضافة برؤوس مرفوعة، تاركين خلفهم دروساً في عزة النفس والارتباط الوثيق بخيار المقاومة الذي عودهم دوماً على استرداد الحقوق والحفاظ على السيادة الوطنية.
أما العدو الذي راهن طويلاً على تأليب البيئة الحاضنة ضد مقاومتها، فقد وجد نفسه أمام شعب أسطوري يرى في الركام منطلقاً جديداً للبناء، وفي التضحيات والجراح أوسمة شرف في استحقاق البقاء والوجود، هكذا اكتملت الصورة التي بدأت بصاروخ دقيق أصاب المنظومة المعلوماتية في الكيان وانتهت بهتاف طفل عائد يرفع شارة النصر فوق ركام بيته في النبطية، الخيام، أو ميس الجبل، معلناً للعالم أن هذه الأرض لها أصحاب لا يفرطون بذرة من ترابها وأن نصر الله كان وسيبقى قريباً ومؤزراً.



.jpg)






المصدر عبد الحافظ معجب
زيارة جميع مقالات: عبد الحافظ معجب