عبد الحافظ معجب

عبدالحافـظ معـجب / لا ميديا -
يسألك أحدهم بلهجة يمنية عتيقة عبر "الماسنجر" أو "الشات" عن تفاصيل قرية قديمة أو بيت مهجور في المنطقة الريفية التي تسكنها، فتجيبه بدافع الشهامة والنوستالجيا، دون أن تدرك أنك وضعت قدمك للتو على أول درجة في سلم "التطبيع الناعم"، المعلومات التي تبدو عفوية هي في حقيقتها مادة خام تُستخدم لبناء خرائط بشرية واجتماعية تتيح للعدو فهم طبوغرافية المجتمع من الداخل وتحديد ثغراته بدقة.
وهنا حجر الزاوية في معركة الوعي الرقمي الجبهة الأكثر شراسة واتساعاً في تاريخ الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني، حيث يسعى العدو عبر استراتيجيات بالغة التعقيد إلى تجاوز الجدران العسكرية والسياسية الصلبة وصولاً إلى تدمير القناعات بداخلنا، لنجد أنفسنا أمام موجة عاتية تسمى "التطبيع الناعم"، وسيلة تعتمد فكرتها على الاختراق الهادئ الذي يتسلل عبر مسارات الحياة اليومية والاهتمامات الثقافية والفنية والعاطفية، بعيداً عن الانكشاف الأمني أو لغة التجنيد المباشرة، يجد المستخدم نفسه في حالة استجابة تدريجية لمشغله بدون شعور.
تعتمد هذه المنهجية على استهداف الذاكرة الجماعية وإعادة صياغة وتعريف العداء الفطري تجاه المحتل الصهيوني إلى حالة من القبول الصامت والمبرر بدعاوى الإنسانية والثقافة المشتركة، تبرز الخطورة الحقيقية لهذا المسار في كونه يعمل ببطء شديد، مركّزاً جهده على المدى الطويل لتغيير طبيعة العلاقة مع العدو من صراع وجودي ومصيري نابع من عمق ديننا وهويتنا الإيمانية إلى مجرد خلاف سياسي يمكن تجاوزه أو حتى تناسيه في سبيل التواصل الاجتماعي الإنساني.
تشير المعطيات الأمنية والواقعية المرتبطة بمواقف المجتمع اليمني الصامد والثابت تجاه القضية الفلسطينية إلى أن العدو وضع اليمن ضمن أولويات استهدافه الاستخباراتي الناعم، خاصة بعد الفشل الذريع لكل وسائل الضغط العسكري والحصار الاقتصادي، لذا تحركت أدوات المخابرات الصهيونية لفتح جبهات اجتماعية وثقافية تتستر خلف عناوين براقة وأنشطة تبدو في ظاهرها محايدة ومجردة من أي بعد سياسي، تستغل التراث اليمني العريق والفن الشعبي وتنوع اللهجات المحلية، وحتى الموروث الشعبي المشترك لتقديمها كجسور تواصل يُفترض بها السمو فوق الصراع التاريخي والسياسي، ويسعى هذا الخطاب الخبيث إلى أن ينسى اليمني موقفه ويفصله عن سلوكه اليومي، بحيث يصبح من الممكن بالنسبة له الإعجاب بمحتوى يروجه العدو أو التفاعل مع شخصيات تمثل خطابه المعادي تحت مسمى الحنين للماضي أو التبادل الثقافي.
تتضاعف احتمالات نجاح هذا التسلل في ظل الظروف القاسية التي خلفها العدوان والحصار المستمر منذ ما يزيد عن عقد من الزمن وما نتج عنها من ضغوط نفسية واقتصادية هائلة جعلت البعض يبحث عن مساحات من الدفء أو الانتماء خارج إطار الواقع المتعب، يستغل "التطبيع الناعم" هذه الحالة الإنسانية الصعبة ليدغدغ العواطف ويقدم نفسه كبديل يمنح الشعور بالراحة والقبول، مستخدماً لغة ناعمة تبتعد عن التصادم وتدعو بدلاً من ذلك إلى تجاوز الكراهية والتركيز على المشتركات، تحول جديد في وظيفة الثقافة يسعى العدو من خلاله لانتزاعها من سياقها كحامية للهوية ورافعة للموقف الوطني، لتصبح أداة تشرعن وجوده وتعيد تعريف العلاقة معه ضمن عناوين تدعو للتعايش معه بعيداً عن سجله الإجرامي وتاريخه الدموي.
يستثمر العدو كل طاقته في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، تلك التي لا تثير الريبة عادة ولا تستدعي رفع الحواجز النفسية الدفاعية، فبدلاً من طرح خطاب سياسي فج سيواجه بالرفض الفوري يركز جهده على المشاهد المألوفة والأحاديث العاطفية والقصص الإنسانية المؤثرة التي توحي بالقرب والصدق، ومع مرور الوقت وتكرار هذه الرسائل المبطنة عبر منصات التواصل، يتحول هذا المحتوى إلى مناخ عام يضعف الحساسية الشعبية تجاه العدو ويعيد رسم ملامح العلاقة معه في عقول الشباب بطريقة تجعل من قضيته شأناً ثانوياً أو تاريخياً لا علاقة له بالحاضر، يخلق هذا الأثر التراكمي نوعاً من التناقض الداخلي لدى الفرد، فهو من جهة يتمسك بموقفه الديني والوطني المعلن ومن جهة أخرى يمارس سلوكيات يومية تتناغم مع خطاب العدو الناعم، ولحل هذا الصراع النفسي يميل الشخص تدريجياً إلى تخفيف حدة معاداته أو تبرير تواصله الإلكتروني والثقافي كنوع من الانفتاح على العالم.
يلعب التطور التكنولوجي في الفضاء الرقمي دوراً ذكياً في تسريع هذا المسار التخريبي، لأنه يمنح الأفراد شعوراً زائفاً بالخصوصية بعيداً عن الرقابة الرسمية أو الالتزام الجمعي بالموقف العام وفي هذه المساحات المفتوحة تتآكل الحدود الفاصلة بين الموقف الفردي والموقف الوطني الجامع، حتى يصبح الصراع مجرد فكرة مفرغة من قيمتها لا تنعكس بالضرورة على السلوك الشخصي أو الاهتمامات في العالم الافتراضي، وهنا تكمن الخطورة الكبرى، فـ"التطبيع الاجتماعي الناعم" يتجاوز في فتكه وتدميره كل أنواع "التطبيع السياسي" العلني، لأن الأخير يظل فعلاً مكشوفاً ومنبوذاً ومحل إجماع على رفضه، بينما يعمل النوع الناعم في عتمة الوعي ويستهدف البنية العميقة للسلوك الفردي دون إثارة أي ردود فعل دفاعية فورية، هو لا يطلب منك الانضمام إلى معسكره علانية، مكتفياً بأن يجعلك تنسى حقيقته الإجرامية التي تسعى لإلغاء وجودك وأهدافه التوسعية الخبيثة، لتصبح القضية في نظرك عبارة عن ملف هامشي مؤجل لا يستدعي الاهتمام المباشر.
تعتمد أدوات هذا الاختراق على التسلل داخل العلاقات الفردية والمساحات الشخصية التي تغيب عنها عادة الرقابة الصارمة أو النقاش العلني، بدءاً من المتابعة البسيطة وصولاً إلى الإعجاب والمشاركة ثم التواصل المباشر الذي قد ينتهي بالسقوط في فخ التجنيد الاستخباراتي الصريح، وبذلك يصبح الفرد شريكاً في عملية تدمير ذاتي لوعيه وهويته دون أن يدرك حجم الضرر الذي يلحقه بنفسه وبمجتمعه، ظناً منه أن سلوكه في العالم الافتراضي مجرد حرية شخصية لا تحمل أي دلالة سياسية أو أمنية.
يتطلب الواقع الراهن امتلاك بصيرة نافذة قادرة على قراءة ما وراء النصوص والصور والمقاطع الفنية التي تروج لها منصات مشبوهة، كما أن الحفاظ على الأمن الثقافي والاجتماعي يبدأ من حماية العاطفة الوطنية من التزييف ومنع العدو من استغلال تراثنا وفننا كأدوات لتلميع صورته القبيحة، نحن معنيون اليوم بتعزيز المناعة الذاتية لكل فرد في المجتمع وتوضيح أن كل تفاعل رقمي أو إعجاب بمحتوى يروج لثقافة العدو يمثل ثغرة في جدار الأمن القومي الكلي، لأن المعركة مستمرة والعدو الذي فشل في كسر إرادة اليمنيين عبر القصف والحصار، يحاول اليوم كسر انتمائهم وعقيدتهم القتالية عبر الكلمة الناعمة واللحن اليهودي القديم الجميل والصور الجذابة ليوميات يهود اليمن في "تل أبيب"، مع العلم ان استحضار هذا اللحن هو محاولة ممنهجة لسرقة الموروث اليمني ونسبه لكيان العدو، في عملية سطو ثقافي تسعى إلى مسخ الذاكرة الوطنية وتقديم المحتل كجزء من تاريخ المنطقة، ما يستدعي يقظة عالية تفكك هذه الأنماط قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره في المستقبل القريب، هويتنا خط دفاعنا الأول والحفاظ عليها نقيّة من شوائب "التطبيع" سر من أسرار صمودنا وانتصارنا الحتمي في معركتنا المصيرية التي نخوضها خلف قيادتنا نحو الفتح الموعود.
خلف تلك الشاشة التي تلازمك طوال يومك، تدور معركة تُستخدم فيها الخوارزميات التي تعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك، حيث يمثل الفضاء الرقمي في وقتنا الراهن الساحة الأكثر خطورة في حروب الأجيال المتعددة، إذ لم تعد المسافات عائقاً أمام العدو ليفتح أبواباً خلفية نحو خصوصياتنا، وسلوك استخدامنا وتحليل اهتماماتنا ورصد نقاط ضعفنا النفسية والاجتماعية، حيث تعمل هذه الخوارزميات كأدوات تشريح نفسي، تبحث في منشوراتنا وتفاعلاتنا عن الثغرات التي خلفها العدوان والحصار، لتحويل الحاجة الإنسانية أو الفراغ العاطفي إلى مدخل مباشر لعمليات الاصطياد، في ظل تحول منصات التواصل الاجتماعي من وسائل تعارف بسيطة إلى مختبرات مفتوحة لصناعة التأثير وتوجيه القناعات.
تكمن المعضلة الكبرى في طبيعة الوسيط الافتراضي الذي يمنح الفرد شعوراً واهماً بالأمان والحرية، مما يدفعه لخفض حواجزه الدفاعية الفطرية ومشاركة تفاصيل حياته وأفكاره مع كيانات مجهولة تختبئ خلف واجهات ثقافية أو إنسانية جذابة، لنجد أنفسنا أمام نمط جديد من الاختراق يتجاوز الأساليب التقليدية المعتمدة على الإكراه، ليحل محلها أسلوب التدرج اللطيف والناعم الذي يبدأ بتفاعل ثقافي عفوي ويصل في نهايته إلى دور وظيفي يخدم أجندات معادية دون إدراك كامل من الضحية لحجم المأزق الذي وقع فيه.
تبدأ القصة غالباً بتعليق عابر أو إعجاب بمحتوى فني أو تراثي يلامس عاطفة الفرد، ليتحول الأمر سريعاً إلى حوار ثنائي داخل غرف الرسائل المغلقة التي تمثل البيئة المثالية لنمو علاقات الثقة الزائفة، إذ يستغل الطرف الآخر وهو في الغالب واجهة مخابراتية مدربة، حاجة الفرد للتقدير أو رغبته في الانفتاح على عوالم جديدة، فيبدأ بتقديم نفسه كصديق مهتم بالثقافة اليمنية أو باحث يسعى لفهم الواقع الاجتماعي، يطلق على هذا المسار فن الإيقاع بالضحية، في المراحل الأولى يتجنب الحديث في السياسة أو القضايا الحساسة ويكتفي ببناء قاعدة بيانات عاطفية عن المستهدف تشمل ميوله واهتماماته وظروفه المعيشية وحتى طبيعة علاقاته الأسرية والمهنية، ومع مرور الوقت تذوب الفواصل وتصبح عملية تبادل المعلومات جزءاً من روتين يومي معتاد، حيث يتم سحب الشخص تدريجياً من مربع المتفرج إلى مربع المشارك في إنتاج محتوى أو تقديم آراء تبدو بريئة لكنها تخدم غرضاً أمنياً محدداً.
يعمل العدو على تحويل التفاعل الشخصي إلى مهمة وظيفية مغلفة بغطاء إنساني أو أكاديمي، كطلب المساعدة في إعداد تقرير عن العادات والتقاليد أو استطلاع رأي حول ظاهرة اجتماعية معينة، هذه الطلبات البسيطة في مظهرها تمثل في الجوهر عملية التطبيع الوظيفي، حيث يعتاد الشخص على تقديم إجابات ومعلومات تكسر لديه حاجز السرية والتحفظ الأمني، ومع تكرار هذه المهام ينشأ نوع من الارتباط النفسي والمادي بين الطرفين، مما يجعل التراجع عن هذا المسار أمراً صعباً ومكلفاً.
بفعل الخوارزميات الموجهة تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى السجن الرقمي الذي يحيطك به العدو، بعد إغراقك بمحتوى موجه لخلخلة يقينك الوطني وإضعاف ثقتك بمحيطك الاجتماعي والسياسي، يؤدي هذا الضغط الرقمي المستمر إلى خلق حالة من الاغتراب النفسي، يشعر فيها الفرد أن عالمه الافتراضي المليء بالأصدقاء الافتراضيين أكثر صدقاً وتفهماً من واقعه المادي المليء بالتحديات، يستثمر العدو هذا الاغتراب لتعميق فجوة الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة، مصوراً أي إجراء وقائي أو تحذير أمني على أنه تقييد للحريات الشخصية أو تدخل في الخصوصية، وبذلك يصبح الفرد هو المدافع الأول عن اختراقه، رافضاً أي نصيحة أمنية ومتمسكاً بعلاقاته المزيفة والمشبوهة بوصفها حقاً من حقوقه الفردية التي يجب حمايتها.
تكشف كثير من الدراسات الأمنية أن الشبكات الإلكترونية المنظمة تلعب دوراً هاماً في خلق مناخ عام يشجع على كسر المحرمات الوطنية والأمنية تحت لافتة العالمية وتجاوز الحدود، من خلال تسويق نماذج معينة لأشخاص تصفهم بالمنفتحين الذين نجحوا في بناء جسور تواصل مع الآخر وتصويرهم كأبطال حداثيين استطاعوا التخلص من قيود الماضي والخطاب الخشبي المتجمد، هذا الضغط الاجتماعي الافتراضي يمارس تأثيراً كبيراً على الشباب ويدفعهم لمحاكاة هذه النماذج سعياً وراء القبول والتميز الوهمي، مما يسهل على أجهزة المخابرات المعادية مهمة الوصول إليهم وتجنيدهم ضمن شبكات ناعمة تعمل على بث الإشاعات وزعزعة الاستقرار الداخلي قبل الانتقال إلى المهام التجسسية، والعملية هنا تتجاوز فكرة الحصول على معلومة أمنية لتصل إلى صناعة بيئة حاضنة للفكر الانهزامي و"التطبيعي"، تكون قادرة على إعادة إنتاج نفسها ذاتياً عبر التفاعلات اليومية البسيطة.
تزداد التعقيدات حين يدخل عامل المادة في المعادلة، حيث يتم تقديم مكافآت بسيطة تحت ستار الربح الالكتروني أو الجوائز الدولية لتعميق الارتباط الوظيفي وتوثيق عملية السقوط،هذه المبالغ غالباً ما تكون تافهة أو بسيطة في البداية، مثل شحن رصيد أو مبالغ رمزية عبر تطبيقات التحويل وهي في الأساس ليست ربحاً كما يتوهم البعض، بل هي في المنظور الأمني ثمن كسر الحاجز النفسي تجاه الخيانة، فبمجرد قبول الشخص لأول مبلغ يكون قد وضع نفسه في فخ الارتباط الوظيفي الذي يصعب الفكاك منه، ويبدأ السعي لتجويد عمله وتقديم معلومات أكثر دقة وحساسية ويبذل جهداً أكبر لإرضاء مشغليه الافتراضيين، ومع مرور الوقت يجد نفسه متورطاً في أعمال تضر بالأمن القومي بشكل مباشر، لكنه يبرر ذلك لنفسه بكونه مجرد نشاط رقمي عابر أو مساهمة في مشروع بحثي دولي، هذا الانفصام بين الفعل ونتائجه هو ما يراهن عليه العدو لضمان استمرار تدفق المعلومات وتوسيع قاعدة المخبرين المتطوعين الذين يعملون بدافع الرغبة في التواجد المستمر على الشبكة أو المنفعة الشخصية المحدودة.
يتطلب التصدي لهذا الاختراق وعياً أمنياً متطوراً يدرك أن كل كلمة تُكتب أو صورة تُنشر في الفضاء المفتوح يمكن أن تكون لبنة في بناء استخباراتي معادٍ، والحماية الحقيقية تبدأ من فهم طبيعة الأدوات المستخدمة والحذر الشديد من الغرباء الذين يظهرون اهتماماً مبالغاً فيه بالحياة الشخصية أو القضايا الاجتماعية والمهنية، ومعيار اليقظة الأمنية هو القدرة على رصد الأنماط غير الطبيعية في التواصل والتوقف فوراً عند الشعور بأن العلاقة بدأت تأخذ طابعاً وظيفياً أو تطلب معلومات تتجاوز حدود الدردشة العادية.
يظل الفضاء الرقمي سلاحاً ذا حدين، فبقدر ما يوفر من فرص للمعرفة والتواصل فإنه يظل البيئة الأكثر خصوبة لنمو الفيروسات الفكرية والأمنية المعادية، أن العدو الذي يبتسم لك خلف شاشة الهاتف أو الجهاز المحمول هو نفسه الذي يوجه الصواريخ نحو وطنك ومدينتك ومسكنك، هل تمتلك شجاعة التوقف عن المحادثة فوراً وابلاغ الجهات الأمنية إذا شعرت أن الأسئلة بدأت تتجاوز حدود الدردشة العادية؟
بعد أن وضعنا اليد على جروح الاختراق الناعم في الأجزاء السابقة وكشفنا خبايا الاصطياد الرقمي، نصل في هذا الجزء إلى المربع الحاسم في المواجهة، كيف ننتقل من مجرد الحذر الفردي إلى بناء منظومة تحصين قانونية وأخلاقية شاملة.
يتجاوز الأمن الثقافي والرقمي فكرة الدفاع التقليدي، إلى مشروع البناء الشامل الذي يحمي الهوية اليمنية من محاولات التفتيت والمسخ الممنهج، هذا التحدي يتطلب الانتقال الفوري من مرحلة رصد التهديدات والمخاطر إلى مرحلة بناء المناعة الذاتية، والمناعة هنا لا تعني الانعزال عن العالم، بل تعني أن يصبح كل فرد في المجتمع قادراً على تمييز المخاطر، وامتلاك البصيرة التي تجعله يرى اليد الاستخباراتية المحركة لكل محتوى أو تواصل يبدو في ظاهره بريئاً أو إنسانياً، ويعتمد هذا المسار على إعادة الاعتبار للسياق التاريخي والسياسي في تحديد معنى الأشياء، وضمان بقاء الثقافة والفن كرافعات للموقف الوطني الأصيل الذي لا يقبل القسمة أو التأويل في مواجهة عدو وجودي يتربص بالجميع.
يرتكز مفهوم الأمن الثقافي الذي ننشده على حماية الذاكرة الوطنية من محاولات الإفراغ والتبديل، يسعى الخصم دوماً لفصل الموروث الشعبي عن بيئته المقاوِمة، ليحوله إلى مجرد بضاعة معروضة في سوق المقايضات السياسية، أو جسر للعبور نحو قبول المحتل تحت مسمى الحنين المشترك، لذا فإن حجر الزاوية في عملية التحصين هو إعادة وصل ما جرى فصله عمداً، وربط السلوك اليومي البسيط بالموقف الوطني الكلي، المجتمع الذي يدرك أن تواصله بالعالم الخارجي الافتراضي يجب أن يكون متسلحاً بهويته وثوابته ومعتقداته، يسهل عليه صد أي محاولة لاستخدام هذه العناصر كجسور لـ"التطبيع" أو الاختراق، تتطلب هذه المهمة وعياً يشترك فيه الجميع، بدءاً من النخب الثقافية والأكاديمية التي تقع عليها مسؤولية كشف التضليل وصولاً إلى الأسرة المعنية بغرس هذه القيم لدى الأجيال الجديدة.
الفهم الدقيق لطبيعة الصراع الراهن، يخلق حالة من اليقظة الدائمة تجاه كل ما يُطرح في العالم الافتراضي، لم يعد كافياً أن نكون مستهلكين للتكنولوجيا، بقدر ما تستدعي الحاجة أن نكون نقاداً لها، لأن بناء المناعة الرقمية يعني بالضرورة تجاوز منطق الانبهار بالوسيلة والتركيز بدلاً من ذلك على الغاية والمصدر، انتبه جيداً واطرح الأسئلة البديهية قبل أي تفاعل، ما هو توقيت ظهور هذه الدعوة؟ ومَن يمول هذا البرنامج أو التطبيق الذي يقدم نفسه كخدمة مجانية؟ وما هو الهدف الحقيقي من وراء هذه المراسلات التي تبدو شخصية؟ هنا يأتي دور التحصين الذي يحمي الفرد من الانزلاق غير المقصود نحو علاقات وظيفية مدمرة، ويمنحه الثبات والصمود الذي يجعله يرفض المغريات الرقمية مهما كانت جذابة، أو مغلفة بوعود الانفتاح والحرية والمقابل المادي والربح السريع بدون عناء، بهذه الطريقة يتحول المجتمع من كونه مستهدفاً سلبياً بالخوارزميات الموجهة إلى فاعل يمتلك البصيرة والقدرة على حماية سيادته الثقافية.
وتتعاظم أهمية هذا الدور الوقائي في ظل الظروف الاستثنائية والمعقدة التي تعيشها بلادنا، فالعدو يحاول بشتى الوسائل استثمار التحديات المعيشية والاجتماعية القاسية لفتح ثغرات في الجبهة الداخلية، مقدماً نفسه أحياناً بصيغة المنقذ أو الصديق المتعاطف، وعندما ندرك ونستوعب أننا نخوض معركة الحفاظ على الصمود والإنجاز الذي تحقق في الميدان، سنعمل بشتى الوسائل على منع العدو من استهداف نسيجنا الاجتماعي، ويأتي هنا دور المؤسسات الإعلامية والتعليمية في تقديم خطاب رصين يشرح مخاطر "التطبيع الناعم" بلغة هادئة ومنطقية تقنع العقل وتخاطب الوجدان، بعيداً عن الضجيج المتشنج الذي قد يغطي على أصل القضية، الخطاب الوطني الجامع هو الذي يجعل المواطن يدرك مسؤوليته الشخصية تجاه أمنه القومي، ويوقن أن كل تغريدة أو إعجاب أو تفاعل قد يكون إما لبنة في البناء أو ثغرة تخدم مخططات الأعداء.
هذا النهج يستدعي وقفة جادة وصادقة مع الذات لمراجعة أنماط استهلاكنا للمحتوى الرقمي، والتأكد من أننا لا نمنح العدو بياناتنا وعواطفنا عبر الاستسلام لخطابات النعومة المزيفة، ولابد من الإشارة إلى نقطة في غاية الخطورة يقع فيها الكثيرون بحسن نية، وهي التفاعل في حسابات العدو والناطقي  ن باسمه والمروجين لروايته وسرديته، حتى وإن كان التفاعل بتعليق ناقد أو ساخر أو شاتم، هو في الأساس جريمة رقمية تساهم في رفع رواج صفحة العدو وزيادة انتشار سمومه، يجب أن ينتبه المجتمع والمشرع اليمني على حد سواء لهذا النوع من "التطبيع الرقمي اللاإرادي"، وتحديث الأطر القانونية لتشمل (التخابر الناعم)، بحيث يُنظر إلى التفاعل الواعي والمستمر مع حسابات العدو الرسمية كشكل من أشكال الإعانة الاستخباراتية غير المباشرة التي تستوجب المساءلة، نظراً لما تلحقه من ضرر بالأمن القومي، حماية الجبهة الداخلية تبدأ من ضبط الإيقاع الفردي وتناغمه مع الموقف العام للدولة والمجتمع، للوصول إلى الانسجام الأمني الذي يصعب اختراقه، وضمان بقاء حالة العداء بالفطرة تجاه الكيان الصهيوني كجزء من التكوين الفكري للأجيال القادمة.
التاريخ يشهد أن هذه الأرض كانت ولا تزال وستبقى مقبرة لكل الغزاة الطامعين، عسكرياً وثقافياً وأمنياً ومسؤوليتنا تستوجب نقل هذه الروح المقاومة من المتارس إلى شاشات الهواتف وإلى ثقافة وقناعة أبنائنا وبناتنا، لرفض الانكسار أو التماهي مع خطاب العدو مهما تلون أو تجمل، إنها دعوة للثبات والعمل بوعي وبصيرة، لضمان مستقبل خالٍ من شوائب التبعية والاختراق، ويجب أن يدرك الجميع أن الشتم أو السخرية في صفحات العدو ليس عملاً وطنياً، بل هو وقود تقني يرفع من رواج محتواهم ويساعد الخوارزميات على إيصال سمومهم لجمهور أوسع.

أترك تعليقاً

التعليقات