عبد الحافظ معجب

عبدالحافظ معجب / لا ميديا -
تحت ضغط حرب ممتدة وتكاليف معيشية تتصاعد بلا سقف تتكشف ملامح الداخل الصهيوني على نحو يبدد الصورة التي جرى تسويقها طويلاً عن مجتمع مزدهر ومحصّن، حيث تنزلق الطبقة الوسطى بهدوء نحو دائرة الديون والقلق اليومي ويطفو إلى السطح خوف متزايد من الغد، هذا المشهد تؤكده معطيات ميدانية خرجت عبر استطلاع حديث أظهر حجم الاختناق المالي الذي يطال المستوطنين وكشف كيف تحولت سنوات الحرب إلى عبء ثقيل على الكيان من الداخل وفضحت هشاشة البنية التي استندت إليها دعاية القوة والاستقرار لعقود.
الاستطلاع الذي نشرته مؤخراً صحيفة "أيديعوت أحرونوت" العبرية وقالت إنه أُجري في نهاية عام 2025 على أسر المستوطنين الذين يفوق مستوى دخلهم المتوسط بقليل، يكشف أن نحو ثلث هذه الأسر عاجز عن تدبير النفقات الشهرية، وأن أربعين في المائة منها غير قادرة على مواجهة نفقة طارئة متواضعة من دون اللجوء إلى الائتمان، بينما يعيش ثلاثون في المائة في حالة "سحب على المكشوف". وبحسب نتائج الاستطلاع تعيش هذه الفئة من المستوطنين حالة قلق يومي من تراكم الفوائد ومطاردة البنوك، الأخطر أن المستوطنين الذين أوهمتهم حكومة الاحتلال بملكية البيوت المغتصبة من الفلسطينيين باتوا على حافة فقدان هذه البيوت أو اضطروا فعلاً إلى بيعها تحت ضغط الرهن والقروض وهو تطور يحمل دلالات عميقة تتجاوز الأرقام والحسابات إلى اهتزاز حقيقي في مفهوم الأمان الاجتماعي داخل الكيان.
هذه النتائج لا تصدر عن فئات مهمشة أو شرائح استيطانية مسحوقة تاريخياً، بل عن عائلات عاملة وأصحاب مهن وموظفين يُفترض أنهم العمود الفقري للاقتصاد الصهيوني وأنهم المستفيدون من سياسات الإحتلال ومن شبكات الدعم غير المعلنة التي راكمتها الحكومات الصهيونية عبر اغتصاب الأرض والموارد ونهب حقوق الفلسطينيين، وحين تصل هذه الفئة إلى مرحلة العجز عن سداد الفواتير والاعتماد على القروض الاستهلاكية لتغطية أساسيات البقاء فإن الحديث يدور عن أزمة بنيوية عميقة تضرب صميم مجتمع الكيان وتكشف حدود القدرة على الاستمرار في ظل حرب طويلة وتكاليف عسكرية وأمنية لا تنتهي.
العدوان الذي شنه الاحتلال على غزة وبيروت وصنعاء وطهران وما تبعه من استدعاء واسع لقوات الاحتياط وسحب مئات الآلاف من المعيلين الأساسيين من أعمالهم ترك آثاراً مباشرة على الدخل والاستقرار الوظيفي، وتعطلت المصانع جزئياً وقطاعات كاملة شهدت تراجعاً حاداً والسياحة التي كانت متنفساً مالياً أصيبت بالشلل والاستثمارات الأجنبية بدأت تعيد حساباتها في كيان بات يوصف في تقارير دولية بالبيئة عالية المخاطر، ومع كل ذلك استمرت حكومة نتنياهو في ضخ المليارات إلى المؤسسة العسكرية والأمنية على حساب الخدمات الاجتماعية والدعم الحقيقي لأسر المستوطنين وهو خيار سياسي يعكس طبيعة هذا الكيان الذي يقدّم الحرب والتوسع على احتياجات من جلبهم الى فلسطين ووعدهم برغد العيش.
من هنا تتضح العلاقة المباشرة بين العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني وجبهات الإسناد التي فُتحت في الإقليم وبين التدهور الداخلي في الاقتصاد الصهيوني، فالمجتمع الذي بُني على فكرة القوة المطلقة والتفوق العسكري يجد نفسه اليوم محاصراً من الخارج ومخنوقاً من الداخل حيث تتحول المنازل داخل المستوطنات إلى رهائن لدى البنوك ويصبح الراتب غير كافٍ لتغطية أساسيات العيش، وهذه الصورة تتناقض كلياً مع الخطاب الذي حاول الاحتلال تسويقه عن قدرته على الصمود وعن مناعته الاقتصادية في وجه التحديات.
في هذا السياق يبرز دور صنعاء التي دخلت معركة الإسناد من موقف مبدئي ثابت يرى في فلسطين قضية مركزية وفي مواجهة الاحتلال واجباً أخلاقياً وسياسياً، وتحولت المشاركة اليمنية في هذه المعركة إلى عامل ضغط حقيقي أربك حسابات العدو ووسّع دائرة الاستنزاف، حين يشعر المستوطن الصهيوني أن فاتورة الحرب تصل إلى حياته اليومية وأن تداعيات العدوان لا تبقى على حدود غزة أو جنوب لبنان بل تمتد إلى حسابه المصرفي وإلى غرفة نومه فإن معادلة الردع تتغير وتدخل مرحلة جديدة.
اللافت في نتائج الاستطلاع أن القروض وخطوط الائتمان التي يُفترض أنها أدوات مؤقتة لتجاوز الأزمات تحولت إلى فخ طويل الأمد حيث يعود معظم من يحصلون على قروض لسد السحب على المكشوف إلى الوضع ذاته بعد فترة قصيرة، هذا الدوران في حلقة مفرغة يعكس سياسة اقتصادية تقوم على ترحيل الأزمة إلى المستقبل بدلاً من معالجتها جذرياً وهو نهج يعمّق الشعور بانعدام الأفق لدى المستوطنين ويفتح الباب أمام تفكك اجتماعي صامت.
إن ما يجري داخل الكيان الصهيوني اليوم يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الشأن الاقتصادي البحت، فالمجتمع الذي يُستنزف مالياً ونفسياً يصبح أقل قدرة على تحمّل حروب طويلة وأقل استعداداً لدفع أثمان المغامرات العدوانية التي يصر قادته على خوضها، ومع اتساع رقعة الرفض الداخلي وارتفاع الأصوات التي تحذّر من الانهيار الاجتماعي تتآكل أسطورة التفوق وتنكشف حقيقة كيان قام على الظلم والنهب ويواجه اليوم نتائج خياراته.
من صنعاء التي اختارت موقعها في خندق المقاومة تبدو هذه التطورات دليلاً إضافياً على صوابية الرهان على الصمود والإسناد وعلى أن معركة الأمة مع الاحتلال ليست معركة شعارات بل صراع إرادات طويل النفس، وعندما تتكامل الضغوط العسكرية مع الاختناق الاقتصادي والاجتماعي داخل الكيان تتقدم القضية الفلسطينية خطوة جديدة نحو فرض معادلة مختلفة عنوانها أن العدوان مكلف وأن زمن الاستباحة بلا ثمن يقترب من نهايته، وفي هذا المشهد المتحوّل يثبت اليمن أنه لاعب إقليمي صاعد يحسب له العدو وحلفاؤه ألف حساب وأن صوته القادم من صنعاء بات جزءاً فاعلاً من معادلة الردع والتوازن في المنطقة.

أترك تعليقاً

التعليقات