فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
ما الذي يمكن أن يدفع مصر، بثقلها التاريخي ومكانتها العربية ومصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر، إلى الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة مع اليمن؟ وما الذي يمكن أن تجنيه القاهرة من حرب سبق أن دفعت فيها أثماناً باهظة، بينما تتجه المنطقة نحو مرحلة تتداخل فيها الصراعات العسكرية مع التنافس على الممرات البحرية وموازين النفوذ؟ تعيد التصريحات المتداولة بشأن احتمال مشاركة مصر في عمليات ضد اليمن طرح أسئلة عميقة حول استقلال القرار المصري، وحدود التحالف مع السعودية، ومدى توافق الحسابات الإقليمية للرياض مع مقتضيات الأمن القومي المصري.
تستدعي هذه التساؤلات تجربة الستينيات، عندما أرسل جمال عبدالناصر قواته إلى اليمن لدعم الجمهورية عقب ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، في مواجهة القوى الملكية التي حظيت بدعم سعودي. يومها تحولت الأراضي اليمنية إلى ساحة مواجهة إقليمية بين القاهرة والرياض، ووجد الجيش المصري نفسه أمام حرب استنزاف طويلة، فرضت عليه أعباء بشرية ومالية وعسكرية متزايدة، قبل أن ينسحب عام 1967 في ظل التداعيات الثقيلة لحرب يونيو. وقد بقي النظام الجمهوري قائماً بعد الانسحاب، بينما تركت التجربة أثراً عميقاً في الحسابات الاستراتيجية المصرية.
وتكمن المفارقة التاريخية في أن السعودية التي سعت خلال الستينيات إلى إضعاف الوجود العسكري المصري في اليمن، تجد نفسها اليوم، وفق ما تثيره التصريحات المتداولة، في موقع الساعي إلى استقطاب القوة المصرية لخدمة أهدافها في الساحة اليمنية. تبدلت مواقع التحالفات وتغيرت موازين القوى، وبقي اليمن حاضراً في الحسابات الإقليمية بوصفه ساحة تتقاطع فيها مصالح الدول وتتنازع على التأثير في مستقبله. ومن هنا تبرز أهمية الدرس التاريخي الذي يربط بين حجم القوة العسكرية وصعوبة تحقيق الأهداف السياسية داخل مجتمع يمتلك خصوصياته الجغرافية والاجتماعية وتاريخه الطويل في مقاومة التدخلات الخارجية.
غير أن المسألة الأكثر حساسية تتعلق بموقع القرار المصري داخل هذه المعادلة. فالقاهرة تمتلك مؤسسات عسكرية عريقة ومصالح وطنية واسعة، وتحتل مكانة محورية في النظام الإقليمي العربي. ولذلك فإن أي قرار بالمشاركة في عمليات عسكرية ضد اليمن يستوجب تحديد المصلحة المصرية المباشرة، وطبيعة الأهداف المراد تحقيقها، والتكلفة المحتملة على الاقتصاد والأمن والعلاقات الإقليمية. وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما ترتبط المشاركة المحتملة بأهداف تحددها دولة حليفة تمتلك حساباتها الخاصة تجاه اليمن.
وتظهر هنا مفارقة سياسية أخرى تتصل بالعلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين. فقد جعل الرئيس عبدالفتاح السيسي مواجهة الجماعة أحد المحاور الرئيسية لسياسته الداخلية منذ العام 2013، بينما تضم الساحة اليمنية قوى سياسية وعسكرية ذات صلات تاريخية أو فكرية بالتيار الإخواني، وفي مقدمتها مكونات داخل حزب الإصلاح، الذي ارتبط بعلاقات متغيرة مع السعودية خلال سنوات الحرب. وإذا انخرطت القاهرة في عمليات عسكرية ضمن ترتيبات تستفيد منها تلك القوى، فستجد نفسها أمام تساؤلات حول التناقض بين أولوياتها الداخلية ونتائج تحالفاتها الخارجية.
وتكتسب هذه المفارقة أبعاداً أعمق عندما ننتقل إلى باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية المتصلة بالمصالح المصرية. فحركة السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس تجعل استقرار هذا المضيق عنصراً أساسياً في الاقتصاد المصري، خصوصاً في ظل اعتماد القناة على انتظام التجارة الدولية وتراجع المخاطر التي تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها. وأي توسع للمواجهة العسكرية في هذه المنطقة قد يضيف أعباء جديدة إلى حركة الملاحة والتأمين والتجارة، وهي نتائج تنعكس بصورة مباشرة على المصالح الاقتصادية للقاهرة.
ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال استراتيجي يستحق أن يكون حاضراً في دوائر صنع القرار المصري: هل يؤدي الانخراط العسكري في اليمن إلى تعزيز أمن البحر الأحمر، أم يزيد احتمالات اتساع الصراع ويضع المصالح البحرية المصرية أمام مخاطر إضافية؟ تتطلب الإجابة دراسة طبيعة التهديدات القائمة، وأهداف العمليات المحتملة، وإمكانات نجاحها، والتداعيات التي قد تترتب على انتقال مصر من موقع التأثير الدبلوماسي إلى المشاركة المباشرة في المواجهة.
ويمتد أثر هذا الخيار إلى المكانة السياسية للقاهرة لدى اليمنيين. فقد احتفظت مصر بعلاقات تاريخية وثقافية وتعليمية عميقة مع اليمن، وأسهمت مؤسساتها وجامعاتها في تكوين أجيال من الكفاءات اليمنية. كما منحها ثقلها العربي إمكانية القيام بدور في تقريب وجهات النظر ودعم مسارات التسوية. وتزداد قيمة هذا الدور في ظل تعقيدات الصراع اليمني، حيث تحتاج الأطراف إلى قنوات تواصل تستطيع المساهمة في خفض التصعيد وبناء التفاهمات. وأي مشاركة مصرية مباشرة في عمليات عسكرية ضد طرف يمني ستنعكس على فرص قبول القاهرة وسيطاً لدى ذلك الطرف، وقد تؤثر في رصيد العلاقات التاريخية الذي تراكم خلال عقود. ومن هنا تصبح المحافظة على القدرة الدبلوماسية جزءاً من حسابات المصلحة الوطنية المصرية، خصوصاً أن التسوية السياسية والاستقرار البحري يرتبطان ارتباطاًا وثيقاً بمستقبل الأمن في البحر الأحمر.
أما العلاقة مع السعودية، فتحمل بدورها اعتبارات اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة، وهو ما يجعل التنسيق بين البلدين أمراً مفهوماً في سياق التحالفات الإقليمية. لكن قوة هذه العلاقة تتوقف أيضاً على قدرة كل طرف على تحديد مصالحه الخاصة وإدارة الاختلافات المحتملة حول الوسائل والأهداف. فالمصلحة السعودية في اليمن تتأثر بحسابات الحدود والنفوذ والتوازنات الداخلية، بينما تنطلق المصالح المصرية من أمن الملاحة وقناة السويس والاستقرار الإقليمي ومكانة القاهرة السياسية. وقد تتقاطع هذه المصالح في بعض الملفات وتتباين في أخرى، الأمر الذي يفرض تقييماً مستقلاً لكل خطوة عسكرية أو سياسية.
وفي ضوء ذلك، تصبح تجربة عبدالناصر أكثر من مجرد ذكرى تاريخية. إنها تذكير بكلفة الانخراط في صراعات تتجاوز أهدافها الأولية، وبحاجة الدول إلى تقدير حدود القوة العسكرية وعلاقتها بالنتائج السياسية. وقد اختلفت ظروف اليمن ومصر والمنطقة كثيراً منذ الستينيات، لكن الأسئلة المتعلقة بالكلفة والغاية والقدرة على إنهاء الحرب ما تزال تحتفظ بأهميتها.
وتجد القاهرة اليوم أمامها فرصة لاستخدام ثقلها في حماية الملاحة ودعم التسوية وخفض احتمالات المواجهة الإقليمية. فهذه المسارات تتصل مباشرة بمصالحها الاقتصادية والأمنية، وتنسجم مع مكانتها التاريخية وعلاقاتها الممتدة مع الشعب اليمني.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي قرار بالمشاركة العسكرية: هل تستجيب الخطوة لمقتضيات الأمن القومي المصري، أم تعكس أولويات السياسة السعودية تجاه اليمن؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد طبيعة الدور الذي تختاره القاهرة في المرحلة المقبلة، وستكشف مدى قدرتها على تحويل ثقلها الإقليمي إلى عامل استقرار يحمي مصالحها ويحافظ على استقلال قرارها. فالتاريخ يمنح الدول دروساً ثمينة، وتزداد قيمة تلك الدروس عندما تستحضرها القيادات قبل اتخاذ القرارات التي قد ترسم مستقبل العلاقات بين الشعوب لعقود طويلة.

أترك تعليقاً

التعليقات