وجه الاحتلال الحقيقي
 

فؤاد أبو راس

م. فؤاد أبو راس / لا ميديا -
وصل الكيان الصهيوني إلى مستوى خطير جداً من التوحش وهو يفتح الباب أمام إعدام الأسرى الفلسطينيين بقانون رسمي. هذه الخطوة تكشف حقيقته بشكل واضح، وتؤكد أن هذا الكيان لا يكتفي بالقتل في الميدان، ولا بالحصار، ولا بالسجون، وإنما يريد أن يجعل الموت نفسه جزءاً من القانون.
فالمسألة هنا أكثر من كونها إجراء قضائياً؛ إنها رسالة شديدة القسوة تقول إن الأسير الفلسطيني، حتى وهو داخل السجن وتحت السيطرة الكاملة، ما يزال في نظر الاحتلال هدفاً يمكن التخلص منه. وقد أثار هذا القانون اعتراضات واسعة باعتباره تمييزياً ومخالفاً للقانون الدولي.
خطورة هذا القانون تتجاوز حدود النص، لتمتد إلى الفكرة التي يقوم عليها. فحين تقرر سلطة احتلال أن تمنح نفسها حق إعدام الأسير، فهي تكشف عقلية قائمة على الانتقام والكراهية، لا على العدالة. الأسير في أي مكان في العالم يفترض أن يكون تحت حماية القانون؛ لكن الاحتلال يريد أن يحول وجوده في السجن إلى طريق مفتوح نحو الموت. وهذا يكشف أن القضية تتعلق أساساً بطريقة نظر الاحتلال إلى الفلسطيني نفسه: إنساناً منزوع الحقوق، يمكن اعتقاله ومحاكمته والتشدد معه، ثم التفكير في إعدامه وكأن حياته لا قيمة لها.
المشكلة أيضاً أن هذا القانون يأتي في سياق يعرف الجميع أنه يفتقر إلى العدالة الحقيقية، فالفلسطيني لا يُحاكم داخل ظروف متوازنة أو محايدة، وإنما داخل منظومة عسكرية وقهرية تعرّضت لانتقادات كثيرة من منظمات حقوق الإنسان، التي أشارت إلى معدلات إدانة مرتفعة جداً بحق الفلسطينيين في المحاكم العسكرية. ولهذا فإن الخوف لا يتعلق بالعقوبة فقط، وإنما بالبيئة التي يمكن أن تصدر فيها هذه العقوبة، وهي بيئة تجعل العدالة نفسها موضع شك كبير.
هذا القانون يكشف أيضاً حجم الأزمة الأخلاقية التي يعيشها الكيان. فالكيان، الذي يمتلك جيشاً ضخماً، ودعماً سياسياً واسعاً، وتفوقاً عسكرياً هائلاً، وصل إلى مرحلة أن يواجه الأسير المقيد بحبل المشنقة. وهذه صورة شديدة الدلالة؛ لأنها تعني أن الاحتلال، رغم كل ما يملكه من قوة، ما يزال يشعر بالخوف من الفلسطيني، حتى وهو داخل الزنزانة. ويعني أيضاً أن ما يعجز عن كسره بالقوة المباشرة، يحاول أن يكسره بالرعب والتشريع وصناعة المزيد من الألم.
والأخطر من ذلك كله أن الاحتلال يريد من العالم أن يعتاد هذا المشهد. يريد أن تصبح فكرة إعدام الأسير الفلسطيني خبراً عادياً، وأن تمرّ الجريمة في إطار قانوني بارد، وكأنها مسألة يمكن مناقشتها بهدوء مثل أي مادة تشريعية أخرى. هنا تكمن بشاعة الأمر؛ لأن الجريمة حين تُكتب في القانون لا تصبح أقل قبحاً، وإنما تصبح أكثر خطراً؛ لأنها تنتقل من مستوى الفعل المنفلت إلى مستوى القرار الرسمي. وهذا هو المعنى الحقيقي للفجور السياسي: أن يُنظَّم الظلم، وأن يُقدَّم القتل في صورة حق.
في النهاية، يكشف هذا القانون أن الكيان الصهيوني يمضي بعيداً في طريق التوحش، مستفيداً من صمت كثيرين، ومن ضعف الردع الحقيقي. وهو، بهذا المسار، يكتب صفحة جديدة من صفحات العار في تاريخه. فإعدام الأسير ليس قانوناً محترماً، ولا عدالة، ولا دفاعاً عن النفس؛ إنه صورة مكثفة لعقلية ترى في قتل الفلسطيني حلاً، وفي القسوة سياسة، وفي الطغيان حقاً.
وهنا يبقى السؤال الذي يجب أن يطارد العالم كله: كيف يمكن الحديث عن القانون وحقوق الإنسان، إذا صار الأسير الفلسطيني مشروع مشنقة بتوقيع رسمي؟!

أترك تعليقاً

التعليقات