معركة استعادة القرار اليمني
- فؤاد أبو راس الثلاثاء , 29 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:04:24 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
حين اندلعت ثورة 26 سبتمبر 1962، حملت مشروعاً يتجاوز إسقاط الإمامة وإعلان الجمهورية إلى التحرر من الاستبداد والاستعمار، وبناء حكم جمهوري عادل وجيش وطني قوي، وتحقيق التنمية والوحدة وسياسة خارجية مستقلة. ومن هنا بقي السؤال الذي لاحق الجمهورية طوال العقود التالية: هل امتلكت الدولة اليمنية قرارها فعلاً، أم تغير شكل الحكم بينما ظلت السيادة عرضة لمراكز نفوذ داخلية وخارجية؟
منذ الأيام الأولى دخلت السعودية في مواجهة مع النظام الجمهوري الجديد. الوثائق الأمريكية لعام 1962 تصف حرباً بين جمهوريين تدعمهم مصر وملكيين تدعمهم السعودية والأردن. وفي يوليو 1970 اعترفت الرياض بالجمهورية العربية اليمنية، بعد أن أصبح استعادة النظام الملكي خياراً غير واقعي، فتحول الصراع من إسقاط الجمهورية إلى التأثير في طبيعتها وحدود استقلالها.
وتكشف مذكرة أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية في يناير 1978 عمق هذه المعادلة؛ إذ ذكرت أن السعودية أبقت حكومة إبراهيم الحمدي قادرة على الاستمرار مالياً، مع إبقائها في مستوى من الضعف يحد من قدرة الحكومة المركزية على بسط سلطتها، وأن عناصر نافذة في الحكم السعودي رأت في دعم القبائل وسيلة للحفاظ على النفوذ داخل اليمن. وهكذا أصبح الصراع على مركز الدولة جزءاً من الصراع على معنى سبتمبر نفسها: دولة قوية بجيش وطني، أم مركز سياسي محدود القوة تحيط به قوى موازية.
ثم تحولت هذه السياسة، بحسب وثائق اللجنة الخاصة السعودية، إلى بنية مؤسسية. فالوثيقة 49 تتحدث عن مخصصات مرتبطة بـ«المردود الإيجابي» وخدمة المصالح السعودية، وعن تحقيق «قدر كاف من الولاء»، وتقييم المستفيدين وانتقاء شخصيات يتوقع لها تأثير مستقبلي داخل المجتمع والحكومة. وتكشف الوثائق 26 و53 و35 تمويل قبائل وجبهات بالمال والسلاح والذخائر وفتح جبهات داخلية، بينما تتناول الوثائق 1 و37 و38 الدعم المقدم لقيادات عسكرية وسياسية ومتابعة مواقفها بعد ذلك. أما الوثيقة 32 فتختصر المفارقة: دعم احتياجات للجيش و«كسب ولاء القيادات العسكرية اليمنية»، مع ارتياح لغياب تجهيزات قتالية يمكن أن تمنح الجيش قوة قد تستخدم مستقبلاً ضد المملكة السعودية.
هكذا قامت جمهورية بمؤسسات رسمية وإلى جوارها شبكة من المشايخ والقادة والمخصصات والعلاقات المباشرة، فتوزعت القوة والقدرة على التأثير خارج مركز الدولة. وعندما جاءت انتفاضة 2011، أنتجت "المبادرة الخليجية" انتقال السلطة من علي صالح إلى عبدربه منصور هادي تحت مظلة إقليمية صيغت في مجلس التعاون ووقعت في الرياض. وتكشف وثائق اللجنة الخاصة استمرار العلاقة المباشرة مع قمة السلطة الجديدة؛ فالوثيقتان 2 و3 تتناولان طلبات دعم مرتبطة بهادي وملفات تفصيلية عنه وعن محمد سالم باسندوة، فيما تنقل الوثيقة 29 لقاءات للسفير السعودي معهما وطلبات سياسية واقتصادية وشخصية. تغيرت الأسماء في رأس السلطة، وبقيت منظومة التأثير.
وفي هذا السياق جاءت أحداث 2014 لتفتح مواجهة مع البنية التي تراكمت داخل الجمهورية وأبقت القرار موزعاً بين الدولة ومراكز القوة والنفوذ الخارجي. وهنا تتضح العلاقة بين السبتمبرين: 26 سبتمبر وضعت معيار الجمهورية والسيادة والجيش الوطني، و21 سبتمبر أعادت فتح معركة استكمال هذه المضامين بعد عقود من الاختراق والاحتواء.
و"اتفاق السلم والشراكة" الموقع في 21 سبتمبر 2014 يدعم هذا المعنى؛ فقد نص على وحدة اليمن وسيادته واستقلاله، وعلى دولة القانون والمواطنة المتساوية والحكم الرشيد والإصلاح الاقتصادي والإداري.
واستمر المسار السياسي بعد ذلك؛ فالمبعوث الأممي جمال بن عمر قال إن الأمم المتحدة عقدت خلال الشهرين السابقين لـ«عاصفة الحزم» نحو 65 اجتماعاً وأكثر من 150 لقاءً ثنائياً، وإن الأطراف وصلت إلى توافق واسع على العناصر الأساسية لاتفاق لتقاسم السلطة، مؤكداً أن اليمنيين كانوا «قريبين جداً من اتفاق»، وأن السلام المستدام يمر عبر مفاوضات يمنية بعيدة عن التدخل والإكراه الخارجي.
وهكذا يكتمل الرابط التاريخي: 26 سبتمبر أسقطت الإمامة وأعلنت الجمهورية، و21 سبتمبر استهدفت منظومة النفوذ التي نمت داخلها وحالت دون اكتمال استقلالها. الأولى فتحت باب الدولة الحديثة، والثانية أعادت سؤال السيادة إلى قلب المشروع الوطني: ما قيمة الجمهورية إذا كان قرارها موزعاً خارج مؤسساتها؟
معركة استكمال سبتمبر هي إذن معركة جمهورية كاملة السيادة؛ جيشها أقوى من مراكز النفوذ، وقرارها يصنع داخل مؤسساتها، وقادتها لا تتحول أسماؤهم إلى ملفات في لجان خارجية تقيس الولاء وتوزع المخصصات. 26 سبتمبر أسقطت الإمامة، و21 سبتمبر أعادت معركة التحرر من الوصاية إلى مركز المشروع الوطني: يمن جمهوري في نظامه، مستقل في قراره، قوي بدولته، وسيد على أرضه وثروته ومستقبله.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس