يمن اليوم ليس يمن الأمس
 

فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
في معادلة تسيير الرحلات الجوية المدنية بين طهران وصنعاء، وما يرافقها من تهديدات حول إمكانية منعها أو اعتراضها، لا تبدو إيران كمن يخوض تجربة مجهولة النتائج؛ فهي سبق أن اختبرت حدود الجرأة السعودية عملياً، وراقبت كيف تتصرف الرياض عندما تصبح المواجهة أمام طرف يملك القدرة والإرادة على الرد وفرض كلفة حقيقية لأي اعتداء.
إيران ضربت مواقع وقواعد أمريكية ولوجستية داخل الأراضي السعودية، ثم تابعت ردود الأفعال، وخرجت بخلاصة واضحة: السعودية قد ترفع صوتها كثيراً؛ لكنها لا ترغب في مواجهة مباشرة مع دولة تعرف كيف تحمي نفسها. كما تدرك المملكة أن أي اندفاع غير محسوب قد يضعها أمام نتائج يصعب التحكم بمسارها أو احتواء تداعياتها.
الجرأة السعودية ظهرت طوال السنوات الماضية في الساحات العربية؛ قصفت مطار صنعاء، حاصرت اليمن، وتدخلت في شؤون دول عربية وعبثت بأمنها واستقرارها، مستفيدة من اختلال موازين القوة، ومن الغطاء الأمريكي والغربي. وعندما تقف السعودية أمام دولة قادرة على الرد، تنخفض نبرة التهديد، وتتراجع الاستعراضات، وتبدأ الحسابات الدقيقة.
وفي اليمن تحديداً، دخلت السعودية الحرب وهي تحمل في ذاكرتها صورة يمن قديم: بلد فقير، محدود الإمكانات، يمكن إخضاعه بحملة جوية قصيرة، وترويعه بالقصف والحصار، ثم فرض الإرادة عليه من الخارج. كانت تتعامل مع اليمن باعتباره الحلقة الأضعف في محيطها، والساحة الأسهل لاستعراض قوتها وتأكيد تفوقها.
غير أن الصدمة الكبرى جاءت حين اكتشفت أن يمن اليوم ليس اليمن الذي عرفته في عقود سابقة. لقد خرج من تحت الركام يمناً مختلفاً؛ أكثر صلابة، وأشد بأساً، وأوسع قدرة على المبادرة والرد؛ يمناً صبر تحت النار، وراكم خبرته، وطوّر أدواته، وانتقل من موقع تلقي الضربات إلى موقع يملك فيه الوصول إلى العمق السعودي وتهديد المصالح والمنشآت الحيوية متى فُرضت عليه المواجهة.
اليمن الذي ظنته فريسة سهلة ظهر أمامها أسداً ضرغاماً مقداماً، يعرف كيف يحمي نفسه، ويملك من الشجاعة والقدرة ما يجعله قادراً على إيلام من يعتدي عليه. وهنا تبدلت المعادلة: من حرب كانت الرياض تتخيل أنها ستحسمها خلال أسابيع، إلى مأزق طويل جعلها تدرك أن أمنها واستقرارها لم يعودا منفصلين عن أمن اليمن وحقوق شعبه.
ويشبه حال السعودية قطة تستأسد على قطط الحارة من بني جلدتها؛ تنفش شعرها، وترفع صوتها، وتخدش هذه، وتطارد تلك، وتتصرف وكأن الحي كله ساحة مفتوحة لاستعراض مخالبها. وما إن يظهر أمامها من لا يخشى مواءها ويملك أن يرد عليها، تختبئ خلف الجدار، ويهدأ الصراخ، وتتحول الجرأة إلى حذر شديد.
ولهذا لن تأبه طهران كثيراً لكل ما يُقال حول الرحلات المدنية بين طهران وصنعاء؛ لأنها قرأت ميزان القوة واختبرت حدود الفعل السعودي. وهي تعرف أن السعودية، التي تجرأت على مطار صنعاء وعلى شعوب عربية كثيرة، ستفكر ألف مرة قبل ارتكاب حماقة تجاه طائرة مدنية إيرانية.
فاستهداف طائرة إيرانية مدنية لن يكون حادثاً يمكن احتواؤه إعلامياً أو تمريره كما مُررت اعتداءات أخرى، وإنما خطوة خطيرة تفتح أبواباً سياسية وعسكرية وقانونية، وتضع الرياض أمام رد لا تملك ضمان حدوده ولا التحكم بنتائجه.
المسألة في جوهرها جرأة انتقائية؛ تتضخم أمام الدول العربية التي تتصورها ضعيفة، وتنكمش أمام من يملك القوة والإرادة والقدرة على الرد. إنها قطة ترفع مخالبها داخل الحارة، ثم تبحث عن أقرب جدار تختبئ خلفه متى تغيرت طبيعة المواجهة، وقد كان اليمن أول من مزّق أمامها صورة الفريسة، وأجبرها على رؤية الأسد الذي لم تتوقع أن ينهض من تحت الركام.

أترك تعليقاً

التعليقات