مروان ناصح

مروان ناصـح / لا ميديا -
في حضن الوطن.. حين غنّى الأكراد مع الأرمن ورقص الشركس مع العرب
في الجزيرة السورية (محافظة الحسكة) إبّان الخمسينيات، كما عشتها، كان الوطن آنذاك قلباً نابضاً، لا خريطةً صامتة؛ قلباً تتماوج فيه أنغام الأكراد مع الأرمن، وتتردد الترانيم السريانية الآرامية جنباً إلى جنب مع الأناشيد العربية، وترقص فيه خطوات الشركس بجوار العرب، وتتجاور فيه أصوات التركمان والآشوريين كما تتجاور قطرات المطر على زجاج نافذة قديمة.

أغانٍ بلغات شتى
في الحارات الشعبية (قدّور بك) وسواها لم تكن الجدران تفصل، بل تحتضن.
تسمع الأرمنية تهمس "سباس"، فترد الكردية "زور سباس"، وتطل التركمانية بضحكة "ساغول"، وتطل السريانية بترنيمة "شلاماه"، ثم تتمازج كلها بـ"مرحبا" عربية دافئة، فتولد لغة جديدة لا معجم لها سوى المودة.

دروس المحبة
هناك، في صفوف المدرسة، لم يكن المقعد خشباً بارداً، بل جسراً يجمع السرياني بالأرمني والكردي، والشركسي بالآشوري، على سبورة واحدة، وقلم واحد، ونشيد واحد.
وعندما يركضون وراء كرة قماشية في الساحة، كانوا يتوزعون فرحاً لا أعراقاً.

الأعراس.. حين كان الفرح
أوسع من الاسم
في ليالي الزفاف، تتشابك الأيدي في دبكاتٍ متعددة الإيقاع، كأن الأرض ذاتها تحتفل بولاداتها الكثيرة.
الزغاريد لا تعرف لهجة واحدة، والمائدة تمد أطباقها كذراعين مفتوحتين، لكل ضيفٍ مكان، ولكل أغنية صدى في القلوب.

الأعياد.. حين كان الفرح مشتركاً
ما أجمل تلك الأيام، حين كان الأول من نيسان، أو عيد النيروز، أو الأعياد السريانية العريقة، أو ذكرى وطنية كعيد الجلاء، تفتح أبواب البيوت كلها.
كل عيدٍ يخص جماعة؛ لكن جميع الأعياد تخص الوطن، فلا تُحصى التهاني، بل تتكاثر كأزهار الربيع.


أناقة الاختلاف
كان الكردي يمشي بثوبه التقليدي كأنه يمشي بتاريخ، وتسير الأرمنية بلغتها كما تسير بوشاح، ويرفع السريان صلواتهم بحنين موغل في التاريخ، ويصلي الآشوري بتراتيله كمن يزرع شجراً.
لم يقل أحد: كن مثلي؛ بل قال: كن أنت أنت، فأنا أحبك كما أنت!

خاتمة:
ذلك كان الزمن الجميل، زمناً لم يخفْ من التعدد، بل جعل منه ثراءً كفسيفساء يضيئها النور من كل الجهات.
زمناً يشبه رقصة جماعية، كل واحدٍ يخطو على طريقته؛ لكن الموسيقى واحدة؛ موسيقى الوطن.
ذلك الزمن لم يسأل عن الاسم، ولا عن الأصل، بل عن الضحكة التي توحّد، والرغيف الذي يُتقاسم، والفرح الذي يعم بيوت الجميع...
هناك، كان التنوع وردةً، لا شوكةً، وكان الوطن بستاناً لا يعرف غير ثمار المحبة.
واليوم، ونحن نتنازع على الهوية، ندرك أن الجمال لم يكن في اللون الواحد الصارم، بل في التنوّع الذي لم يُفسد للود قضية.

أترك تعليقاً

التعليقات