الركض من حماقةٍ إلى حماقة
- إيهاب زكي الأربعاء , 1 أبـريـل , 2026 الساعة 1:04:20 AM
- 0 تعليقات

إيهاب زكي / لا ميديا -
قال الجنرال أندريه بوفر (1975-1902)، قائد القوات الفرنسية في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956: كنتُ على متن الطائرة مع إسحاق رابين فوق سيناء، وأهنئه بهذا النصر الكبير، ففاجأني بقوله: «وماذا سيبقى من كل هذا؟». كذلك يقول المؤرخ الصهيوني شلومو رايخ: ستظل «إسرائيل» تركض من نصرٍ إلى نصرٍ حتى تصل إلى نهايتها المحتومة.
لم يعش شلومو رايخ ليرى «إسرائيل» وهي تركض من هزيمة إلى هزيمة، ومن حماقةٍ إلى حماقة، فإذا كانت وهي تركض من نصرٍ إلى نصرٍ، تتجه إلى نهايتها المحتومة بالزوال، فكيف وهي تركض من فشلٍ إلى فشل، ومن جريمةٍ إلى جريمة؟ كذلك لم يعش الجنرال بوفر ليرى نبوءة رابين: وماذا بقي من كل هذا؟ سوى الجرائم والعزلة والنبذ، والكثير من العنجهية والصلف وغرور الحمقى، وبداية النهاية المحتومة.
منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023، لم تستطع «إسرائيل» حسم أي جبهة، رغم كل ما استخدمته من قوة، ورغم كل ما ارتكبته من جرائم، جرائم لم تُبقِ خطًا أحمر لقانون حرب أو قانونٍ دولي أو قانونٍ إنساني أو عرف أو أخلاق أو دين إلا تجاوزته وضربت به عرض الحائط، في غزة ولبنان واليمن وإيران.
وقد أغرتها خفة عقل رجل البيت الأبيض، كما أغرتها سياسة الإفلات من العقاب، وأغراها التواطؤ العربي الرسمي حد الشراكة، والصمت أو التخلي الشعبي حد البلادة. كذلك أغرتها حماقتها بأن محور المقاومة يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولم يتبقَّ سوى ضربة على الرأس في إيران، فيموت للأبد، ويصبح نتنياهو ملكًا متوجًا من جبال الأناضول إلى جبال الأطلس.
ولكنه اكتشف، أو سيكتشف قريبًا، أنه ركض نحو حماقته الكبرى في إيران، ثم ركض نحو حماقةٍ أخرى في لبنان، إذ كان يعتقد أن أربعة أيام كافية لإسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية، فأي عقل بائس هذا؟ وأي هواجس مريضة ساورته حتى جعلته يذهب إلى حتفه سعيًا بعينين مفتوحتين؟ فإيران قوة كامنة منذ خمسة عقود، لكنها متوثبة في كل لحظة انتظارًا واستعدادًا.
إيران التي اتخذت من العقلانية سياسة، ومن حسن الجوار شعارًا، ومن مدّ اليد للجميع هوية، رغم كل طعنات الظهر من محيط ناصبها العداء، لمجرد أنها تبنّت قضية فلسطين بوصلة، وجعلت من مقاومة العدوان الصهيوني استراتيجية، وأباح محيطها العربي نفسه للكيان في سبيل إسقاطها بسياساتها وشعاراتها وهويتها.
ورغم أن إيران كانت تنظر بعين الريبة والشك إلى كل تلك القواعد الأمريكية في محيطها العربي، وتدرك خصوصًا بعد ما سُمّي «اتفاقات أبراهام»، أن هذا الاختراق الهائل عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا وثقافيًا لا يستهدف سواها، ظلت تتعامل بدبلوماسية مع كل مظاهر العداء والعدوانية تلك، منذ الحرب المفروضة، المعروفة باسم حرب الخليج الأولى، واستمرت في ممارسة سياسة الاحتواء والعض على الجراح.
لكن منذ 28 شباط/ فبراير 2026، لم تعد هناك قابلية للاحتواء، حيث تجرأت الولايات المتحدة و«إسرائيل» على التعدي على إيران، واستخدمت قواعدها العسكرية والبنى التحتية في دول الخليج العربي في ذلك العدوان، وظنوا أن هذه القواعد، نظرًا لوجودها في أراضٍ عربية، ستكون الخاصرة الرخوة لإيران، حيث إن إيران ليست معنية، كعادتها، باستعداء محيطها العربي. واستهداف إيران لتلك القواعد كان أحد مفاجآت هذه الحرب.
حيث يجب على من فتحوا أرضهم وأجواءهم ومياههم للمعتدين على إيران أن يذوقوا وبال أمرهم، وأن يعرفوا أن هذه القواعد التي أتوا بها لحمايتهم لا تستطيع حماية نفسها، وأصبحت بحاجة إلى مظلة من تضليل وتزوير وتحريض لحمايتها، وأصبح تسعير خطاب التحريض العرقي والمذهبي بمثابة صواريخ «ثاد» عربية لحماية تلك القواعد من غضب إيران، فما يجيد النفط غير صناعة الفتن؟
واليوم، ونحن ندخل الشهر الثاني من الحرب، فإن الأدلة القطعية ميدانيًا وسياسيًا تدل على فعالية القيادة والسيطرة في إيران، خصوصًا التصعيد المتناسب والمنسق، وأن نظامها يحظى بالتفاف جماهيري واعٍ وصلب. كذلك فإن ردود إيران على مساعي التفاوض تُبرز أنها ليست في عجلة من أمرها، وهذا دليل قوة وثقة، وهي تسعى لتحويل هذه القدرة إلى مكتسبات دائمة.
ولا يوجد في دخول الحرب شهرها الثاني ما يمكن للولايات المتحدة و«إسرائيل» فعله ولم تفعله، سوى ارتكاب المزيد من الحماقات، كاستهداف محطات الطاقة ومصادرها، أو الإقدام على الغزو البري، وكل هذه الخيارات لن تكون إلا بمثابة الركض من حماقة إلى حماقة، تأخذ الإمبراطورية إلى مصير الأفول، وتأخذ الكيان إلى مصيره المحتوم.










المصدر إيهاب زكي
زيارة جميع مقالات: إيهاب زكي