محمد محمد السادة

السفير محمد محمد السادة / لا ميديا -
مرت العلاقات السعودية -الإماراتية بمرحلة من التحالفات والمصالح وتنفيذ الأجندات لصالح المشروع الامريكي -الصهيوني في التقسيم والإضعاف لدول المنطقة العربية، حيث شكلت العديد من الملفات والقضايا على صعيد المنطقة المصالح المشتركة والتحالفات بين السعودية والإمارات، بدءاً بليبيا وسوريا، ثم العدوان على اليمن. والتحالف ضد إيران على اعتبار أنها خطر مشترك يهدد البلدين، واعتبار الإخوان المسلمين خطرا مشتركا على العائلات الحاكمة في الخليج، وصولاً إلى القيادة المشتركة للحصار على قطر، وانتهاءً بالتوجه للتطبيع والتحالف مع كيان العدو «الإسرائيلي» على حساب القضية الفلسطينية.

ثم انتقلت علاقات البلدين إلى مرحلة متنامية من التنافس والخلافات غير المُعلنة، لاسيما على المستويين الاقتصادي والسياسي، صاحبه اختلاف في التوجهات الجيوسياسية، وطموحات قيادية على مستوى المنطقة تصادمت فيها مصالح البلدين في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، منها ملف اليمن، ورغم حرص البلدين على أن تظل خلافاتهما «هادئة» ولا تُثار على المستوى الإعلامي والسياسي إلا أن زيادة حدة التنافس والخلافات بدأت تخرج عن السيطرة لتشكل ملامح مرحلة جديدة في علاقات البلدين سمتها الصراع العلني، لاسيما مع فشل الوساطة الأمريكية التي جرت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي لاحتواء خلافات البلدين التي ظهرت مُعلنة عن انهيار التحالف السعودي -الإماراتي في اليمن كأولى بوادر الصراع ونشوب حرب باردة على أقل تقدير.
رغم التحالفات في عدد من ملفات المنطقة فقد برزت جوانب التنافس والخلاف بين السعودية والإمارات، على المستوى السياسي من خلال توجهات إماراتية حثيثة للتخلص من التبعية للسعودية، بل وممارسة دور إقليمي منافس للسعودية عبر توجهات خارجية مستقلة وعدم التزامها بالتحالفات والتفاهمات مع السعودية في عدد من القضايا والملفات المشتركة، حيث قامت الإمارات بتوجهات استباقية أحادية تجاه عدد من الملفات والقضايا الإقليمية دون تنسيق مع السعودية، منها على سبيل المثال خفض التوتر واستئناف علاقاتها مع كل من تركيا عام 2021م، ومع إيران عام 2022م، بالإضافة الى قيادة عملية التطبيع مع كيان العدو «الإسرائيلي»، كما أن عدم حضور ابن زايد القمة العربية -الصينية في الرياض في ديسمبر/ كانون الأول 2022م، وعدم حضور ابن سلمان قمة أبوظبي في يناير /كانون الثاني 2023م عكس حالة متقدمة من الفتور الذي وصلت إليه علاقات البلدين.
على الصعيد الاقتصادي فقد تراجع التنسيق في السياسات الإقليمية مع زيادة المنافسة الاقتصادية بين البلدين على النفوذ وعلى التنويع الاقتصادي، كما يوجد إصرار سعودي متنام للتفوق وإزاحة الإمارات كمركز اقتصادي إقليمي، بالإضافة الى تصاعد خلافات البلدين حول قضايا الطاقة، لاسيما السياسات النفطية داخل أوبك، حيث ظهرت خلافات البلدين للعلن عام 2021 حول تمديد اتفاق خفض الإنتاج الذي حظي بقبول الجميع، عدا الإمارات التي رفضت خفض حصتها النفطية.

انهيار تحالف العدوان السعودي -الإماراتي على اليمن وانعكاساته
تعود خلافات البلدين إلى عام 2017م، عقب تبني الإمارات دعم ما يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، بالإضافة لاعتراضها على هيمنة حزب الإصلاح على ما تسمى بـ«الحكومة الشرعية»، وخلال مشاركتها في العدوان على اليمن تمكنت الإمارات من تطوير سياستها وأهدافها من مجرد تدخل عسكري في إطار تحالف العدوان، ليشمل أهدافا سياسية واقتصادية وعسكرية، يتقدمها محاولة السيطرة على التجارة البحرية في البحرين العربي والأحمر، من خلال هيمنتها على الموانئ والجزر اليمنية الحيوية للهيمنة على خط نقل نفط الخليج، وإمكانية خنق السعودية مستقبلاً، وجعل المشروع السعودي الطموح بتصدير النفط عبر المهرة إلى البحر العربي يصطدم بالسيطرة الإماراتية، فيما انطلقت السعودية في قيادتها لتحالف العدوان على اليمن من دوافع أمنية وسياسية بدرجة رئيسة من خلال إبقاء هيمنتها ووصايتها على اليمن، بالإضافة لتقسيمه وتأمين حدودها معه.
فشلت السعودية في محاولاتها لدمج الفصائل والمليشيات العسكرية الجنوبية لاسيما مليشيات «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ويتضح ذلك من خلال فشل «اتفاق الرياض» الموقع في 2019م بين ما تسمى «الحكومة الشرعية» و»المجلس الانتقالي»، حيث حاولت الرياض من خلال الاتفاق تعزيز حضورها في الجنوب والحد من ثقل الحضور الإماراتي الذي تمكن من خلال أدواته المحلية لاسيما «المجلس الانتقالي» من الإضعاف التدريجي للحضور العسكري والسياسي لما تسمى «الشرعية» وحزب الإصلاح، بالإضافة إلى فشل الأهداف التي بموجبها أنشأت السعودية ما يُسمى «مجلس القيادة الرئاسي» عام 2022م، الأمر الذي دفع السعودية الى تشكيل ما تسمى «قوات درع الوطن» عام 2023م والتوجه بقوة لوقف السيطرة الإماراتية المتنامية على جنوب اليمن.
فقد ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أن ابن سلمان في إحاطة لصحفيين محليين بالرياض في ديسمبر/ كانون الأول 2022م، قال «إنّ الإمارات طعنتنا في الظهر»، مضيفاً: «سيرون ما يمكنني فعله»، وأضافت الصحيفة أنه على إثر تصاعد الخلافات بشأن سياسة التحالف في اليمن وداخل «أوبك» حذر ابن سلمان باتخاذ خطوات عقابية ضد الإمارات مثلما فعل ضد قطر عام 2017م، عندما قام بمساعدة الإمارات بفرض حصار على قطر وقطع العلاقات الدبلوماسية معها.
مما لاشك فيه أن هناك توافقا سعوديا -إماراتيا على تقسيم اليمن وفصل جنوبه عن شماله، إلا أن الخلاف يكمن في أن كلا من البلدين يريد أن يكون الجنوب تحت سيطرته، فالإمارات تريد إنهاء ما تسمى بـ«الشرعية» وسيطرة ما يُسمى «المجلس الانتقالي» على الجنوب وقيادته لمشروع الانفصال الذي يحظى بدعم أمريكي -بريطاني -صهيوني، فيما تريد السعودية أن يكون الانفصال على طريقتها، من خلال إنهاء أدوات السيطرة والنفوذ الإماراتية، واستبعاد القيادات الجنوبية الموالية للإمارات لاسيما في «المجلس الانتقالي»، وحصادها للجهود الإماراتية، بما في ذلك امتلاك واحتواء الأطراف التابعة للإمارات وتجريدها من السلاح، بما يُمكن المملكة من إعادة رسم المشهد في الجنوب وفقاً لمصالحها، ويزيل مخاوف إمكانية تطويق إماراتي -«إسرائيلي» لها على حدودها الجنوبية عبر الاعتراف بدولة في جنوب اليمن بقيادة «المجلس الانتقالي».
ويتجلى التحرك السعودي ضد الإمارات من خلال دعم إعلان رشاد العليمي رئيس ما يُسمى «مجلس القيادة الرئاسي» إلغاء اتفاق الدفاع المشترك مع الإمارات الذي وقع عام 2022م، ومطالبته بخروج القوات الإماراتية من الجنوب خلال 24 ساعة، وطلب السعودية من الإمارات إيقاف أي دعم عسكري أو مالي للأطراف التابعة لها في اليمن، كما رحبت السعودية بعقد ما أسمته «مؤتمر حوار وطني» في الرياض تشارك فيه أطراف جنوبية لمناقشة القضية الجنوبية، بعد إفشالها محاولة مليشيات «المجلس الانتقالي» السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة وإجبارها على الانسحاب تحت وطأة الغارات الجوية السعودية وتسليم مواقعها لـ«قوات درع الوطن»، ومن المتوقع أن يكون هذا المؤتمر آخر مهام ما يُسمى «مجلس القيادة الرئاسي» لشرعنة الانفصال قبل تفككه وسقوطه.
ختاماً، لا شك أن سقوط تحالف العدوان السعودي -الإماراتي في اليمن هو نتيجة طبيعية لعدم شرعيته، وتضارب مصالح البلدين على حساب مصالح اليمن ووحدته وسيادته، وجعله ساحة لتصفية حساباتهما، كما أن هذا السقوط سيقود الى سقوط وشيك لما يُسمى «مجلس القيادة الرئاسي»، وإضعاف للأطراف التابعة للإمارات، لاسيما «المجلس الانتقالي» وقوات المرتزق طارق عفاش، بالإضافة الى تعطيل المشروع الإماراتي لانفصال جنوب اليمن، واستبداله بالمشروع السعودي، وهي مشاريع أمريكية -صهيونية تستهدف اليمن والسعودية، ولن تسمح صنعاء وكل الأحرار في اليمن بتمريرها مهما كانت التضحيات والأثمان.

أترك تعليقاً

التعليقات