عبدالفتاح حيدرة

عبدالفتاح حيدرة / لا ميديا -
إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست مجرد مناسبة لمولد الرسول الأعظم فحسب، بل إنها ذكرى مولد أمة؛ فبولادته عليه وعلى آله الصلاة والسلام ولدت أمة من جديد لتقود العالم وتنشر الفضيلة والعدل والسلام وتحارب الظلم والطغيان، أمة لا تفرق ولا تظلم ولا تضطهد، وما هي إلا عقود قليلة من ولادة المصطفى حتى ارتفعت راية «لا إله إلا الله» في أرجاء الجزيرة العربية وفوق بلاد فارس وعلى تخوم الروم وفي شمال أفريقيا، ودخل الناس في الدين الإنساني الجديد الذي رفع شعار {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، الدين الذي يقول: {لَكُمْ دِيِنِكُمْ وَلِيَ دِيْنْ}. هكذا كان تكريم الباري عز وجل لنبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فجعله سيد ولد آدم ولا فخر، وجعل مولده نورا وبركة.
بالمولد النبوي الشريف ربط الله سبحانه بين محبة المصطفى وبين وجوب إتّباعه بقوله تعالى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبّوُنَ اللهَ فاتّبِعُوُنِيْ يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}، وجعل سبحانه وتعالى طاعة رسوله من طاعته عز وجل القائل: {مَنْ يُطِعِ الرَسُوُلَ فَقَدْ أَطاعَ اَللهْ}، واختصه الله بما لا يعد ولا يحصى من المناقب والمفاخر، وعلى هدي السيرة العطرة هذه لفخر الكائنات تتجسد دروس وعبر خالدة، منها العناية ببناء المجتمع المتماسك الموحد على أساس من إعداد الإنسان الفاضل المتحد مع نفسه أولاً، ومع مجتمعه ثانياً.
وفي هذا يقول الباحثون في السيرة النبوية، إنه كان للإنسان المسلم النصيب الأوفى من جهد الإعداد حينما جعله الإسلام مدار عملية مركزة لصياغته صياغة إيمانية وأخلاقية وفكرية جديدة تستهدي بسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكل فرد في المجتمع راعٍ ومسؤول عن رعيته، القاضي في خصومه، والرجل في أهله، والمرأة في بيتها، والعامل في معمله، والفلاح في حقله، والجار في جاره، والقوي في نصرة الضعيف، والسائر في أمن الطريق، والقادر في حماية العاجز.
إنه مولد المسؤولية الجماعية التي تُشعر الجميع بقوة خفية تعينهم على المحافظة على واجهة المجتمع موحدة نقية، والإيمان الذي يأتي من سلطان فوق سلطة الإنسان يدين به الخاضع له، لأنه مطمئن إليه، وهذا الإيمان هو شرط الشروط في تكوين الإنسان المسؤول المكلف، أي المواطن الذي يراقب الله في علاقته بربه وبالناس أجمعين، ومن هذا الإنسان المؤمن بربه ورسوله يتكون المجتمع الفاضل والمجتمع الموحد ويزداد تماسكا.
لهذا تعتبر مناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف من أهم المناسبات الإسلامية للتأمل في أحوال الأمة الراهنة، وعرض ذلك على ما تركنا عليه الرسول الكريم، واستشراف مستقبلها، والتفكير في الحلول للخروج بها من أزمتها، ورسم الخطط للنهوض بها، كي تسترد العزة المفقودة، وتنال الرفعة والمكانة اللائقة بها بين الأمم، وتصل إلى المقدمة، وتصبح محط تقدير واحترام.
هذه الذكرى العاطرة التي تذكرنا بميلاد هذه الأمة ونشأتها واستوائها على سوقها، الأمة المحمدية التي غيرت مجرى التاريخ بقيادة الرسول الأمي محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الطيبين الطاهرين، وحققت برسالته العدل والرحمة في المجتمع الذي كان يعاني من الظلم والاستبداد والجور، وأزالت الجهل ونشرت العلم ورسخت الإيمان بالله في نفوس الناس، وقضت على العصبيات والسلاليات والقوميات، وأنقذت أجيالا من الجاهلية وبراثنها.
الاحتفالات بالمولود النبوي الشريف هي تمايز حقيقي اليوم بين المنافق الصريح والمؤمن الصريح، وتذكير دائم بأن هذه الذكرى هي ذكرى مولد الأمة المحمدية التي قادت البشرية نحو العزة والكرامة والعدل والاستقلال والسؤدد، فكانت خير أمة أخرجت للناس، ملكت القيادة، ونالت الريادة، وضربت للعالم أروع الأمثلة في كل المجالات، هزمت الطغاة والجبابرة والكفار والمنافقين، وفتحت الأمصار وغرست منهج الله في النفوس ومكنت له في الأرض، فرضي الله عن السابقين الأُول الذين نشروا دين الله وعاشوا من أجله وماتوا في سبيله.
المولد النبوي الشريف مناسبة لمراجعة الذات والنظر في واقع الأمة الحالي، واستشراف المستقبل للمسلم التائه الحائر فوق الأرض الساقط في درك المتأخرين، وفرصة للتعرف على داء الأمة وأمراضها، ومحاولة لإيجاد الأدوية النافعة، والحلول الناجعة للمشكلات التي تتخبط فيها.

أترك تعليقاً

التعليقات