إسبانيا الحرة ودمى الصهيونية
- كمال البرتاني الثلاثاء , 21 أبـريـل , 2026 الساعة 12:13:39 AM
- 0 تعليقات

كمال البرتاني / لا ميديا -
تفجير دمية نتنياهو في بلدةٍ تابعةٍ لمقاطعة ملقة الأندلسية حدثٌ يؤكد أن قلوب الأحرار هي ملاجئ المظلومين الآمنة والمحصنة من التضليل والترهيب، ويعبر عن عمق الوعي الشعبي في إسبانيا، وتناغمه مع التوجه الرسمي، الذي يرى أن الصمت جسرٌ يمدّه الجبناء لقادة معسكر الشر كي يهربوا من المساءلة ويفلتوا من العقاب.
بعد أيام قليلة من «طوفان الأقصى»، وصفت وزيرة الحقوق الاجتماعية الإسبانية، إيوني بيلارا، العدوان على غزة بأنه حرب إبادة جماعية. وقالت وزيرة المساواة إيرين مونتيرو إن انتهاك «تل أبيب» القانون الدولي وارتكابها جرائم حرب لا يمكن أن يمر من دون عواقب.
صدر هذا الموقف من مدريد قبل أن تخترق أصوات الانفجارات واستغاثات الأطفال والنساء حواجز التجاهل في الوطن العربي المجزّأ، حيث أغلب الشعوب غارقةٌ في الترفيه أو عالقةٌ في دوامة الصراعات وهموم الحياة اليومية.
دعا نتنياهو رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز لزيارة الأراضي المحتلة، واصطحبه في جولة داخل كيبوتس «بئيري» الذي كان ميداناً لبطولة الفلسطينيين يوم السابع من أكتوبر، في محاولة لإقناعه بأن الجلّاد قد يصبح ضحيةً إذا ما ذرف الدموع وفخّم عبارات الشكوى.
لم تدم سعادة الصهاينة بالزيارة سوى ساعات؛ لأن سانشيز صرّح -من الجانب المصري في معبر رفح- أن جيش الاحتلال ممعنٌ في قتل أطفال غزة، وعندها تحولت عبارات الترحيب إلى اتهامات بـ»معاداة السامية» و«دعم الإرهاب»، ونصبَ الإعلام العبري مشنقةً للشعب الإسباني كله بتهمة مسؤوليته عن «محاكم التفتيش» في القرون الوسطى.
منذ ذلك اليوم، اتخذت حكومة سانشيز، بضوء أخضر من البرلمان، سلسلةً متواليةً من المواقف والإجراءات المناهضة للإجرام الصهيوني: اعترفت بدولة فلسطين، فرضت عقوبات على وزراء في حكومة نتنياهو، منعت عبور شحنات الوقود والذخائر والإمدادات العسكرية من موانئها وأجوائها، جرّمت التوسع الاستيطاني، وحرّمت منتجات المستوطنات، ضخّت المساعدات إلى رفح، وزادت مساهمتها في دعم وكالة «الأونروا»، انضمت لدعوى جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية، وحثت دول أوروبا على إلغاء أطر الشراكة والتعاون مع كيان الاحتلال، محذرةً من أن التنديد وحده لن يوقف آلة الحرب المجنزرة بالخرافات والأساطير، والمدعومة من البيت الأبيض وكل بيوت الشيطان في الغرب.
قاطعت إسبانيا الرسمية أحداثاً ثقافيةً وفنيةً ورياضيةً يشارك فيها ممثلون عن الكيان، ودعت إلى طرد المنتخبات والأندية الصهيونية من البطولات القارية والعالمية، كما هددت بالانسحاب من المونديال.
كل هذا تزامن مع حراك شعبي كبير في الساحات والمسارح والمنتديات ومدرجات الملاعب وفضاءات التفاعل، وتجنب الإعلام الإسباني إلى حد كبير ضخ الأكاذيب وتزييف الواقع، وظل يسلط الأضواء على الجرائم الصهيونية ويوفر منابر للآراء الحرة.
يظن الكثير من الناس أن هذا التوجه يعبر عن الحكومة اليسارية وحسب؛ لكنه موقف تبناه الملك فيليبي السادس علناً وتتفاخر به النخب، ولقي تأييداً شعبياً أخرس الأبواق التي حاولت فصل «طوفان الأقصى» عن سياق معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال والحصار و»الهولوكوست الصهيوني» المستمر منذ العام 1948.
وهذا التوجه المعبر عن صحوة الضمير، بمنطلقاته الإنسانية والقانونية، ليس جزءاً من التحولات التي أحدثها السابع من أكتوبر 2023؛ لأن التاريخ الإسباني المعاصر حلقات متصلة من المواقف المعادية لنظام الفصل العنصري والمناصرة للشعب الفلسطيني.
لم تعترف إسبانيا بالكيان الصهيوني إلا عام 1986. وحتى بعد التطبيع المتأخر ظلت تقاوم الإغراءات والضغوط، وترفض الرشاوى والوعود، وتفصل بين مكاسب الشراكة الاقتصادية وبين مسؤوليتها في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
في التسعينيات، لعبت إسبانيا دور الوسيط وساهمت -من خلال «مؤتمر مدريد» 1991 و«اتفاق أوسلو» 1993- في رسم صورة وردية للتعايش المستحيل ومغازلة سراب «حل الدولتين»؛ لكنها لم تتخذ الوساطة ذريعةً للحياد كما يفعل بعض العرب اليوم، وإنما عارضت انحدار أوروبا في مسار دعم الكيان والتبعية لواشنطن، ونشطت دبلوماسيتها في تأييد المبادرات الدولية والقرارات الأممية التي تصب في مصلحة القضية الفلسطينية.
لفظت الجامعات عملاء «الموساد»، ورفضت أكاديميات كرة القدم صناعة أبطال يحملون جواز النجمة السداسية، ونأت السينما عن توكيد السردية الصهيونية وتبنّي التراجيديا اليهودية، وتمسكت الفنون البصرية بتجسيد الجمال ومحاربة القبح الذي له ألف مرادف في معجم الساسة الصهاينة.
لقيت الانتفاضة الثانية عام 2000 تأييد الإسبان، الذين هتفوا لأبطالها بالقشتالية والكاتالونية والباسكية، واتخذوا موقفاً صادماً لعصابة إيهود أولمرت وداعميها خلال حرب تموز 2006، حين ظهر رئيس الوزراء آنذاك، خوسيه ثاباتيرو، مرتدياً الشال الفلسطيني ومتهماً الجيش الصهيوني بتعمد قتل المدنيين في لبنان وتدمير مقدراتهم.
في مراحل مختلفة، قبل أن تكسر منصات التواصل الاجتماعي احتكار الإعلام المتصهين، تجاوز الإسبان حدود الجغرافيا واللغة والدين للالتقاء مع أحرار أمتنا والعالم حول المشترك الإنساني، بينما فضلت أغلب الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية البقاء خارج إطار الصورة، في خارطة الرماد، بعيداً عن وجع الفلسطينيين ومعاناتهم.
نحن، اليمنيين، نقدّر مواقف الإسبان، ونرى أنها مثل صواريخنا ومسيّراتنا تطير فوق رؤوس المطأطئين، ويعلو أزيزها على أصوات الانهزاميين والمرجفين، مؤكدة أن الرياح لا تجري بما تشتهي سفن الأعداء والدمى، وأنه سيكون لكل الأحرار نزال مع العدو أينما وجدت مصالحه.










المصدر كمال البرتاني
زيارة جميع مقالات: كمال البرتاني