«لا» 21 السياسي -
بينما ينشغلُ العالمُ برصدِ حركةِ الصواريخ، ثمة «حربٌ صليبية» مستحدثة تُدارُ بعقلياتِ القرونِ الوسطى من داخل غرفِ البنتاغون «الحديثة»، حيث يقف وزيرُ الحرب بيت هيغسيث بوشومه اللاتينية (DeusVult) وعضلاته المفتولة المفتونة، ليعلن للعالم أن معركة واشنطن ضد طهران ليست صراعاً جيوسياسياً، بل هي «هرمجدون» أخيرة باسم يسوع المسيح.. مفارقة ساخرة تجعلُ من «رعاة البقر» الذين لا يتجاوز تاريخهم عُمر سجادةٍ فارسيةٍ عتيقة، يتنطحون لإبادةِ حضارةٍ علّمت البشرية الجبرَ والفلسفة والحوكمة، واضعين أرواح الشعوبِ رهينةً لنبوءاتٍ توراتيةٍ غائمة تُشرعن «البربرية المذهلة» وتُحوّل الرأسمالية المتوحشة إلى «ديانةٍ» تُبيحُ مسحَ الوجود الإنساني بلمسةِ زرٍّ نووية.. وتحت غطاءٍ أخلاقيٍّ مهترئٍ فضحه صمتُ الغرب «المتحضر» تجاه تصريحات ترامب الذي وصف الشعب الإيراني بـ«الحيوانات»، مهدداً بإعادة «التاريخ نفسه» إلى العصر الحجري، يجهل ترامب والغرب الخانع الخاضع أن الحضاراتِ التي تمتد لستة آلاف عام لا تموتُ بالقتل، بل تبتلعُ الغزاةَ كما ابتلعت بابلُ الإسكندرَ المقدوني، وكما صهرت بلادُ فارسَ هولاكو خان في بوتقتها حتى صار المغولُ حراساً لمكتباتها.. تسقط بذلك نبوءاتُ واشنطن التي بحثت في قصور طهران عن «هيروهيتو جديد» يوقعُ صكَّ الاستسلام، فاكتشفت أن مفتاحَ الشرق ليس في عُنق «أسطورة» تُغتال، بل في وعيٍ حضاريٍّ عابرٍ للأشخاص، جعل من استهداف المرشد الأعلى لحظةً لاستعادةِ «الصدارة التاريخية» لا للانهيارِ الذي رسمته «عصابة إبستين» في خيالاتها المريضة.. هكذا وبينما تئنُّ الخزينةُ الأمريكيةُ تحت ثقلِ ديونٍ تريليونية وتتهاوى أسطورةُ «البترودولار» أمام «اليوان الصيني» في مضيق هرمز، يظلُّ الفرقُ شاسعاً بين قائدٍ يَبني الحضارةَ باحترامِ دماءِ الشعوب وبين «قيصر» جاهلٍ يقامرُ بمصير البشريةِ ليرضي «أخويةَ كنائسٍ» ترى في العبوديةِ تعاطفاً وفي الحروبِ صلاة، مؤكداً أن الأممَ العريقةَ كإيران ليست «حادثةً» عابرةً في مذكرات دوجلاس ماك آرثر، بل هي النهرُ الذي يغسلُ أوهامَ الإمبرياليةِ، ليتركَ لترامب ونتنياهو حطامَ سفينة «تريبولي» ودرسَ التاريخِ الذي يقول: «الأمم تنتحر ولا تُقتل»، وأنَّ من يهددُ بتدميرِ الحضارةِ هو أولُ من يخرجُ من جغرافيتها نحو مزبلة التاريخ.










المصدر «لا» 21 السياسي