عادل بشر / لا ميديا -
في لحظة أرادها استعراضية، تصدّر وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غلاف مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، تحت لافتة ساخرة مكتوب عليها «المهمة أنجزت»، ومانشيت رئيسي لافتتاحيتها (ترامب هو الخاسر الأكبر في الحرب)، مشيرة إلى السبب الذي جعله يبحث بيأس عن مخرج من مأزقه في إيران.
وقالت إن «كل الحروب ليس فيها منتصر، لكنها تنتهي دائما بخاسر واحد»، مؤكدة بأنه «إذا كان وقف إطلاق النار هو نهاية الحرب مع إيران، فترامب هو أكبر الخاسرين».
ولفتت إلى أنه بعد خمسة أسابيع من العدوان على إيران، لم تتحقق الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة، بل ساهمت الحرب في تعزيز موقع إيران، وزادت من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، كما رفعت من مستوى المخاطر الاقتصادية والنووية، وكشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية.
ووفقاً لـ«إيكونوميست» فإن «أفضل سبب يدعونا للاعتقاد أن ترامب لن يعود إلى الحرب هو إدراكه الآن أنه ما كان ينبغي له إشعالها أصلا». وترى بأن «منشوراته وتصريحاته الهجومية والبغيضة تجاه إيران والتي هدد فيها بتدمير الجمهورية الإسلامية والقضاء على حضارتها، ليست سوى محاولة للتغطية على هذا التراجع». فترامب، بحسب المجلة، يعلم أن تجدد الحرب سيثير الذعر في الأسواق العالمية ولن يحقق التائج المرجوة أمام صمود إيران، وكذلك سيقوض الخطاب الذي روج له سابقاً حول «عصر ذهبي» في الشرق الأوسط.
وتضيف المجلة أن ترامب «يصف ما فعله في إيران بالنصر العظيم، لكنه لا يبدو كذلك أمام تقييم الأهداف الأساسية للحرب، والتي تمثلت في جعل الشرق الأوسط أكثر أماناً واستقراراً عبر احتواء طهران، والإطاحة بالنظام الإيراني، ومنع الجمهورية الإسلامية بشكل دائم من امتلاك سلاح نووي.
وتطرقت المجلة إلى ما تعرضت له القواعد والمصالح الأمريكية في دول الخليج من الضرب بالصواريخ والمُسيرات الإيرانية، مشيرة إلى أنه «بدلاً من تحقيق الاستقرار، أدت الحرب إلى زيادة هشاشة الوضع الأمني في المنطقة».
وأوضحت أنه «يتعين على دول الخليج، التي تروج لنفسها كواحات استقرار، أن تتساءل عما إذا كان بإمكانها الاعتماد على أمريكا، أم عليها إعادة النظر في أمنها من خلال بذل المزيد من الجهود الذاتية أو حتى التوصل إلى تسوية مع إيران».
وكشفت الحرب، بحسب الإيكونوميست، عن مبالغة في تقدير فعالية القوة العسكرية الأمريكية. فالصناعة العسكرية للولايات المتحدةة لم تتمكن من تلبية الاحتياجات بسرعة، بينما استطاعت إيران الصمود بأساليب حرب غير متكافئة وبموارد محدودة. 
وترى المجلة أن الإفراط في التهور يؤدي إلى أحكام خاطئة تخلط بين القوة التدميرية والنصر، ذلك أن القوة العسكرية الهائلة، بدون استراتيجية، تضعف القوة الأمريكية.
وتخلص «الإيكونوميست» إلى أن تعامل ترامب مع إيران كمشروع غطرسة واعتماده على القوة العسكرية دون دراسة كافية للتداعيات والتفكير في عواقب اختيار الهجوم، يعكس خللاً في النهج الاستراتيجي. فالقوة وحدها، لا تمنح الشرعية، ولا تضمن تحقيق النصر.

إيران الرقم الصعب
وفي السياق ذاته، نشرت مجلة «بوليتيكو» الأمريكية تقريراً أكد الصورة ذاتها من زاوية أخرى. وأوضح التقرير أن العدوان الأخير على إيران، رغم إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيق «نصر سريع» فيه، كشف في الواقع عن تعقيدات استراتيجية عميقة، وأعاد تأكيد مكانة طهران الإقليمية بوصفها لاعبًا رئيسيًا يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وسط تصاعد الانطباع داخل دوائر سياسية وعسكرية أمريكية بأن واشنطن لم تحقق أهدافها الاستراتيجية من هذه الحرب.
وقالت المجلة، إن إدارة ترامب سارعت إلى إعلان الانتصار بعد أقل من 24 ساعة على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن الحرب لم تُحدث تحولًا استراتيجيًا حاسمًا كما أرادت واشنطن تصويره. مشيرة إلى أن «النظام الإيراني لا يزال قائمًا في السلطة، كما أن طهران ما زالت تحتفظ بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما كان من أبرز مبررات الحرب التي أطلقتها واشنطن».
وأضافت «بوليتيكو» أن إيران خرجت من الحرب محتفظة أيضًا بنفوذها على مضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا رئيسيًا لأسواق الطاقة العالمية، وهو ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية متجددة في أي مفاوضات مقبلة.
ونقلت المجلة عن مسؤول دفاعي أمريكي قوله: «لا أعرف كيف يمكن التراجع عن هذا الوضع دون أن تعيد الولايات المتحدة تعريف أهدافها الاستراتيجية بشكل جذري، ولا أستطيع أن أتخيل ما الذي يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه أو تهدد به إيران في هذه المرحلة لتحقيق نتيجة مرضية».
وأشار التقرير إلى أن البيت الأبيض واصل الدفاع عن فكرة «النصر»، غير أن بعض المقربين من ترامب أبدوا تشككهم في المكاسب الفعلية للحرب، إذ قال أحد حلفائه: «هناك مفارقة عميقة هنا، إذا لم تكن مستعدًا لخوض حرب شاملة، ونحن لسنا كذلك بالتأكيد، فإن الهجمات ستعزز في نهاية المطاف نفوذ هذا النظام. إنهم يعلمون أن ترامب يتوق بشدة إلى الرحيل. وسينتقمون بشدة».
في المحصلة، تكشف تقارير «الإيكونوميست» و»بوليتيكو» عن حقيقة يصعب تجاهلها وهي أن الولايات المتحدة لم تربح الحرب على إيران، وإنما دخلت في مأزق جديد. وفي المقابل نجحت طهران في كسر الهيمنة الأمريكية وتثبيت معادلة ردع معقدة، تعيدها إلى قلب المشهد الإقليمي كلاعب لا يمكن تجاوزه.