عادل بشر / لا ميديا -
لم تمضِ الأيام الأولى من العدوان الأمريكي -الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في إيران، حتى بدأت تتكشف واحدة من أكثر النتائج إثارة للقلق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، وتتمثل في تضرر أو تدمير عدد من أهم الرادارات الاستراتيجية التي تشكل العمود الفقري لمنظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية في الشرق الأوسط.
تحليلات عسكرية أمريكية حديثة أكدت أن الضربات الإيرانية لم تكن عشوائية، بل استهدفت بدقة شبكة الرادارات التي تعتمد عليها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وحلفاؤهم في رصد الصواريخ والطائرات المسيّرة واعتراضها. هذا الاستهداف المركز كشف، بحسب خبراء عسكريين غربيين، عن نقطة ضعف خطيرة في بنية الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكي في المنطقة.
في هذا السياق نشر موقع "ذا وور زون" الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية، أمس، تحليلاً مدعماً بصور الأقمار الصناعية أكد فيه أن إيران نجحت في ضرب عدد من الرادارات الأمريكية عالية القيمة في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن هذه الهجمات يجب أن تشكل "جرس إنذار مدوياً" للولايات المتحدة بشأن هشاشة هذه الأصول الاستراتيجية.
استهداف قلب شبكة الإنذار المبكر
بحسب التحليل، تمكن الحرس الثوري الإيراني من تدمير رادار أمريكي متطور من طراز AN/TPY-2 في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، وهي واحدة من أهم القواعد التي تستخدمها القوات الأمريكية بكثافة في عدوانها على الجمهورية الإسلامية وأي عمليات عسكرية أخرى في المنطقة.
وأوضح التقرير أن "القاعدة تضم أكبر تجمع للطائرات التكتيكية الأمريكية في المنطقة، ما يجعلها هدفاً بالغ الأهمية، حيث يمكن لصاروخ باليستي واحد يسقط على أرضها أن يدمر العديد من الطائرات المقاتلة القيمة ويودي بحياة العديد من أفراد القوات الأمريكية". وهو ما يعزز الرواية الإيرانية بمقتل عشرات الجنود الأمريكيين خلال استهداف القواعد في الخليج والأردن.
التقرير ذاته أفاد بأن "رادار AN/TPY-2 المتطور للغاية يُعد أحد أهم مكونات شبكة الدفاع الصاروخي الأمريكية من المستوى الأعلى، إذ يرتبط بشكل أساسي بمنظومة ثاد المتطورة، التي تقول الولايات المتحدة إن هذه المنظومة قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية في مراحل متقدمة من مسارها، ويمكنه، أيضاً، تزويد منظومات باتريوت ببيانات دقيقة لتعقب الأهداف".
وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن الهجوم الإيراني ألحق أضراراً جسيمة بالرادار وبنيته التحتية، الأمر الذي دفع الجيش الأمريكي إلى الإسراع في محاولة استبداله، في مؤشر واضح على حجم الضرر الذي أصابه.
كما تشير صور الأقمار الصناعية التي استند عليها التقرير، إلى أن منظومة AN/TPY-2 وبنيتها التحتية استُهدفت، على الأقل، وربما تضررت، في هجمات إيرانية استهدفت بطاريات منظومة ثاد في الإمارات.
غير أن الضربة الأكثر حساسية، وفقاً للتقرير، كانت تلك التي استهدفت الرادار العملاق AN/FPS-132 في قطر، وهو أحد أهم أنظمة الإنذار المبكر الصاروخي التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في مراقبة المجال الجوي والفضائي للمنطقة.
وأفاد التقرير بأن هذا الرادار الضخم يعمل بتقنية المصفوفة الطورية ويوفر تغطية بزاوية 360 درجة، ما يجعله جزءاً أساسياً من شبكة الإنذار المبكر الاستراتيجية التي تراقب إطلاق الصواريخ الباليستية عبر مسافات هائلة.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي استند عليها التقرير، أن إحدى واجهات الرادار الثلاث تعرضت لإصابة مباشرة في اليوم الأول من الضربات الإيرانية، مع دلائل على اندلاع حريق في الموقع، وهو ما أثار مخاوف واسعة لدى واشنطن بشأن قدرة شبكة الرصد الأمريكية على توفير إنذارات مبكرة دقيقة في حال استمرار الهجمات الإيرانية.
مقر الأسطول الخامس في مرمى النيران
ولم تتوقف الضربات عند القواعد الأمريكية في الأردن وقطر. فقد أشارت تقارير متعددة إلى استهداف منشآت رادارية أمريكية في البحرين، حيث يوجد مقر الأسطول الخامس الأمريكي.
ونقل الموقع الأمريكي عن تقارير عسكرية، التأكيد بإصابة مباشرة حققتها مُسيّرة إيرانية لرادار AN/TPS-59 وتعرضه لأضرار بالغة، الأمر الذي دفع بمحللين عسكريين أمريكيين إلى التأكيد بأن هذا الهجوم يعكس اتجاهاً واضحاً لدى إيران لاستهداف البنية التحتية الإلكترونية الحساسة التي تشكل عيون الجيش الأمريكي في المنطقة.
طائرات رخيصة تهزم أنظمة بمليارات الدولارات
المفارقة الأكثر لفتاً للانتباه في هذه الهجمات هي طبيعة الوسائل المستخدمة.
فبحسب تحليل موقع "ذا وور زون" الأمريكي فإن الطائرات المسيّرة الإيرانية منخفضة التكلفة تشكل اليوم التهديد الأكبر للرادارات المتطورة التي تكلف مئات الملايين من الدولارات.
هذه الرادارات العملاقة مصممة لرصد الصواريخ التي تسير بسرعات تفوق سرعة الصوت، وبعضها قادر على تعقب الأهداف في الفضاء، لكنها في الوقت ذاته تظل أهدافاً ثابتة يسهل تحديد مواقعها واستهدافها.
وفي السياق أكد التقرير تفاقم المخاوف لدى القوات الأمريكية والكيان الصهيوني، من إخراج هذه الرادارات عن العمل بشكل كامل، وقد بدأت أثار الضربات الإيرانية على الردارات في قواعد واشنطن بالخليج، تظهر لاحقاً بتأخر الإنذارات المبكرة في الأراضي المحتلة بشأن الصواريخ الإيرانية القادمة.
كلفة الاستبدال.. مليارات وسنوات
التداعيات الاقتصادية لهذه الضربات لا تقل خطورة عن آثارها العسكرية. وفي هذا الصدد أوضح تقرير "ذا وور زون" أن الولايات المتحدة لم تُنتج حتى الآن سوى 16 رادراً من طراز AN/TPY-2 لجميع عملائها. وتقدر قيمة رادار AN/FPS-132، الذي باعته إلى قطر عام 2013 بـ1.1 مليار دولار، حينها، وهو ما يزيد قليلاً عن 2.1 مليار دولار اليوم بعد تعديلها وفقًا للتضخم. ويستغرق الحصول على أي من هذه الأنظمة سنوات.
وفي ذات السياق كشفت مجلة "فورين بوليسي" أن استبدال الرادارات الأمريكية التي دمرتها الضربات الإيرانية في قطر والبحرين سيكلف أكثر من مليار دولار وقد يستغرق تأهيلها ما بين 5 و8 سنوات.
وجاء في تحليل المجلة: "تدمير رادارين أمريكيين حديثين، AN/FPS-132 في قطر وAN/TPS-59 في البحرين، يسلط الضوء على مشكلة هشاشة سلاسل التوريد وفترات الاستبدال الطويلة".
ووفقا للتقديرات، فإن شركة "رايثيون" ستحتاج من خمس إلى ثماني سنوات لبناء رادار AN/FPS-132 جديد بتكلفة 1.1 مليار دولار. أما رادار AN/TPS-59 الذي تصنعه "لوكهيد مارتن"، فسيحتاج من 12 إلى 24 شهرا بتكلفة تتراوح بين 50 و75 مليون دولار.
وأشارت المجلة إلى أن إنتاج مكونات هذه الرادارات يعتمد على عنصر الغاليوم، الذي يأتي 98% منه إلى السوق العالمية من الصين، مما يضيف بعدا استراتيجيا جديدا لأزمة الإحلال.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا