حاوره:طارق الأسلمي / لا ميديا -
أحد أبرز الكوادر التدريبية العربية. جمع بين الخبرة الميدانية والمعرفة الأكاديمية الحديثة. مسيرته حافلة بالتحولات النوعية، إذ بدأ لاعباً في نادي الاتحاد أهلي حلب، قبل أن تُجبره الإصابة على دخول عالم التدريب باكراً، ليقود عدداً من الأندية المحلية وصولاً إلى تتويجه مع ناديه الأم بكأس الاتحاد الآسيوي 2010.
هذا السجل الحافل لم يتوقف عند حدود الأندية السورية، بل امتد ليلامس الكرة الدولية، إذ تواجد في مناسبتين ضمن الجهاز الفني للمنتخب السوري الأول، قبل أن يخوض تجربة احترافية رائدة في قطر استمرت حتى اليوم.
وبين كل تلك المحطات، تحتل تجربته في اليمن مع نادي وحدة صنعاء مكانة خاصة في ذاكرته، إذ عايش عن قرب الشغف اليمني بكرة القدم، ولامس الإمكانيات الفطرية الهائلة لدى اللاعب اليمني. وفي الوقت ذاته لاحظ بعين الخبير التحديات الجوهرية التي تقف عائقاً أمام صقل هذه الموهبة.
إنه الكابتن السوري عبداللطيف مقرش، الذي تواصل معه "لا الرياضي" وأجرى معه حواراً شاملاً تحدث فيه عن واقع الكرة السورية، واستعرض تجربته مع وحدة صنعاء ورسم خارطة طريق للكرة اليمنية حتى تصل إلى المنافسة القارية.
 بدايةً كابتن عبداللطيف، نرحب بك، ويسعدنا أن نستضيفك في هذا الحوار!
- مرحباً بكم وبالأشقاء في اليمن الحبيب. أنا سعيد جداً بالتواصل مع صحيفتكم الموقرة وأتمنى لكم دوماً المزيد من التقدم والازدهار.
 لو طلبنا منك أن تُلخص لنا مسيرتك لاعباً ومدرباً حتى الآن بكلمات تختصر المشوار الطويل بين الأندية والمنتخبات، كيف تراها أنت اليوم بعد كل هذه السنوات؟
- مسيرتي بدأت كلاعب في نادي الاتحاد أهلي حلب، حيث تدرجت في فئاته العمرية حتى الوصول إلى الفريق الأول. بعد ذلك انتقلت إلى نادي عمال حلب وخضت معه عدة مواسم مميزة، قبل أن تُبعدني الإصابة عن الملاعب لأتجه نحو التدريب، وكانت البداية مع فريق شباب العمال، قبل أن أنتقل إلى جيش حلب، لأعود بعدها إلى النادي الأم أهلي حلب مدرباً لناشئيه، وحققنا بطولات عديدة في الدوري مع تصعيد عدد كبير من النجوم إلى الفريق الأول. توالت بعدها المحطات التدريبية، فعملت مع الفريق الأول في نادي عفرين ثم نادي تشرين ومنتخب الأشبال، قبل أن أعود مجدداً إلى عفرين ثم إلى المنتخـــــب الأولمبــــــــــــي السوري، فنادي الجزيرة لفترة قصيرة، تلتها رحلة احترافية في اليمن مع نادي وحدة صنعاء. عدت بعدها إلى أهلي حلب وتُوجنا بلقب كأس الاتحاد الآسيوي على حساب القادسية الكويتي موسم 2010، قبل أن ألتحق بالجهاز الفني للمنتخب السوري الأول عام 2011. ولاحقاً خضت تجربة احترافية في قطر مع نادي الجيش، ثم الخور، حيث أعمل حتى الآن مدرباً لفئة تحت 17 سنة.
وفي آخر محطاتي مع المنتخب الوطني، تمت إعارتي من قطر للمنتخب السوري خلال تصفيات كأس العالم 2022 وكأس العرب، إذ تم تعييني مدرباً عاماً للمنتخب إلى جانب المدير الفني الكابتن نزار محروس.
باختصار: أراها مسيرة ناجحة بكل المقاييس ومليئة بالتحديات والإنجازات.
 عشت محطات عديدة ما بين الأندية المحلية والمنتخبات. ما أبرز المراحل التي تعتبرها نقطة تحوّل في مسيرتك؟
- أكيد تدريبي لمعشوقي أهلي حلب في العام 2010 وإحراز كأس الاتحاد الآسيوي. هي نقطة التحول في رحلتي التدريبية.
 عند الحديث عن تدريب المنتخب السوري، ما التحديات التي واجهتها آنذاك؟ وكيف تقيم التجربة مقارنةً بعملك في الأندية؟
- طبعاً تدريب الأندية يختلف تماماً عن تدريب المنتخبات. أنا دربت المنتخب في مناسبتين، في تصفيات كاس العالم 2014 في البرازيل وقطر 2022. المرحلة الأولى كانت جميلة جداً وحققنا نتائج مميزة وكنا قادرين على الوصول إلى مونديال البرازيل. كان لدينا جيل مميز من اللاعبين، على رأسهم فراس الخطيب، جهاد الحسين، رجا رافع، ماهر السيد، عبد الرزاق الحسين... ونجوم كثر آنذاك. كانت فترة مميزة وتم إقصاؤنا من التصفيات بسبب خطأ إداري. والفترة الثانية تصفيات كأس العالم قطر 2022، كانت تجربة غير جيدة؛ بسبب ظروف البلد، التي أثرت بشكل كبير على عملنا، مع مرافقة فيروس كورونا الذي أصاب العالم. كانت تجربة صعبة جداً، ناهيك عن صفحات التواصل الاجتماعي، التي كانت مع المنتخب والتي ضده، وأيضاً ملف اللاعبين المغتربين. في الحقيقة أمور عديدة عطلت سير عملنا، مع اعتراف أغلبية الفنيين بتطور المنتخب آنذاك.
 كيف تقيم واقع الكرة السورية اليوم مقارنة بالماضي؟
- الرياضة بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص، يجب أن تكون مشروع دولة، كما في قطر والأردن. الرياضة سابقاً في سورية كانت عبارة عن طفرات، دون تخطيط، مشاركة مناسبات فقط. الآن مع الاتحاد الجديد والدعم الحكومي نأمل أن تتغير الأفكار. نملك الطاقة البشرية، وبحاجة إلى إعمار البنية التحتية والتخطيط المثمر والدعم وتخصيص الأندية، وسوف نصل إلى أهدافنا بأقصر وقت.
 كيف تقيم الأداء الفني للمنتخب السوري تحت قيادة المدرب الإسباني الحالي؟ وهل ترى ملامح تطور واضحة؟
- أكيد المنتخب السوري في مرحلة جديدة، مرحلة إحلال المنتخب والاعتماد على الشباب. في الحقيقة، المدرب خوسيه لانا نجح في تشكيل مجموعة جيدة من اللاعبين ذوي الخبرة والشباب، ومع غياب عدد كبير من المحترفين؛ ولكن هوية الفريق واضحة وفي تطور مستمر، ومؤخراً ظهر نسور قاسيون في كأس العرب بأداء محترم. أتمنى المحافظة على المدرب لسنوات طويلة يناسب كرتنا.
 من وجهة نظرك، من هم أفضل اللاعبين السوريين في الوقت الراهن القادرين على صناعة الفارق؟
- هناك العديد من اللاعبين الشباب، وخاصة اللاعبين في المنتخب الأولمبي، مثل النايف، أنس وحسن دهان، محمود الأسود، عمار رمضان، بابلو صباغ، خليل إلياس، محمد عثمان، إيزاكيل العم، الصلخدي، أيهم أوسو، ومحمد مصطفى، بالإضافة إلى لاعبين ذوي خبرة: السومة، الخريبين، والمواس.
 ما الذي ينقص المنتخب السوري فعلاً ليصل إلى مستوى المنافسة على البطولات القارية؟
- ينقصه التخطيط الطويل، والاستقرار، إلى جانب ذلك دوري قوي ينتج لاعبين جيدين، واستقطاب محترفين على مستوى عالٍ. وهذا كله يسبقه اختيار مدير فني للاتحاد يخطط للكرة السورية وهو مسؤول عن جميع المنتخبات، كما كانت تجربة الأردن مع الجوهري.
 لننتقل إلى تجربتك في اليمن مع نادي وحدة صنعاء، كيف ترى تلك المرحلة؟ وكيف تقيّمها بعد مرور السنوات؟
- تجربتي في اليمن مع نادي الوحدة كانت جيدة، ولن أنساها أبداً. كنت أتمنى أن تستمر؛ ولكن هناك أمور حدثت أوقفت المشروع الذي جئت من أجله.
 عندما عدت اليوم بذاكرتك إلى تلك المرحلة، ما الانطباع الذي يتركه فيك اللاعب اليمني؟ وهل ترى أن الكرة اليمنية آنذاك كانت تعاني من مشاكل؟
- اللاعب اليمني موهوب بالفطرة، وهناك مواهب كثيرة منتشرة في اليمن وخارج اليمن؛ ولكن أسلوب الحياة وعدم الالتزام والانضباط يعرقل تطور اللاعب اليمني، مثل السهر وتخزين القات والأمور المادية، كلها تعوق تطور وصقل هذه المواهب. أعتقد أن المشكلة كانت إدارية قبل أن تكون فنية.
 ما أكثر ما لفت انتباهك في الكرة اليمنية وقتها؟
- لفت انتباهي كثرة المواهب، وشغف الجماهير بكرة القدم، رغم الظروف الصعبة التي يعانون منها؛ ولكن حبهم لكرة القدم ومتابعتهم لها كانت تعطي الأمل ولو لفسحة بسيطة من الحياة السعيدة، كانت متنفساً لهم. ولكن دوماً كانت العقبات موجودة: توقفات الدوري، وأمور إدارية ومالية، كانت تعيق العمل الفني.
 من بين اللاعبين الذين دربتهم أو شاهدتهم في اليمن، من هم الأسماء التي ترى أنها كانت تمتلك موهبة استثنائية وكان يمكن أن تصل بعيداً لو توفرت لها الفرص؟
- هناك الكثير في الوحدة، ومنهم المرحوم أحمد البيضاني، كان نجماً فوق العادة، ولم يتلقَّ الدعم اللازم. وهناك صلاح الشرجبي أيضاً لم يتلقَّ الدعم. وهناك اللاعب مفيد، كذلك العديد من الأسماء في وحدة عدن والصقر واليرموك وفي الأهلي... المواهب كانت عديدة.
 ما هي الذكريات التي ما زالت حاضرة في ذهنك من تلك الفترة؟
- طبعاً هناك مواقف جيدة لا أنساها، منها فوزنا في الحديدة على فريق الهلال، المدعوم من رئيس الاتحاد، وأمام عينه، وتعادلنا مع الصقر في تعز، وفوزنا على وحدة عدن في أرضه، ووصولنا إلى دور متقدم في مسابقة الكأس، وتعادلنا مع أهلي صنعاء في مباراة لا أنساها، وأذكر تماماً أنه كانت لنا ركلة جزاء واضحة وفاضحة للاعب هيثم الأصبحي كانت في ملعب الظرافي... وهناك مواقف عديدة لا تسعفني الذاكرة لسردها.
 إذا طُلب منك اليوم أن تعود لتدريب أحد الأندية أو المنتخبات اليمنية، هل ستفعل ذلك؟ وما هي الشروط أو المتطلبات التي تراها ضرورية لإنجاح مثل هذه التجربة؟
- أتشرف بالعمل في اليمن مرة أخرى وأخرى وأخرى؛ ولكن في المنتخبات؛ لأن الأندية حالياً غير مستقرة تماشياً مع أوضاع البلاد. لا يوجد دوري منتظم، وهذا ينعكس على المنتخب. ولكن في المنتخبات تكون الفرصة موجودة للنجاح. الشروط أن يكون العمل بالفكر الاحترافي، وتأمين متطلبات النجاح، من حيث الملاعب والمعسكرات والأمور المادية.
 كيف ترى الكرة اليمنية اليوم مقارنة بما كانت عليه حين دربت هناك؟
- الكرة اليمنية في السابق كانت أفضل، كان هناك دوري يفرز اللاعبين الجيدين، وكانت هناك مواهب أكثر من الآن. أنا دربت علي النونو في سورية عندما احترف في نادي تشرين، وعندما جئت إلى اليمن وجدت لاعبين مميزين، وكان المنتخب يملك أسماء كثيرة جداً. الآن، لولا السماح للاعب اليمني المميز بالمشاركة في الدوريات العربية، مثل قطر سابقاً والعراق حالياً وبلدان أخرى ومعاملة اللاعب اليمني كلاعب مقيم وليس أجنبياً، لما شاهدنا منتخب اليمن يشارك في أي بطولة. هذا الاحتراف ساعد كثيراً على الاستمرار، وأتمنى أن يعود الدوري اليمني بتخطيط سليم ينعكس على المنتخبات الوطنية كافة.
 من وجهة نظرك، ماذا ينقص الكرة اليمنية لتنافس عربياً وقارياً؟
- الكرة اليمنية بحاجة إلى البنية التحتية الجيدة، وخاصة الملاعب الحضارية، وبحاجة إلى إدارات أندية متفرغة ومحترفة، وأن تكون الأندية مدعومة مادياً من الوزارة ومن الاتحاد، وهذا الكيان الأخير لا بد أن يملك الفكر والتخطيط السليم. الكرة اليمنية بحاجة إلى مدير فني للاتحاد يخطط لها ويكون مسؤولاً عن جميع المنتخبات، والأهم دوري منتظم والاهتمام الكبير بفرق القواعد، أيضاً الاستقرار الإداري والاستثمار في الأندية، والاستفادة من منشآت الأندية والتسويق والدعم الإعلامي؛ لأن الإعلام شريك حقيقي في التطوير. في اليمن هناك بشر؛ ولكن ليس هناك حجر. بعد خمس سنوات إذا توفرت هذه المعايير سترى جميع المنتخبات تحقق نتائج جيدة؛ لأن المواهب موجودة في اليمن وبكثرة؛ ولكن لا تظهر، لأن الظروف الحالية لا تسمح لها.
 ما رأيك في تعاقد نادي وحدة صنعاء مع مواطنك محمد ختام؟
- أبارك للإدارة وللجمهور هذه الصفقة. بصراحة تعاقد ممتاز وموفق؛ فالكابتن محمد ختام مدرب خبير يمتلك الفهم والمعرفة وإدارة وحدة صنعاء تسير في الطريق الصحيح. هنيئاً للنادي هذا الاسم الكبير. وأتمنى من الجميع التعاون مع الكابتن محمد والتحلي بالصبر، فالوحدة مرشح ليكون رقماً صعباً في الدوري، وبإذن الله تعود الإنجازات والبطولات.
 كلمة أخيرة في نهاية الحوار...؟
الموقرة على هذا اللقاء، وأتمنى لكم دوماً التقدم والازدهار، وعبر منبركم أشكر إدارة وجماهير نادي وحدة صنعاء، الذين سمحوا لي بالتواجد في تلك الفترة، وأخص بالشكر الأستاذ عصام زهرة وأحمد الشرفي وأحمد البن، والكادر الفني الذي عمل معي: حافظ الشوافي ومحمد جعوان وياسين المطاع، والكادر الطبي، وسلامي وقبلاتي للجميع.