مفتتحٌ عند مخرز الخبر وعين التحليل
علي عطروس
لا نقارب السياسة بوصفها حدثاً عابراً، بل كمسارٍ يعيد تشكيل الجغرافيا والمعنى معاً. من «الخراخير» حيث تتقاطع الأنابيب مع الخرائط، إلى البحر الأحمر حيث يتحول التمرين العسكري إلى اعترافٍ بتبدّل قواعد الردع، يتضح أن المنطقة تدخل طوراً جديداً تُدار فيه المعارك بأدواتٍ أكثر تعقيداً من مجرد السلاح.
نقرأ في هذا العدد كيف تتبدل التحالفات تحت ضغط المصالح، وكيف تنكشف البراغماتية حين تتعثر مشاريع الهيمنة، وكيف يُعاد اختراع اليمن في تقارير مراكز الأبحاث كملف أمني أو شريحة إلكترونية، بينما هو في الحقيقة عقدة توازنات وصراع إرادات. بين وصايةٍ تتمدد بصمت، واعترافات باردة بحروب لم تكن يوماً باردة، وسجالٍ حول من يملك إيقاع الزمن، تتشكل صورة إقليم لا تحسمه الضربة الأولى، بل إدارة النفس الطويل.
هذا العدد محاولة لقراءة ما وراء العناوين: أين تُصنع السيادة؟ من يعيد رسم الحدود؟ ومن يملك حق تعريف الاستقرار؟
أسئلة مفتوحة؛ لأن السياسة هنا لم تعد خبراً، بل صراع على المعنى ذاته.


بيان في وجه التمدد.. الخراخير ليست للبيع
ما يجري في «الخراخير» ليس «تعاوناً جيولوجياً»، ولا «إعادة انتشار أمني». ما يجري هو مشروع وصاية (موسع) مكتمل الأركان، يتقدم بخطوط الأنابيب ويستند إلى واقع عسكري مفروض، مستغلاً انقساماً عمودياً وتقسيماً أفقياً متقاطعين عند حد اللحد وأكثر.
تحت لافتة الاستثمار، تُفتح خرائط الثروات. تحت شعار الاستقرار، تُستقدم قوات. وتحت غطاء الاتفاقيات، يُعاد تعريف الحدود.
مشروع الأنبوب الممتد من «الخراخير» إلى بحر العرب ليس تفصيلاً تقنياً. إنه مسار استراتيجي يختصر الرؤية: تأمين منفذ طاقة بديل مهما كان الثمن. والثمن هنا أرض يمنية، وسيادة يمنية، وقرار وطني يُراد له أن يبقى معلّقاً.
لا يمكن فصل التحركات العسكرية عن التحركات الاقتصادية، ولا يمكن قراءة الاشتباكات في «الخراخير» بمعزل عن مشروع إعادة تشكيل الشرق اليمني ليكون ممراً دائماً لمصالح خارجية.
إزالة القرى من الخرائط الرقمية ليست حادثة عابرة. إنها محاولة لصناعة واقع جديد، يبدأ بالوعي وينتهي بالجغرافيا. والذي يمحو اسم قرية اليوم، يسعى لانتزاع شرعيتها غداً.
إن اليمن، الذي واجه حرباً مفتوحة طوال سنوات، لن يقبل أن يُستنزف عبر اتفاقيات صامتة ومشاريع تُفرض بالقوة الناعمة. «الخراخير» ليست أرضاً بلا أصحاب، ولا صحراء سائبة في خرائط الآخرين. إنها جزء من وطن لا يُختزل في ممر نفطي.
إن تحويل الشرق اليمني إلى منطقة نفوذ اقتصادي دائم، هو عدوان بأدوات جديدة. وإذا كانت المعركة بالأمس عسكرية، فهي اليوم معركة خرائط وأنابيب وثروات.



اعتراف بارد بحرب لم تكن ثلجيةٌ قط
في السياسة، أخطر الاعترافات تلك التي تأتي باردة.
تقرير صادر عن معهد «بلومزبري» للاستخبارات والأمن (مركز أبحاث غربي متخصص في التقديرات الاستراتيجية) يتحدث عن «حرب باردة» بين السعودية والإمارات في اليمن. توصيف يبدو تقنياً ومحايداً؛ لكنه في جوهره إقرار بأن التحالف الذي دخل الحرب العام 2015 لم يكن يوماً كتلة واحدة.
سنوات من الشعارات عن «استعادة الدولة»، فإذا بالتقرير يرصد تنافساً على الجنوب، وصراعاً على الموانئ، واحتكاكاً بين قوى يفترض أنها في خندق واحد.
ما يسميه الباحثون «تبايناً استراتيجياً»، يقرؤه الواقع كتناقض بنيوي كان مؤجلاً لا أكثر.
لم تتغير أهداف الحرب فجأة. الذي تغيّر هو القدرة على إخفاء تضاربها. فالتحالف الذي تحدث عن وحدة اليمن، رعى خرائط متعددة لمستقبله. والذي رفع شعار الشرعية، أنشأ مراكز قوة متوازية. واليوم، حين يتصدع الغطاء، تظهر المصالح عارية من البلاغة الأولى.
اليمن لم يكن ساحة هامشية في هذا الصراع، بل مختبراً كشف حدود القوة وحدود التفاهم. وحين تنقسم التحالفات تحت ضغط الوقائع، لا تسقط فقط ترتيبات الميدان، بل تسقط الروايات التي بررت الحرب.
ما يسميه التقرير «حرباً باردة» ليس إلا الاسم الأكاديمي لشيء أبسط: تحالفٌ تقاطع عند الهدف، وافترق عند الغاية.


بيـــــن المراجعة والارتباك.. حين يتعثر مشروع الهيمنة
تحت عنوان هادئ عن «أوقات صعبة» يمر بها محمد بن سلمان، تحاول كارين إليوت هاوس، في «وول ستريت جورنال»، رسم صورة لولي عهد نضج فجأة، وأعاد حساباته، وقرر أن يبطئ اندفاعه. لكن ما يبدو في المقال مراجعةً عقلانية، يراه خصوم الرياض نتيجة طبيعية لسياسات التهور التي أوصلت المملكة إلى حافة الاستنزاف.
المشاريع العملاقة التي رُوّج لها كأيقونات لعصر جديد (من «نيوم» إلى «المكعب»)، لم تتعثر فقط بسبب انخفاض أسعار النفط، بل لأن منطقها كان أقرب إلى استعراض قوة منه إلى خطة تنمية واقعية. وحين يصبح النفط عند 65 دولاراً، تتكشف الفجوة بين الطموح الدعائي والقدرة الفعلية على التمويل.
لكن الأزمة أعمق من أرقام الميزانية. فشبح المواجهة مع إيران، التي روجت السعودية أنها خاضت ضدها حرباً بالوكالة في اليمن لسنوات، لا يزال يطارد الرياض. إعادة العلاقات مع طهران عام 2023 لم تكن خياراً رومانسياً، بل اعترافاً بأن الضربات اليمنية الصاروخية على منشآت أرامكو عام 2019 كشفت هشاشة الأمن النفطي، وأن المظلة الأمريكية ليست ضمانة مطلقة.
تبدو هذه اللحظة اعترافاً متأخراً بأن سياسة الحسم العسكري والاندفاع الإقليمي فشلت، وأن الاستقرار الذي تتحدث عنه القيادة السعودية اليوم كان يمكن توفيره لو لم تُفتح جبهات مكلفة في اليمن وغيره. فـ»الاستقرار الإقليمي» الذي بات أولوية، هو نفسه الذي جرى تقويضه لسنوات باسم النفوذ ومواجهة الخصوم.
أما ملف التطبيع مع «إسرائيل»، الذي تصفه الكاتبة كخيار استراتيجي مؤجل، فيظل الأكثر إثارة للجدل. فبينما تشير إلى معارضة شعبية واسعة داخل السعودية، تلمّح إلى أن القرار قد يُتخذ متى رأت القيادة أن الظروف مناسبة. هنا تحديداً تتجلى الفجوة بين المزاج الشعبي والسياسة الرسمية، وبين خطاب «حماية المقدسات» والانخراط المتدرج في ترتيبات إقليمية جديدة.
كارين إليوت هاوس تحاول تقديم ابن سلمان بصورة القائد البراغماتي الذي تعلّم من أخطائه. غير أن القراءة النقدية تقول إن ما يحدث ليس مجرد نضج سياسي، بل إعادة تموضع اضطرارية فرضتها كلفة المغامرات، وضغط الواقع الاقتصادي، وتبدّل موازين القوى في الإقليم.
باختصار:
لم يعد السؤال: هل يبطئ محمد بن سلمان اندفاعه؟ بل: هل تكفي المراجعة المتأخرة لتصحيح مسار عقد كامل من السياسات الصدامية؟


حين يُختزل اليمن في شريحة إلكترونية
مرة أخرى، يخرج تقرير غربي ليعيد اختراع اليمن كتهديد تقني عابر للحدود. تقرير (Century International) يتحدث بثقة عن انتقال أنصار الله من «التهريب» إلى «سلاسل إمداد» معقّدة، وعن مكوّنات إلكترونية ومحركات وأنظمة توجيه؛ وكأننا أمام شركة صناعات عسكرية عابرة للقارات. المصطلحات لامعة، واللغة محكمة؛ لكن الواقع أكثر بساطة وأقل درامية.
اليمن يعيش تحت حرب وحصار منذ سنوات. موانئه مُراقبة، وأجواؤه مستباحة، واقتصاده مُنهك... في مثل هذا السياق، يصبح تطوير أي قدرة محلية -ولو عبر تجميع مكوّنات مدنية متاحة في الأسواق العالمية- مسألة اضطرار لا مشروع توسّع عالمي. تحويل هذا الواقع إلى «شبكة إمداد استراتيجية» يبدو أقرب إلى تضخيم سياسي منه إلى اكتشاف استخباراتي.
التقرير يربط كل خيط تقني بطهران، من دون أن يقدّم في نسخته العلنية ما يثبت إدارة مباشرة أو إشرافاً مؤسسياً موثّقاً. التشابه في التصميم لا يعني قيادة مركزية. ووجود مكوّن مدني لا يساوي منظومة تصنيع عسكرية عالمية. لكن في مناخ سياسي يبحث عن عناوين ردعية، تكفي الإيحاءات.
الجهة المُصدِّرة برنامج بحثي أمريكي يعمل داخل بيئة مراكز أبحاث تموِّلها مؤسسات ومنح غربية وتؤثر في دوائر صنع القرار. ليست مؤسسة حكومية؛ لكنها جزء من فضاء فكري يمدّ السياسات بأدوات التوصيف. والتوصيف هنا واضح: أمننة اليمن، توسيع شرعية الانتشار البحري، وتعزيز سردية «النفوذ الإيراني» كخطر عابر للحدود.
في النهاية، لا يبدو أن الهدف هو فهم تعقيد الصراع اليمني، بل إعادة صياغته بما يخدم أولويات الردع والعقوبات. يُختزل بلد بأكمله في «شريحة إلكترونية»، وتُختصر مأساة حرب طويلة في مصطلح أنيق: سلاسل إمداد!
والسؤال الذي يُراد تجاوزه: من الذي أطال أمد هذه الحرب أصلاً؟



«إيلات» والبحر الأحمر.. حين يتحول التمرين إلى إقرار بتبدّل الردع
ليس كل إعلان عسكري حدثاً تقنياً بارداً. أحياناً يكون التمرين رسالة سياسية صريحة، حتى لو صيغ بعبارات روتينية. وعندما يُنفَّذ تمرين واسع في «إيلات» (أم الرشراش)، المدينة التي طالما قُدّمت كعمقٍ آمن بعيد عن خطوط النار، فإن الأمر يتجاوز حدود التدريب إلى اعتراف ضمني بأن الجغرافيا لم تعد درعاً.
خلال العامين الماضيين، دخلت «إيلات» نطاق الاشتباك الفعلي. صواريخ ومسيّرات قطعت مئات الكيلومترات، وأسقطت عملياً مقولة إن البعد الجغرافي كفيل بتحييد الجنوب. لم تكن الضربات بحاجة إلى إحداث دمار واسع كي تغيّر المعادلة. يكفي أنها كسرت احتكار الجبهات التقليدية وفتحت البحر الأحمر كساحة ردع متبادل.
لا يُقرأ التمرين في «إيلات» بوصفه إجراءً اعتيادياً ضمن خطة سنوية، بل كاستجابة لتراكم عمليات فرضت واقعاً جديداً. حين تُدرج مدينة في أقصى الجنوب ضمن سيناريوهات «الأسوأ»، فهذا يعني أن التهديد لم يعد نظرياً. الردع هنا لم يسقط؛ لكنه لم يعد مطلقاً.
الحروب غير المتماثلة لا تُقاس بحجم التدمير فقط، بل بقدرة الطرف الأضعف على فرض كلفة مستمرة على الطرف الأقوى. كل منظومة دفاع تُنقل جنوباً، كل استنفار بحري، كل تدريب موسّع، هو استنزاف موارد وإعادة توزيع أولويات. في هذه المعادلة، يكفي أن يُجبَر الخصم على التحصّن كي يُسجّل تحول في ميزان الضغط.
البحر الأحمر جغرافياً لم يعد هامشاً هادئاً، بل صار ساحة رسائل. تهديد الملاحة أو استهداف العمق الجنوبي، ولو بشكل متقطع، أدخل «إيلات» في حسابات يومية لم تكن قائمة من قبل. والتمرين العسكري الحالي يبدو محاولة لإعادة تثبيت الردع في ساحة فقدت صفة «البعيدة».
اللافت أن الردع الدفاعي، مهما بلغ من تطور تقني، يظل اعترافاً ضمنياً بأن الخطر قائم. فلو كانت «إيلات» خارج دائرة التأثير، لما احتاجت إلى هذا القدر من الجاهزية المعلنة. هنا يكمن جوهر التحول: لم تعد المسافة ضماناً، ولم يعد الجنوب خارج المعادلة.
لا يعني ذلك انقلاباً كاملاً في ميزان القوة، ولا انهياراً للردع «الإسرائيلي»؛ لكنه يعني أن الصورة لم تعد أحادية. الجنوب البحري أصبح عنصراً ثابتاً في التخطيط العسكري، والبحر الأحمر دخل صلب الاشتباك الاستراتيجي.
الرسالة التي يقرؤها اليمنيون واضحة: عندما يتدرّب خصمك باستمرار على سيناريو قادم من جهتك، فهذا دليل على أن حضورك في المعادلة لم يعد هامشياً. والسؤال المفتوح ليس إن كان الردع قد تغيّر، بل إلى أي مدى سيستمر هذا التحول، وما إن كان سيبقى ضمن حدود الضغط المتبادل أم ينزلق إلى مواجهة أوسع؟



المرتزقة في الفنادق والشهراني في معاشيق
حين يُعلَن تشكيل حكومة من خارج البلاد، ويُؤدَّى قسمها في عاصمة أخرى، فإن السؤال لا يعود بروتوكولياً، بل سيادياً: أين يُصنع القرار؟ وأين تقف الدولة؟
المشهد بحد ذاته كاشف. حكومة تُقدَّم بوصفها عنواناً للاستقرار؛ لكنها لا تمارس مهامها من أرضها، ولا يقيم معظم مسؤوليها داخل البلاد منذ سنوات. إدارة الشأن العام عن بُعد تحوّل الدولة إلى ملف، والوطن إلى ساحة نفوذ. ومع كل أزمة داخلية، يُعاد تشكيل الحكومة وكأن تبديل الأسماء يمكن أن يعوّض غياب استقلال القرار.
المشكلة أعمق من خلافات سياسية أو صراعات محلية. حين يتقدّم الدور الخارجي من موقع الدعم إلى موقع الإدارة، يتراجع الداخل من موقع الشراكة إلى موقع التلقي. وحين يُملأ الفراغ السياسي والأمني بحضور غير وطني مباشر، تصبح السيادة مفهوماً نظرياً لا واقعاً ملموساً.
عدن مثال صارخ على ذلك. مدينة أنهكتها الانقسامات، وغادرتها قياداتها، وتداخلت فيها المرجعيات، حتى بات القرار موزعاً بين أكثر من جهة. الفراغ لا يبقى فراغاً؛ يملؤه دائماً من يملك القدرة على الحضور الميداني. لكن حضور القوة لا يساوي بالضرورة حضور الدولة.
في المقابل، أي سلطة -في أي بقعة من البلاد- تُدير شؤون الناس من داخلها، وتُبقي مؤسساتها تعمل رغم الضغوط، تكتسب ميزة الجغرافيا السياسية للقرار: أن يُتخذ القرار في الداخل. هذه قاعدة سيادية قبل أن تكون انحيازاً سياسياً.
لا دولة تُبنى بالوصاية، ولا استقرار يُفرض بإدارة خارجية طويلة الأمد. الدعم الخارجي قد يكون ضرورة في لحظات الانهيار؛ لكنه يتحوّل إلى عبء حين يحلّ محل الإرادة الوطنية. الشرعية لا تُستمد من بيانات أو مراسم، بل من القدرة على ممارسة السلطة داخل الحدود، وبإرادة مستقلة فالسيادة ليست موقفاً عاطفياً، بل شرط وجود الدولة نفسها.


من يخشى الزمن؟ قراءة صادمة في حرب الإيقاع
ليست كل الحروب ابنة الضربة الأولى. في منطقتنا، كثيراً ما يُحسم مسار المواجهات بإدارة الإيقاع لا بكثافة الانفجار. لذلك يبدو الرهان على -الصدمة الخاطفة- أقرب إلى أمنية سياسية منه إلى قراءة استراتيجية. السؤال الأجدر طرحاً ليس: من يطلق النار أولاً؟ بل: من يفرض نسق الأيام التي تلي؟
التقدير الأقرب إلى الواقعية يفترض أن طهران لا تحتاج إلى عرض ناري شامل كي تربك خصومها. يكفي إيقاع منخفض الكثافة، ثابت ومتدرج: إطلاقات متتابعة، ضغوطاً محسوبة، وموجات تصعيد لا تبلغ حد الحرب الشاملة لكنها لا تتوقف. الفكرة ليست الحسم الفوري، بل إبقاء الخصم في حالة استنفار دائم، وتحويل تفوقه التقني إلى كلفة تشغيلية مستمرة. فأنظمة الاعتراض، مهما بلغت فاعليتها، لم تُصمَّم لحرب أعصاب طويلة أو لاشتباك يومي مفتوح.
في المقابل، تميل واشنطن و"تل أبيب- إلى منطق مختلف: الشَّلل المبكر؛ ضربة مركزة، سريعة، متعددة المجالات، تستهدف البنية القيادية والقدرات الصاروخية، قبل أن تستقر دورة الاستنزاف. الزمن هنا ليس فرصة، بل خطر يجب تقليصه. «إسرائيل» بحكم الجغرافيا والكثافة السكانية، لا تحتمل إيقاعاً طويلاً من القلق اليومي. والولايات المتحدة، المثقلة بالتزامات عالمية، لا ترغب في نزاع إقليمي مفتوح يستنزف مواردها ويقيد حركتها.
غير أن المشهد لا يبقى ثنائياً. فالمسرح الإقليمي قابل للتوسع، والحدود بين الساحات مرنة. من لبنان إلى العراق، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، يمكن للإيقاع أن يتشعب. وكلما اتسعت الجغرافيا، تراجعت فاعلية الضربة الواحدة وتعزز منطق التراكم البطيء.
في هذا السياق، تبدو عواصم خاضت تجارب طويلة في الصمود تحت الضغط مقتنعة بأن تعدد المسارات ليس تفصيلاً، بل عنصر توازن. حين تتوزع الجبهات، تتوزع معها الكلفة، ويصعب على الخصم تركيز قوته في نقطة واحدة. الرهان هنا ليس على التفوق العددي أو التقني، بل على القدرة على الاحتمال، وعلى تحويل الزمن من عبء إلى ورقة قوة غير معلنة.
هكذا تتقابل فلسفتان: إحداهما ترى أن إطالة أمد المواجهة قد تعيد تشكيل ميزان الردع تدريجياً، والأخر تعتقد أن أي حرب لا تُحسم سريعاً تتحول إلى استنزاف سياسي قبل أن يكون عسكرياً. الأولى تراهن على النفس الطويل، والثانية على الصدمة المكثفة.
في النهاية، ليست المعركة بين صاروخ واعتراض فحسب، بل بين تصورين لإدارة القوة. وإذا علمتنا المنطقة شيئاً، فهو أن سباقات الأعصاب قد تكون أكثر حسماً من سباقات النار. يبقى السؤال معلقاً: من يملك حقاً ترف الوقت؟


الأمريكي يقلق على بيادته.. واليمن يقلق على سيادته
حين تكتب «واشنطن بوست» عن اليمن، فهي لا تنظر إلى الجبال ولا تسمع أصوات الناس. هي تنظر إلى البحر.
مقال بعنوان «نزاعٌ ملحمي بين ‎السعودية والامارات يهدد استقرار الشرق الأوسط في لحظة حساسة»، كتبه مؤخراً محرر الشؤون الأمنية في «واشنطن بوست»، ديفيد إغناطيوس، يحذّر من «نزاع ملحمي» بين السعودية والإمارات، مشيراً إلى أن اليمن كشف عمق التباين بينهما، ومستعيداً حديثاً عن طلب إدارة ترامب إرسال آلاف الجنود لمواجهة «الحوثيين»، في آذار/ مارس الماضي، بدا للوهلة الأولى تحليلاً لخلاف خليجي؛ لكنه في العمق كان شيئاً آخر: قلقاً أمريكياً من اهتزاز الاستراتيجية، لا من نزيف اليمن.
في النص، اليمن لا يظهر كبلد له مجتمع وسياسة وتحولات عميقة. يظهر كبند في مذكرة أمن قومي. يُستدعى حين يختلف الحلفاء، ويُذكر حين يتأثر «الردع». أما سبع سنوات من حرب أعادت تشكيل الداخل اليمني بالكامل، فهذه تفاصيل لا تعني كثيراً ما دام البحر آمناً.
منذ 2015، يدور الخطاب الأمريكي حول ثلاث مفردات ثابتة: إيران، الإرهاب، والملاحة. اليمن ليس ذاتاً سياسية في هذا القاموس، بل وظيفة. منصة ضغط هنا، ملف أمني هناك، وممر بحري في المنتصف.
وحين اهتزت حركة السفن في البحر الأحمر، انكشف ترتيب الأولويات بوضوح. المدن حين كانت تُقصف كانت أزمة إنسانية مؤسفة. لكن السفن حين تعطلت أصبحت مسألة أمن دولي عاجلة. الفرق بين الحالتين لا يحتاج إلى كثير من الشرح.
المقال يستعيد أيضاً رواية عن طلب إدارة ترامب من الرياض وأبوظبي إرسال آلاف الجنود «للقضاء على الحوثيين» في آذار/ مارس 2025، رداً على موقفهم من حرب الإبادة على غزة. سبعة آلاف جندي، وكأن المسألة رقم ينقصه توقيع. كأن اليمن مساحة فارغة تنتظر قراراً خارجياً لينتهي كل شيء.
لكن هذا النوع من السرد يتجاهل حقيقة بسيطة: ما جرى في اليمن لم يكن مجرد معركة عسكرية عابرة. خلال الحرب، تشكلت بنى عسكرية وأمنية، ووقائع سياسية، وتوازنات اجتماعية جديدة. سواء اتفق المرء معها أو اختلف، فهي موجودة. والواقع لا يُمحى برقم في مقال.
الخطأ الأكبر في الخطاب الأمني الأمريكي أنه تعامل مع اليمن كساحة. والساحة تُدار من الخارج. لكن ما حدث أن اليمن، رغم الحصار والحرب، تصرّف كلاعب. واللاعب يربك الحسابات.
القلق الحقيقي في المقال ليس من خلاف سعودي - إماراتي بحد ذاته، بل من احتمال تراجع الانسجام داخل محور ترى فيه واشنطن أداة توازن إقليمي. اليمن هنا ليس موضوعاً مستقلاً، بل اختبار لمدى صلابة التحالفات.
غير أن المعادلة تغيّرت. البلد الذي اعتُبر تفصيلاً جيوسياسياً أصبح عنصراً مؤثراً في حسابات البحر والردع. وهذا ما يفسر تصاعد النبرة كلما تحركت المعادلة من الداخل اليمني نحو الإقليم.
واشنطن تقلق على سفنها وتحالفاتها. هذا مفهوم في منطق الدول الكبرى. لكن اليمن، بكل تعقيداته وخلافاته الداخلية، يقلق من شيء آخر: أن يُختزل في وظيفة، أن يكون مجرد ورقة ضغط موسمية، أن يُدار كملف تقني في غرفة مغلقة!
قد تُعاد صياغة التحالفات. قد تتبدل الاستراتيجيات.
لكن حقيقة واحدة فرضت نفسها منذ 2015: اليمن لم يعد يقبل أن يكون هامشاً في مذكرة غيره.
وهذه، ربما، هي «الملحمة» الحقيقية التي لم يكتب عنها المقال.