تقرير- عادل بشر / لا ميديا -
تواصل محكمة جنوب شرق أمانة العاصمة برئاسة القاضي جابر مغلس، جلساتها لمحاكمة المتهمين في قضية ما تسمى «شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري»، بجرائم النصب والاحتيال والاستيلاء على أموال أكثر من 13 ألف مواطن، وغسل الأموال، والإدلاء ببيانات غير صحيحة، والمتهم فيها رئيس مجلس إدارة الشركة فتحية المحويتي و40 متهماً آخرين.
وشهدت القاعة الكبرى في محكمة استئناف أمانة العاصمة، حيث تعقد محكمة جنوب شرق الأمانة جلساتها للنظر في هذه القضية، مرافعات ساخنة، الأربعاء الماضي، بين فريق الدفاع عن المتهمين وبين المحامين عن المجني عليهم.

وقائع الجلسة
بدأت الجلسة باستعراض قرارات المحكمة في الجلسة المنعقدة بتأريخ 10 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، والتي أنذرت فيها المحكمة النيابة العامة والجهات المختصة في الأمن، بمخاطبة فضيلة النائب العام للجمهورية بالتحقيق في واقعة عرقلة أوامر وقرارات القضاء، في حال لم يتم تنفيذ القرار الذي يقضي بالسماح لأربعة من المتهمين بالانتقال من السجن الذي يتم احتجازهم فيه، إلى مقر «تهامة فلافور» بصحبة الحراسة الكافية، وأخذ الاحتياطات والتدابير اللازمة، وذلك لغرض الاطلاع على النظام المحاسبي الخاص بالشركة والتقارير المحاسبية، ومراجعتها وتقديم الردود والملاحظات عليها، بغية الإسراع في الفصل بالقضية.
في هذا الصدد أفاد عضو النيابة بأنه تم النزول إلى مقر الشركة وتمكين المتهمين من التقرير المحاسبي، بحضور فريق الدفاع عنهم، والمحامي عن بعض المجني عليهم، عبداللطيف المحيا، موضحاً بأنه تم التخاطب مع شركة «يمن سوفت» مالكة النظام المحاسبي، وشركة «إبداع سوفت» بتمكين المتهمين نسخة من النظام.
وأكد المحامون عن المتهمين ما أفادت به النيابة، مشيرين إلى أنه تم نسخ النظام المحاسبي من يمن سوفت وإبداع سوفت، وتبقى نظام شركة تطوير سوفت لم يتم استخراجه.
وأوضحوا أن النظامين المحاسبيين جرى تسليمهما إلى الحارس القضائي كي تم تسليمهما عبر النيابة إلى المتهمين للاطلاع عليهما وإبداء الملاحظات والردود عليهما، لافتين إلى أنه تم نقل المتهمين ليوم واحد فقط «مِن وقت الظهر إلى الساعة الخامسة مساء».
وخلال سؤال المحكمة لعدد من المتهمين عن استلامهم نسخاً من التقارير المحاسبية، تفاوتت إجاباتهم بين تأكيد الاستلام والاطلاع عليها، وبين عدم الاطلاع، حيث أفاد بعض المتهمين بأن لا علاقة لهم بالتقارير والنظام المحاسبي.
وكشف بعض المتهمين، أثناء استجوابهم، عن أراضٍ وعقارات لم تشملها الأصول الخاصة بـ»تهامة فلافور» ولم تُذكَر في النظام المحاسبي للشركة، بعض هذه الأراضي تم شراؤها بأسماء أقرباء للمتهمة الرئيسية وليس باسم الشركة، بالرغم من أن قيمة تلك الأراضي دُفعت من أموال المساهمين، وهو ما علّق عليه محامي المتهم «ع. المرادي»، بقوله: «إن ما تم إثارته في هذه الجلسة بأن هناك عقارات لم يتم إدراجها في نظام الشركة يؤكد أن الشركة كانت تدار بعيدًا عن الإدارة المالية». ووفقاً له، فقد كان ذلك سببًا في مطلب موكله لإدارة الشركة بموافاته بالحسابات والأرباح، إلا أن إدارة الشركة لم تستجب لذلك، وهو ما أدى بموكله إلى الاستقالة.

عجز مالي
بعد أن أنهت المحكمة استماعها للمتهمين ومحاميهم فُتح المجال للمحامي عن عدد من المجني عليهم المحامي زيد الربيعي للحديث، حيث أوضح أن التقرير المحاسبي تضمن عجوزات مالية على «تهامة فلافور» تتجاوز الـ45 مليار ريال، مشيراً إلى أن المتهمين تنصلوا لأنفسهم من أي مسؤولية بما في ذلك زوج المتهمة الرئيسية فتحية المحويتي، وهو ما اعتبره المحامي الربيعي دليلا على صحة التهمة المنسوبة إليهم.
وتطرق الربيعي في مرافعته إلى نقطة وصفها بالمهمة في هذه القضية، لافتاً إلى أن «هذه النقطة جرى تجاهلها، وتتعلق بالأرض التي تم شراؤها من المتهم أحمد شرهان، حيث إن الثابت منذ بداية القضية، وفي المحاضر الأولى للتحقيق مع المتهمين، اختلاف أقوال المتهم شرهان مع أقوال المتهمة فتحية المحويتي حول المبلغ الذي تم به شراء الأرض، ففيما يفيد شرهان بأن المبلغ المسلم له هو 2 مليار ريال، تتمسك المتهمة فتحية بأن المبلغ 5 مليارات ريال يمني».
وقال الربيعي إن «بين هذين المبلغين هوة كبيرة، فبالنظر في تفاصيل ما جرى سنجد أنه لا يوجد نزاع أو خلاف بين الطرفين أساسًا رغم الهوة الكبيرة، بل إن المتهمة فتحية ومحاميها يتمسكان بصحة المبيع، مع أنه تم تكليفنا مع أعضاء اللجنة والحارس القضائي من قبل الهيئة سلفًا بمعاينة الأرض واستلامها، وتم تأجيل جلسات المحكمة بغرض تنفيذ هذا القرار لست جلسات تقريبًا، إلا أنه لم يتم شيء من ذلك، وهذا يؤكد أنه لا توجد أرض بتاتًا، مع التأكيد على أنه لم يتم تحرير بصيرة البيع والشراء، على الرغم أنه من ظاهر المعاملة أنه قد تم البيع والشراء، وهذا بكله وجله يؤكد وجود تحايل بين المتهمين المذكورين للإيقاع بموكلينا المجني عليهم».
وطالب المحكمة بالتخاطب مع الأمناء الشرعيين على مستوى الجمهورية والتعميم بعدم تحرير أي بصائر بيع وشراء فيما يتعلق بالأموال الخاصة بالمتهم شرهان مثله مثل بقية المتهمين.

تهرب من المسؤولية
من جهته المحامي عن بعض المجني عليهم، عبداللطيف المحيا، أفاد أنه بناءً على قرارات المحكمة في الجلسة الماضية فقد جرى التخاطب مع جهاز الأمن والمخابرات بإحضار المتهمين إلى مقر «شركة تهامة فلافور»، وبالفعل تم الاستجابة لذلك، وتم نقل جميع المتهمين وليس فقط من قررت المحكمة نقلهم، وجرى الاجتماع بهم وتسليمهم التقرير المحاسبي..
وأضاف: «تبين من خلال نقاش المحكمة للمتهمين جميعًا أنهم أفادوا باطلاعهم على التقرير وحاولوا التهرب من المسؤولية، رغم أن قرار اتهام النيابة قد حدد التهمة المنسوبة إليهم، وتمت مواجهتهم بقائمة أدلة الإثبات التي لا غبار عليها».
واعتبر المحامي المحيا أن «الأركان الخمسة للجريمة قد ثبتت على المتهمين بالاعترافات والشهود والمحررات والخبرة والمعاينة».
وفي تصريح لـ(لا) أكد المحامي عبداللطيف المحيا تمسكه بالطلب المقدم إلى المحكمة «بإحضار جميع ما تم ضبطه وتحريزه فيما يتعلق بشركة تهامة فلافور من ذهب ومبالغ مالية ومحررات العقارات ليتم مناقشتها أمام هيئة المحكمة ومعرفة ما تم ضبطه وتحريزه».
وأشار المحيا إلى أن القضية قد طال أمدها كثيراً، وهناك من المساهمين من فارق الحياة قبل أن يأخذ حقه من المتهمين. متمنياً من المحكمة «حجز القضية للحكم، بعد عرض المضبوطات».
في ختام الجلسة قررت المحكمة «إلزام الحارس القضائي بتقديم تقرير نهائي في الجلسة القادمة لحركة نشاط الأموال محل الحراسة للعام 2025 كاملًا»، ومنحت المحكمة فريق الدفاع فرصة أخيرة لتقديم ما لديه بخصوص التقارير المحاسبية، وله في سبيل ذلك الجلوس مع المتهمين الذين قررت المحكمة نقلهم إلى مقر الشركة بغرض إبداء الملاحظات على التقارير، إن وجدت إلى الجلسة القادمة، وإلزام النيابة العامة بحركة ونشاط فريق الدفاع لتنفيذ هذا القرار، وإلزامها أيضاً ومعها جهاز الأمن بالسماح للمتهمين بالتواصل مع أسرهم وفقًا للآلية المتبعة في ذلك.

قرار الاتهام
وتتهم النيابة العامة ما تسمى بـ«شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري» ممثلة برئيس مجلس إدارتها فتحية المحويتي و40 شخصاً آخرين، بأنهم قبل ضبطهم في آذار/ مايو 2023م، ارتكبوا جريمة غسيل أموال، حيث جمعوا مبالغ مالية كبيرة من الضحايا تتجاوز 136 مليارا و966 مليون ريال يمني، و19 مليونا و23 ألف ريال سعودي، و7 ملايين و938 ألف دولار، وفق نظام الاحتيال المالي المعروف عالمياً بـ«مخطط بونزي»، وذلك بالاستعانة بطرق احتيالية ونصب واتخاذ مظاهر مادية كاذبة وأسماء تجارية غير صحيحة وأوهموا ضحاياهم وعددهم في النظام المحاسبي للشركة يتجاوز 13589 ضحية، بوجود أنشطة استثمارية (عقارية، تجارية، صناعية) مربحة يتم من خلالها تشغيل وإدارة أموال المساهمين واستثمارها للحصول على أرباح سريعة وعوائد مرتفعة، في حين أن ما سمي بـ«الأنشطة الاستثمارية» ما هي إلا مشاريع صغيرة أنشأها وسجلها المتهمون بأسمائهم من أموال الضحايا ولم تدر أي أرباح يمكن تسليمها للمساهمين، وعززوا تلك المزاعم والأكاذيب بتوزيع مبالغ مالية من أموال الضحايا الجدد للضحايا القدامى باسم أرباح شهرية وفصلية، وهو ما جعل المجني عليهم يعتقدون بصحتها فوقعوا ضحية التدليس والخداع، ناهيك عن إبرام ما أسمي بـ«عقود المضاربة» المتضمنة الوعد بأرباح وهمية محددة سلفاً تصل أحياناً إلى نسبة 5% من رأس المال والاستعانة بعدد من الأشخاص المرتبطين بهذه الأعمال «الوسطاء» لتأييد مزاعمهم وجذب أكبر عدد ممكن من الضحايا.
وأشار قرار الاتهام إلى أن المتهمين في تلك العمليات تخفوا وراء كيانين وهميين هما «مؤسسة تهامة فلافور للاستيراد والاستثمار العقاري والتجاري» و«شركة تهامة فلافور للتجارة والاستيراد والخدمات العامة» وكيان قانوني هو «شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري»، وهذا الكيان لا تخولهم طبيعته القانونية تلقي الأموال أو طرح الأسهم.
كما قام المتهمون، وفقاً للنيابة، بإنشاء مقرات وفروع بأسماء هذه الكيانات، في أمانة العاصمة ومحافظات ذمار وإب والمحويت، وروجوا لذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي واستضافوا مسؤولين حكوميين، وبهذا استطاعوا جمع المبالغ المالية المذكورة مما مكنهم من اكتساب أصول مالية ومزاولة أنشطة تجارية وعقارية في الداخل والخارج وحيازة مقتنيات ثمينة لا تتناسب مع وضعهم ودخلهم المادي.
وقام المتهمون، وفقاً لقرار الاتهام، بغسل الأموال المحصلة من جريمة النّصب، باكتساب أصول مالية عقارية، ومنقولات بأسمائهم. كما قامت المتهمة الأولى وخمسة من المتهمين في القضية بالإدلاء أمام وزارة التجارة والصناعة بإقرارات كاذبة وبيانات غير صحيحة في عقد التأسيس والنظام الأساسي لما سمي بـ«شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري والتجاري»، تفيد بإيداعهم مبلغ مائة مليون ريال لدى أحد البنوك وتوزيع الأسهم النقدية فيما بينهم عند التوقيع خلافاً للحقيقة وذلك لاكتساب صفة الشركاء المؤسسين وحصلوا بموجب ذلك على الترخيص الوزاري بتاريخ 13 شباط/ فبراير 2019م، بتأسيس الشركة المذكورة.
وتُعد قضية شركة «تهامة فلافور» واحدة من أكبر قضايا النصب والاحتيال إلى جانب «مجموعة قصر السلطانة» و«إعمار تهامة» التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، ووقع ضحية الثلاث نحو 130 ألف مواطن بأكثر من 211 مليارا و726 مليون ريال.