تقرير / لا ميديا -
في غزة، لم تعد المسألة “تصعيدا” ولا “خرقا” ولا حتى “عدوانا” بالمعنى التقليدي للكلمة؛ ما يجري هو جريمة مستمرة تُدار بعقلية عصابة صهيونية زودت بكل أسلحة تنفيذ الإبادة.
الاحتلال الصهيوني لا يكتفي بالقتل، بل يصرّ على تحويل القتل إلى سياسة عامة، وإلى نموذج أعمال عسكرية -سياسية قائمة على الإبادة البطيئة، وكسر الإرادة الإنسانية أمام أعين عالم متواطئ بالصمت أو شريك بالفعل.
أمس، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، عن ارتقاء ثلاثة شهداء جدد خلال 24 ساعة، بينهم مواطن قضى نتيجة انهيار مبنى في خان يونس، في حدث متكرر ومخطط له من قبل الاحتلال. انهيار المباني في غزة ليس “حادثا”، كل ذلك نتيجة مباشرة لسياسة صهيونية دمرت العمران ثم تركت السكان يموتون تحت الركام لتستمر الإبادة بصور مختلفة.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، استشهد نحو 420 فلسطينيا، وأُصيب أكثر من 1,180، وانتُشل مئات الجثامين من تحت الأنقاض.
هذه الأرقام تؤكد أن وقف إطلاق النار هذا يشهد وتيرة يومية في الجرائم الصهيونية وارتقاء الشهداء.
الأرقام التراكمية منذ بدء عدوان الإبادة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تفضح الحقيقة بلا مواربة: أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح. هذه ليست “أضرارًا جانبية”، بل حصيلة مشروع تدمير شامل.

قصف ونسف وقتل متواصل
وفي مكان آخر من غزة، لم يكن الصيادان المستهدفان قبالة سواحل جنوب القطاع جزءا من مشهد عسكري أو اشتباك مسلح، بل كانا يمارسان عملا لكسب قوت يومهما في بحر بات مصدر خطر دائم. لكن نيران زوارق الاحتلال استهدفتهما، ما أدى إلى استشهاد أحدهما وإصابة الآخر، ما يعكس واقعا بات فيه الرزق نفسه مغامرة مميتة، ويؤكد أن دائرة الاستهداف الصهيوني شاملة.
وعلى اليابسة، تواصلت عمليات القصف ونسف المنازل السكنية شرق مدينة غزة وشرقي خان يونس وفي مناطق من رفح، لتضيف فصولًا جديدة إلى مشهد التدمير المنهجي. هذه العمليات لا تترك وراءها أنقاضا فحسب، بل تخلّف عائلات بلا مأوى، ونازحين بلا أفق، وتعمّق الإحساس العام بأن الاستهداف لا يطال حجرا فقط، بل يطال فكرة الاستقرار نفسها، في قطاع أنهكته سنوات من الحصار والعدوان المتتالي.
وفي حي التفاح شرق مدينة غزة، أفادت مصادر ميدانية بإلقاء طائرات مسيّرة من نوع “كواد كابتر” قنابل مفخخة فوق منازل المدنيين. هذا الأسلوب، الذي يعتمد على بث الرعب من السماء في أحياء مكتظة بالسكان، لا يمكن فصله عن سياسة الضغط النفسي الجماعي، حيث يصبح الخوف أداة موازية للقصف. ومع القصف المدفعي المتواصل وإطلاق النار الكثيف، وعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إلى المواقع المستهدفة، تتكرس معادلة قاتمة: مدنيون محاصرون بين النيران، ووقت يتحول فيه تأخر النجدة إلى حكم إضافي بالموت.

الاحتلال الأصفر يتوسع!
حيل العدو الصهيوني وجرائمه لا تنتهي، ومنها ما يسمى «الخط الأصفر» وتوسيعه بشكل مستمر لقضم المزيد من غزة.
وأمس وسعت قوات الاحتلال «الخط الأصفر» في بني سهيلا كهندسة تهجير قسري مدروسة. تغيير مواقع العلامات، نسف المنازل، ودفع السكان للنزوح القسري هو احتلال واقتلاع بآليات حديثة.
الأكثر فجاجة هو استهداف العمل الإنساني. تهديد العدو الصهيوني بإنهاء عمل “أطباء بلا حدود” وعشرات المنظمات بحجج تشريعية واهية يكشف نية واضحة: خنق غزة صحيًا، وترك الجرحى يموتون بصمت، وإخراج الشهود من المشهد.
وحذرت، أمس، رئيسة منظمة «أطباء بلا حدود»، إيزابيل دوفورني، من احتمال إنهاء عمليات المنظمة في قطاع غزة خلال مارس المقبل إذا لم تتراجع إسرائيل عن قرار حظر نشاطها ونشاط 36 منظمة أخرى، بحجة عدم تقديم أسماء الموظفين الفلسطينيين وفق تشريع جديد، ووصفت القرار بأنه «تجاوز فاضح».

جرائم في الضفة
في الضفة الغربية المحتلة، تتكرر الجريمة بوجه آخر. عملية “الجدار الحديدي” العدوانية شمال الضفة حولت المخيمات إلى مناطق منكوبة. أكثر من 12 ألف طفل يعيشون نزوحًا قسريًا، وعشرات الآلاف طُردوا من بيوتهم حسب الأونروا. العدو الصهيوني لا يكتفي بتدمير الحاضر، بل يستهدف المستقبل: التعليم، الاستقرار النفسي، والطفولة نفسها. كل ذلك يجري تحت مسمى “عملية عسكرية”، بينما الحقيقة أنها حملة قمع جماعي ممنهجة.
أما في النقب، فقد قتل العدو الصهيوني الشاب محمد حسين الترابين، الأب لستة أطفال، خلال اقتحام قريته، ما يكشف جوهر العدوان الصهيوني القائم على قتل الفلسطينيين كعقيدة في التحرك.
الحصار، الاعتقالات، أوامر الهدم الجماعية، والغرامات الانتقامية ليست استثناءات، بل سياسة ثابتة لإخضاع الفلسطيني حيثما كان. اقتحامات إيتمار بن غفير الاستفزازية ليست شطحات فردية، بل انعكاس مباشر لفاشية منظومة عميقة تتربع في قلب القرار «الإسرائيلي».