عادل بشر / لا ميديا -
تحولت الصراعات داخل شركة الخطوط الجوية اليمنية خلال الأشهر الأخيرة إلى حرب تصفية سياسية ومناطقية ممنهجة، تستهدف كيان الناقل الوطني نفسه، وتدفع أثمانها نخبة من كوادر الشركة الذين حافظوا، رغم الانقسام والحرب، على حدٍ أدنى من المهنية والتوازن الوطني.
مصادر مطلعة داخل "اليمنية"، أفادت "لا" أن ما يجري اليوم هو استكمال مباشر لمخطط تفكيك الشركة من الداخل، وإقصاء رموزها الوطنية، وتحويلها إلى مؤسسة خاضعة لهيمنة سياسية ضيقة، تمهيداً لتهميشها أو تصفيتها لصالح شركات طيران خاصة مرتبطة بمراكز نفوذ في عدن والرياض وأبوظبي.
وأوضحت المصادر أنه خلال الفترة الماضية، شهدت الشركة موجة قرارات وصفتها ذات المصادر بـ"الكيدية"، استهدفت موظفين وكوادر من أبناء المحافظات الشمالية، عبر اتهامات سياسية جاهزة مفادها "الولاء للحوثيين"، وهي التهمة التي باتت تُستخدم كأداة إقصاء لأي موظف يرفض الانخراط في مسار التسييس والانقسام.
وبحسب المصادر، فإن إدارة الشركة في عدن، الواقعة عملياً تحت نفوذ ما يسمى بـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" الموالي للإمارات، قامت باستبعاد عدد من الموظفين دون أي مسوغات قانونية أو مهنية، في خطوة اعتُبرت جزءاً من تحويل الشركة إلى ساحة صراع مناطقي، لا علاقة له بمصالح المسافرين أو استمرارية الناقل الوطني.

الزج بـ"اليمنية" في معركة العدوان السعودي الإماراتي
تزامن هذا المسار مع تصعيد سياسي خطير تمثل مؤخراً في إغلاق مطار عدن الدولي بقرار صادر عن مرتزقة "المجلس الانتقالي"، على خلفية الصراع المتفاقم بين تحالف العدوان السعودي الإماراتي، حول إدارة الملف الجوي، في خطوة كشفت بوضوح حجم العبث بمقدرات اليمنيين، واستخدام الطيران المدني كورقة ضغط سياسية.
ويرى مراقبون أن الزج بطيران اليمنية في هذه المعركة يعكس مخطط أدوات الإمارات في السيطرة الكاملة على الشركة، ليس باعتبارها مؤسسة خدمية، بل كأداة سيادية تُستخدم ضمن مشروع تفتيت وتقسيم اليمن، حتى لو كان الثمن شل حركة المسافرين وتعميق معاناة المرضى والطلاب.

محمد الحامي... نموذج للاستهداف المنهجي
في قلب هذا المشهد، تبرز قضية مدير مكتب الخطوط الجوية اليمنية في بيروت، محمد الحامي، كأخطر مؤشر على انتقال الصراع من مرحلة الإقصاء الإداري إلى الملاحقة السياسية العابرة للحدود.
الحامي، الذي سبق وأن كشفت "لا" في تقرير بتاريخ 19 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، عن استهدافه وإقالته تعسفياً، لم يكن مجرد مدير مكتب خارجي، بل أحد أبرز الكوادر التي لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على وحدة الشركة، ومحاولة النأي بها عن الاستقطاب السياسي، وخدمة جميع اليمنيين دون تمييز جغرافي أو سياسي.
وأفادت مصادر "لا" بأن الحامي تعرض قبل إقالته لسلسلة مضايقات، شملت سحب صلاحياته، وتعطيل عمل مكتب بيروت، وحرمانه من التنسيق مع الإدارات المركزية، في محاولة واضحة لدفعه إلى الاستقالة أو خلق مبررات لإقصائه.
وعندما فشلت تلك الأساليب، جرى استدعاؤه أكثر من مرة للحضور إلى عدن، في خطوة وصفتها المصادر بأنها استدراج أمني مقنّع بغطاء إداري، وهو ما رفضه الحامي، مقترحاً لقاء الإدارة في دولة محايدة "الأردن" أو "مصر" لمناقشة أي "سوء فهم"، إلا أن تلك المقترحات رُفضت، وجرى الإصرار على حضوره إلى عدن فقط، فرفض الحضور، ليُتخذ على إثر ذلك قرار الإقالة وتعيين بديل عنه بشكل مستعجل.

دعاوى كيدية وملاحقة في لبنان
الجديد والأخطر في القضية، وفقاً للمصادر، أن إدارة الشركة في عدن لم تكتفِ بفصل الحامي وتشويه سمعته، بل قامت برفع دعاوى كيدية بحقه لدى السلطات اللبنانية، تتضمن اتهامات سياسية ومالية لا تمت للواقع بصلة، في محاولة لنقل الصراع إلى الخارج، وتحويل الخلاف الإداري إلى قضية أمنية.
وأكدت المصادر أن الحامي بات يتعرض لملاحقة عبر النيابة والجهات الرسمية في لبنان، الأمر الذي اعتبرته سابقة خطيرة تنذر باستخدام القضاء في دول أخرى لتصفية حسابات سياسية داخل مؤسسة يفترض أنها مدنية وخدمية.
وفي هذا السياق، حملت المصادر السلطات اللبنانية المسؤولية الكاملة عن حماية محمد الحامي، وضمان سلامته وسلامة أسرته، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كساحة لتصفية صراعات يمنية داخلية.

استكمال مخطط التصفية
تأتي هذه التطورات منسجمة تماماً مع ما سبق وكشفته "لا" في تقرير بتاريخ 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حول مخطط سعودي إماراتي لتفريخ شركات طيران خاصة، مثل "بلقيس" و"طيران عدن"، و"حضرموت" و"فلاي عدن" وإفراغ السوق الجوية من "اليمنية"، عبر إنهاكها إدارياً، وإقصاء كوادرها، وخلق بيئة طاردة داخلها لأهم موظفيها واستبدالهم بكوادر ذات ولاءات سياسية ضيقة، تمهيداً لخصخصة خطوطها وابتلاعها.
ويرى مراقبون أن استهداف كوادر مهنية مثل الحامي لا يتعلق بالوظيفة بقدر ما هو ثمن لموقف وطني، ورفض للمشاركة في مشروع تقسيم الشركة وتحويلها إلى كيان مناطقي.
في ضوء هذا الانحدار الخطير، دعت المصادر إلى وقف العبث والانهيار، وإنقاذ الخطوط الجوية اليمنية من مصير قاتم، عبر تحييدها عن الصراعات السياسية، والحفاظ على طابعها الوطني والموحد، باعتبارها ملكاً لجميع اليمنيين شمالاً وجنوباً.
وأكدت أن أي مساس بـ"اليمنية" لا يمثل جريمة اقتصادية فحسب، بل جريمة سياسية وسيادية تمس وحدة البلاد وحقوق مواطنيها في التنقل، وتكشف إلى أي مدى باتت المؤسسات الوطنية رهائن لصراعات النفوذ الإقليمية.