تقرير / لا ميديا -
في مشهد يختصر انهيار ما تبقّى من أوهام «النظام الدولي»، نفّذت الولايات المتحدة، فجر السبت، عدواناً عسكرياً سافراً على فنزويلا، شمل اختطاف رئيسها المنتخب، نيكولاس مادورو، وزوجته، ونقلهما قسراً إلى نيويورك.
لم يكن العدوان الأمريكي إجراءً قانونياً ولا عملية «مكافحة مخدرات» كما تحاول واشنطن تسويقه، بل كان جريمة غير مسبوقة، جرى بثّها على الهواء، وبوقاحة سياسية نادرة، وباستخفاف فاضح بكل ما تبقى من قواعد السيادة و«القانون الدولي».
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي كان رأس تنفيذ الجريمة، خرج مزهواً يصف العملية العدوانية بأنها «رائعة»، متباهياً بـ«ضربة واسعة النطاق» استهدفت قلب العاصمة كاراكاس ومنشآت عسكرية حيوية، في خطاب لا يعبر عن رئيس دولة تحترم القانون، بل عن زعيم عصابة دولية تدير العالم بمنطق الغنيمة.
الخلاصة من هذا العدوان بدت واضحة تماماً حين أعلن ترامب أن بلاده ستنخرط «بقوة» في قطاع النفط الفنزويلي، وسترسل سفن النفط إلى هناك. النفط أولاً، ثم كل شيء آخر. أما التهم الجاهزة بالمخدرات و»الإرهاب» فهي مجرد ملصقات تُلصق على الهدف بعد تدميره.
العدوان، بحسب الروايات الفنزويلية والكولومبية، كان صاروخياً، واستمر لأكثر من ساعة، وطال مناطق سكنية مأهولة.
وزير الدفاع الفنزويلي، الجنرال فلاديمير بادرينو لوبيز، تحدث عن استهداف المدنيين، وعن صواريخ أُطلقت من مروحيات أمريكية معلناً التعبئة العامة والمواجهة.
وقال: «لقد دنست القوات الغازية أرضنا وصولاً إلى استهداف مناطق سكنية مأهولة بالمدنيين بصواريخ وقذائف أطلقت من طائرات مروحية».
من جانبه، كتب الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، القريب من مادورو، على موقع «إكس»: «لقد هاجموا فنزويلا»، مطالباً بعقد اجتماع «فوري» لمنظمة الدول الأمريكية والأمم المتحدة للنظر في «الشرعية الدولية» والموقف من هذا العدوان.
وأعلن بيترو أنه أمر بنشر قوات عسكرية على الحدود مع فنزويلا. واصفاً القصف الأمريكي بأنه «اعتداء على سيادة» أمريكا اللاتينية، متوقعاً أن يتسبب بأزمة إنسانية.
بالتوزاي، خرجت وزيرة العدل الأمريكية لتعد مادورو وزوجته بـ»كامل غضب العدالة الأمريكية»، وكأن واشنطن باتت محكمة كونية، تمتلك الحق في القصف والخطف والمحاكمة متى شاءت وأينما شاءت.

فنزويلا.. طوارئ وتعبئة عامة
فنزويلا، التي أعلنت حالة الطوارئ ودعت إلى التعبئة العامة، لم تترك مجالاً للبس: الهدف الحقيقي هو كسر استقلالها السياسي والسيطرة على مواردها الاستراتيجية. هذا السيناريو مكرّر، محفوظ عن ظهر قلب بشأن الجرائم الأمريكية؛ من غواتيمالا إلى تشيلي، ومن بنما إلى العراق وليبيا، المعادلة واحدة: دولة ترفض الانصياع، فتُصنَّفها أمريكا كتهديد، ثم تُقصف، ثم تُعاد هندستها سياسياً بما يخدم المصالح الأمريكية.
في السياق نفسه، رحب الكيان الصهيوني وإيطاليا بالعدوان، مؤكدين مرة أخرى أن المعيار ليس القانون ولا الأخلاق، بل الموقع في معسكر الهيمنة.

المقاومة الإسلامية تندد
على صعيد ردود الفعل العربية والإسلامية، وصف حزب الله ما جرى بأنه «عدوان إرهابي وبلطجة أمريكية» استهدفت دولة ذات سيادة، عبر قصف العاصمة كاراكاس ومنشآت حيوية ومدنية ومجمّعات سكنية، وصولاً إلى خطف رئيس البلاد وزوجته. ورأى الحزب أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً فاضحاً وغير مسبوق للسيادة الوطنية، وضرباً مباشراً للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، تحت ذرائع واهية وكاذبة لا تصمد أمام أي فحص سياسي أو قانوني جدي.
وأكد حزب الله أن هذا العدوان حلقة جديدة في نهج الهيمنة والاستكبار والقرصنة الذي تمارسه الإدارة الأمريكية. واعتبر أن ما جرى يكرّس منطق شريعة الغاب في العلاقات الدولية، ويفجّر ما تبقّى من هيكل النظام العالمي، مفرغاً إياه من أي مضمون.
من جهتها، أدانت حركة المقاومة الإسلامية حماس العدوان الأمريكي على فنزويلا، واعتبرت اختطاف رئيس دولة ذات سيادة وزوجته سابقة خطيرة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، واعتداءً مباشراً على حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الإكراه العسكري والسياسي.
ورأت الحركة أن هذا العدوان يندرج في إطار السياسة الأمريكية الظالمة والمتكررة، والتي تتخفى خلف شعارات براقة، بينما تخفي في جوهرها مطامع إمبريالية واضحة. وأشارت إلى أن هذه التدخلات الأمريكية كانت سبباً رئيسياً في إغراق العديد من الدول في صراعات مدمّرة، خلقت بؤر عدم استقرار، وشكّلت تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين.
من جانبها، أدانت وزارة الخارجية الإيرانية، بأشد العبارات، العدوان الأمريكي و«ما يشكّله من انتهاك صارخ لسيادة هذا البلد ووحدة أراضيه».
وقالت الخارجية الإيرانية إنّ العدوان العسكري على فنزويلا «يشكّل خرقاً واضحاً للمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية»، مؤكّدةً أنّ الهجوم الأمريكي على دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة «انتهاك للسلم والأمن، وتداعياته تهدّد النظام الدولي».
كما شدّدت على الحقّ الأصيل لفنزويلا في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها وحقّ شعبها في تقرير مصيره.

عالم متعدد الأوهام
الفضيحة الأكبر لم تكن فقط في العدوان الأمريكي، بل في العجز المخزي لحلفاء فنزويلا الكبار.
روسيا، التي تتحدث ليل نهار عن عالم متعدد الأقطاب، اكتفت بوصف ما جرى بأنه «مقلق جداً»، وطالبت بتوضيحات، ودعت إلى جلسة لمجلس الأمن. لغة ناعمة أمام جريمة خشنة.
الصين، التي تدين «بشدة» استخدام القوة، لم تتجاوز حدود البيان، واكتفت بدعوة مواطنيها إلى عدم مغادرة منازلهم. هذا ليس موقف قوة عظمى، بل إدارة أزمات منخفضة السقف، تفضّل عدم إزعاج واشنطن حتى وهي تختطف رئيس دولة ذات سيادة.
والنتيجة واضحة: روسيا والصين، في هذا الاختبار الحاسم، ظهرتا كحليفين بلا أسنان. بيانات الإدانة لا تعيد رئيساً مختطفاً، ولا توقف صاروخاً، ولا تحمي سيادة.
وفي الأخير يبقى السؤال: متى يمكن أن تقوم الولايات المتحدة باعتقال الرئيس فلاديمير بوتين؟!