القصيدة الشعبية أذكت روح المقاومة واضطلعت بالقيادة الوجدانية للمجتمع بشكل منقطع النظير

حاوره:  نشوان دماج / لا ميديا -
الشاعر الكبير والناقد والمترجم كريم سالم الحنكي يتحدث ضيفاً لصحيفة «لا» في حوار استثنائي من حلقتين، يتناول في الحلقة الأولى المشهد الثقافي والحراك الذي تشهده جغرافيا السيادة من فعاليات ومهرجانات ثقافية والدور الذي تنهض به تلك المهرجانات والفعاليات في انتهاج ثقافة مقاوِمة. 
كما يتحدث عن الدور الكبير الذي لعبته مؤسسة دار الهمداني للطباعة والنشر من نهوض بالثقافة على مستوى الجزء الجنوبي من الوطن في الثمانينيات، إضافة إلى جوانب من حياته الشخصية والإبداعية، والبيئة الأسرية التي أحاطت به تكويناً وتثقيفاً، وكذا عن جوانب من حياة 
والده وشقيقيه أحمد وعبدالله، فإلى الحوار:

«الرسول الأعظم» أهم فعالية إبداعية
 لو بدأنا حوارنا معكم أستاذ كريم من مهرجان الرسول الأعظم في موسمه الثامن.. كيف تقيمون المهرجان من وجهة نظركم باعتباركم أحد أعضاء لجنة التحكيم؟ وما الذي لمستموه من اختلاف عن المواسم السابقة؟
مهرجان الرسول الأعظم للإبداع الفني والثقافي يغدو عاماً بعد عام أهم الفعاليات الإبداعية المكرسة في الساحة الثقافية راهناً، ومرد الفضل في ذلك لمؤسسة الإمام الهادي القائمة عليه ودينامية رئاستها وطاقم عملها كله. فتأسيساً على الجهد الدؤوب الحقيق بالتقدير لمنظومة عمل المؤسسة تم تكريس المهرجان واتساع فاعليته المنتظمة سنوياً للعام الثامن على التوالي، وارتقائه من مستوى حسن إلى أحسن في كل عام تقريباً. وإلى جانب ثبات مسابقاته الثلاث الرئيسة في الشعر الفصيح والإنشاد والتمثيل المسرحي، وشموله الشعر الشعبي وتقديم المسرحيات التي تجمع بذكاء غالباً بين المتعة والفائدة، نجد اهتماماته تتسع لتشمل فنوناً أخرى كالتصوير والخط والرسم الكاريكاتيري في كثير من المواسم. وبمزيد من الدعم الرسمي والأهلي لا نستبعد تحقق الطموح بشمول المهرجان كامل الجغرافيا اليمنية الحرة والمحتلة، وانتقاله تدرجاً من المستوى اليمني إلى العربي كذلك.
بصفتي عضو لجنة تحكيم، أرى المهرجان ناجحاً وإلى مزيد من النجاح بإذن الله، وأتطلع بهذا الشأن إلى إتاحة مزيد من الوقت لتحكيم الشعر، وإلى إعادة مشاركة المرأة ضمن سياقاته الأساسية.
عدا تحسن التجهيزات في الموسم الثامن واتساع المشاركة الشعرية تحديداً، برأيي أن الموسمين الأخيرين يمثلان معاً ذروة أداء المهرجان خلال مختلف مواسمه؛ وإن كان كل موسم منه قد أثرى الذائقة العامة وأسهم بنصيب في رفد المشهد الثقافي العام، والمقاوم للعدوان بوجه خاص، في بلادنا.

سيتعافى المجتمع وشعره وثقافته
 إلى أين يتجه الشعر دوراً وقيمةً في هذه المرحلة التي تمر بها اليمن؟
الشعر ومشهده العام وحراكه الإبداعي يتعرض لما يتعرض له المجتمع في بلادنا من عوامل التثبيط والانقسام أو الانكفاء الخارجية أساساً ومحبطاتها المؤثرة عليه بما تتضمنه من التلبيس على كثير من فاعليات نمائه وتحريكه. ومع تأثيرها العام على المشهد الشعري فإن جانباً مهماً منه يواجهها حضوراً وتجدداً منفتحاً على أغراض قلما تناولها سابقاً، فهو يقاومها كما يقاوم اليمن كل هذا العدوان الشامل عليه والذي سيتعافى منه تماماً بزواله كما سيتعافى مجتمعه وشعره وعموم ثقافته.

«الشعبي» سد فراغ انكفاء «الفصيح»
 ما هو تقييمكم للشعر الشعبي عموماً؟ وهل أن الجنوح إليه بشكل كبير في هذه المرحلة يمكن أن يكون على حساب القصيدة الفصحى مستقبلا؟
سد الشعر الشعبي للأمانة معظم الفراغ الذي تركه انكفاء الشعر الفصيح، وأثرى الوجدان العام بأدائه دوراً بالغ الحيوية ليس على المستوى النفسي والعاطفي للمجتمع فقط، بل على المستوى الجمالي أيضاً، بإذكائه روح المقاومة باقتدار جميل لا تخطئ جاذبيته الحواس ولا تغفل تأثيره. ولست أبالغ إن قلت إنه مع النغم الشعبي قد اضطلع بالقيادة الوجدانية للمجتمع اضطلاعاً منقطع النظير في هذا الظرف العصيب.
بيد أني لا أرى خوفاً من ذلك على القصيدة الفصحى مستقبلاً، ما إن نقهر العدوان ونتحرر منه ونبدأ بمحو آثاره والتعافي الشامل من تبعاته على مستوى الديار اليمنية كلها.

دليل توجيهي إلى الجمال
 أين يكمن دور النقاد أو لجان التحكيم؟ وهل تجدون أثرا لذلك الدور عند الشعراء؟
لا يتجاوز راهناً دور الدليل إلى الجمال تذوقاً فنياً وتوجيهاً في عملية الخلق الشعري والأدبي عموماً؛ وأجد لذلك أثراً ملموساً لدى كثير من الشعراء كما أستطيع الجزم بناءً على تجربتي المتواضعة في عضوية لجان التحكيم منذ 2016 وذلك أساساً من خلال الإسهام المتصل في عملين كبيرين، أهميةً وتأثيراً، هما برنامج «شاعر الصمود» على مستوى الشعر الشعبي أولاً والمسابقة الشعرية في مهرجان «الرسول الأعظم» على مستوى الشعر الفصيح ثانيا.

قاتل الله التسويف!
 «كم الطعنة الآن» الديوان اليتيم للشاعر كريم الحنكي، رغم غزارة قصائد نراها متفرقة له هنا وهناك.. هل يمكن أن نوجه السؤال هذه المرة للشاعر نفسه: كم الطعنة الآن؟
أحيلك، تأسياً لا تشبهاً، إلى أبي الطيب المتنبي وثاني بيتيه التاليين بخاصة:
رَماني الدَهرُ بِالأَرزاءِ حَتّى
فُؤادي في غِشاءٍ مِن نِبالِ
فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ
تَكَسَّرَتِ النِّصالُ عَلى النِّصالِ

 هل سنرى إصدارات مستقبلية لما بعد ذلك الديوان؟
أرجو ذلك. فلدي ما يؤلف بضع مجموعات تستوجب أن أفرغ لجمعها وتنسيقها.. قاتل الله التسويف.

أبي الروحي ومثلي الأعلى
 لو أتينا إلى الجانب الشخصي في حياة الشاعر كريم الحنكي.. ما الذي تركه شقيقك الشهيد أحمد سالم الحنكي من أثر فيك على المستوى السلوكي وعلى المستوى الثقافي والشعري أيضا؟
الدور الأكبر في تأسيسي الثقافي والمعرفي والسلوكي اضطلع به أحمد الذي كان الأخ الأكبر، بالمعنى الإيجابي المحض بالطبع، أباً روحياً وصاحباً مرشداً ومثلاً أعلى ترك أعمق الأثر عليّ طوال فترة الصبا والشباب الأول التي حبب إليّ فيها القراءة توجيهاً وإلقاءً للشعر. وهو نفسه شاعر متمكن من مختلف أدواته؛ إلا أنه كف عن كتابته مبكراً إذ لم يجد نفسه فيه مثلما وجدها في الصحافة. كما أن الأسرة عموماً محبة للشعر والأدب متذوقة لهما. عموماً ترك أحمد في كريم الحنكي الذي تلقى بعده كثيراً من المؤثرات المسهمة في تكوينه اللاحق؛ أما التأسيس فالأثر الأكبر فيه لأحمد.

تجربة هامة لم تستمر طويلا
 ما الدور الذي اضطلعت به دار الهمداني للطباعة والنشر، التي أسسها ورأسها الشهيد أحمد الحنكي، في صناعة المشهد الثقافي في عدن وفي الجنوب عموما؟
أحيلك هنا إلى ما كتبه بهذا الشأن المثقف الأستاذ هشام علي -رحمة الله عليه- في ورقة له بعنوان «من أجل تطوير الكتاب اليمني وتعميم ثقافة القراءة»؛ نشرتها صحيفة «الثورة» في حلقتين يومي 13 و14 نوفمبر2016. يقول في الحلقة الثانية: «يمكن أن نقول إن التجربة الأكثر أهمية في طباعة الكتاب اليمني قامت بتنفيذها دار الهمداني للطباعة والنشر، في مطلع الثمانينيات؛ حيث تم طباعة أكثر من ستمائة كتاب في مطابع الدار في عدن. وقد أرست هذه التجربة تقليداً مهماً في طباعة الكتاب وتطويره فنياً وموضوعياً، رغم أن هذه التجربة لم تستمر طويلاً، إذ توقفت الدار عن الطباعة، بعد استشهاد مديرها العام الأستاذ أحمد سالم الحنكي».
ثم يضيف: «وتمثل تجربة دار الهمداني مثالاً فريداً ومتميزاً على القيادة الثقافية ودورها في تحقيق المشروع الثقافي ودعمه، ويستحق الأستاذ أحمد سالم الحنكي أن نحيي ذكراه كقائد رائد في هذا المجال».
ولا أضيف إلى ما تفضل به الأستاذ هشام سوى أن تصوراً مذهلاً لدار الهمداني مستقبلاً وضعه أحمد وشرحه لي عام 1985؛ كان سيحدث به نهضة ثقافية شاملة يصعب تخيلها خلال بضع سنوات إذا ما استمرت الأوضاع كما هي عامئذ في عدن والجنوب. فقد كان يعتزم تنمية الدار وتطويرها ونقلها نقلة هائلة، بحيث تغدو نواة إنتاج ونشاط ثقافي نوعي كبير في كل مجال من مجالات الثقافة والفنون المختلفة. وأنا على يقين تام من أن اقتداره على تجسيد ذلك، وتحقيقه فعلاً وعلى أمثل وجه، لا حدود له. لكن...

مواجهة الصهاينة في بيروت
 دور شقيقك الآخر عبدالله في مقاومة العدوان الصهيوني على بيروت سنة 1982، ومن قبله دور والدك في المعارك التي خاضها العرب.. حبذا لو أعطيتنا لمحة عن ذلك..؟
عبدالله هو صنو أحمد وتوأمه الروحي ثقافةً وذائقةً شعريةً واقتداراً راقياً في الكتابة الأدبية والفكرية بأسلوب رفيع ومؤثر، ترك عليَّ هو أيضا ما ترك من الأثر، علاوة على كونه دبلوماسياً بالفطرة وسياسياً من طراز نادر. وموقفه الصلب في مواجهة الضابط «الإسرائيلي» وقواته في بيروت وإخراجه إياهم من مبنى سفارة اليمن الديمقراطي هناك عام 1982، هو أحد أوجه دوره المشرف عموماً في لبنان، سواء كدبلوماسي مطلع الثمانينيات أو سابقاً كضابط مثل بلاده وجيشها أرفع تمثيل هناك ضمن بعثة قوات الردع العربية في السبعينيات؛ ثم كدبلوماسي ورئيس بعثة اليمن الديمقراطي الدبلوماسية في موسكو من 1983 حتى يناير 1986 فدبلوماسي في سفارة اليمن الشمالي مسؤول عن رعاية شأن الجنوبيين المغضوب عليهم عقب يناير 86 من حكام الجنوب أو «قيادة الصدفة»، بتعبير العم العزيز المناضل والقائد السياسي الجليل شعفل عمر علي في صحيفة «النداء» (2008)، حتى انتقاله إلى صنعاء في 1987.. وطوال مدة إقصائه الطويل بعد ذلك حتى ابتعاثه نائباً للسفير في باكستان بين 1998 و2002، وإحالته الجائرة بعدها إلى التقاعد لرفضه التدني السياسي حينذاك والارتهان لأي طرف كان لأي غرض نفعي، حرصاً منه على استقلاله الشخصي ورفعة نفسه؛ وكذلك هو السفير عبدالله الحنكي دائماً أياً كانت التبعات، وما أثقلها.
كذلك كان الوالد -رحمة الله عليه- شاعراً وحفاظة للشعر، تأثرت به كذلك وحفظت عنه قصيدة البردة للبوصيري وكثيراً غيرها من عيون الشعر القديم على اختلاف أدواره. وهو أحد مناضلي الجبهة القومية، وقد تطوع ضمن آخرين للقتال في مصر عند ابتداء معارك يونيو/حزيران 1967، لولا انتهاء الحرب قبل رحيله لتلك الغاية.


أسبوع في «زنزانة صالح»
 حدثنا عن حيثيات اعتقالك في 2009 من قبل النظام السابق؟ وما التجربة التي خرجت بها من الاعتقال؟
كنت أحد أعضاء الحراك السلمي الجنوبي منذ 2007، ومن مؤيدي إرهاصاته الأولى قبلها في ردفان، حيث أقمت من منتصف 2005 حتى النصف الثاني من 2009، وعدن حيث كنت أعمل، والتي قدمت إليها مساء 12 يناير 2009 ضمن مئات عديدة من الرفاق القادمين من مدينة الحبيلين للإسهام في إحياء فعالية «التصالح والتسامح» التي كنت مشاركاً فيها بإلقاء قصيدة في ساحة الهاشمي بالشيخ عثمان صبيحة اليوم التالي 13 يناير، حين فوجئنا بتشديد أمني بالغ من أجهزة أمن نظام صالح ومحاصرتها الساحة عازمة على قمع المشاركين بكل السبل ومنها الرصاص الحي. وبالفعل كان هناك قتلى وجرحى وأعداد كبيرة من المعتقلين الذين كنت أحدهم؛ إذ استكبرت الركض هرباً في محيط الساحة أمام ملاحقة جند الأمن الذين أخذني أحدهم إلى طقم للشرطة، ما إن امتلأ في حي عبدالعزيز المجاور بنظرائي حتى توجه بنا إلى قسم شرطة المنصورة حيث قضينا الليلة الأولى في زنزانة واحدة محتشدين ونحن أكثر من 50 معتقلاً، عدا المئات ممن تم أخذهم إلى مختلف الأقسام والسجون في محافظة عدن. على أن عددنا ظل يتناقص ابتداء من اليوم التالي وخلال اليومين اللاحقين بالإفراج عن البعض لأسباب صحية أولاً ثم لتوقيع البعض على تعهد مفروض من إدارة الأمن بعدم العودة إلى التظاهر والشغب، أصر الأكثرون على رفض التوقيع عليه حتى أقنعنا منهم لاحقاً من لا أقارب لهم في عدن بقبوله للعودة إلى أهلهم، ومنهم من خرج وحمل سلاحه مع القائمين بقطع طريق الضالع عنوةً بين ردفان وحالمين إلى أن يتم الإفراج عنا وعن جميع المعتقلين في عدن. لذلك ومع الضجة الإعلامية وبيان اتحاد الأدباء وغيره المندد باحتجاز عضو مجلسه التنفيذي وعامة المعتقلين، بقينا بعد بضعة أيام خمسة رافضين التعهد حتى مساء اليوم قبل الأخير حين زارنا محافظ عدن سائلاً عني بالاسم وعن زملائي موجهاً بإخلاء سبيلنا. ونشرت صورته في الزنزانة معنا على الصفحة الأولى من جريدة «الأيام» في عدد اليوم التالي الذي أطلق سراحنا فيه بعد إعفائنا من توقيع ذلك التعهد وإبطاله، وعقب قضائنا أكثر من أسبوع قيد الاحتجاز. كانت تجربة في غاية الإثارة بالنسبة لي وغير مسبوقة كتبت خلالها قصيدة أرسلتها لتنشر أثناء احتجازي، وكادت؛ لولا منع بعض الأهل ذلك خوفاً علي من تبعاتها. كما سأل عني خلالها الشاعر الكبير سعدي يوسف مهتماً بتواصله مع بعض الأصدقاء والشعراء الذين زاروني أكثر من مرة وأنبأوه مطمئنين عني وعن ثبات المعنوية لدي؛ بل إنه كتب مقالاً بشأني نشره في «القدس العربي» كان من أجمل ما خرجت به منها. الظريف أننا أقمنا فعاليتنا ظهر يومنا الأول في الزنزانة فألقيتُ أكثر من قصيدة إلى جانب ما ألقي فيها من الكلمات والشعارات والزوامل؛ الأمر الذي تكرر إبان تلك المدة. وقد أقيمت فعالية حراكية حافلة في قاعة الحزب الاشتراكي اليمني احتفاء بنا عقيب خروجنا.

علاقة مبكرة بسعدي يوسف
 في مقال له عقب اعتقالك، وصفك الشاعر العراقي سعدي يوسف بـ»الأطروحة الصعبة في النصّ الشعريّ الجديد».. إلى أي حد كانت تربطك العلاقة بالشاعر سعدي؟ وهل كان لدار الهمداني دور في ذلك؟
عرفته مطلع ثمانينيات القرن العشرين عبر أخي الأكبر والمعلم أحمد سالم الحنكي رحمة الله عليه، وكنت دون الخامسة عشرة تقريباً لا أكاد أجرؤ على الحديث معه حينها إلا نادراً على استحياء، وإن بدأت أقرأ دواوين شعره منذئذ وأتذوقه وأطرب له حتى غدا من أهم المؤثرين فيّ شعريا. وتعززت معرفتي به لرسوّه في عدن التي أحبها وأقام فيها حتى مستهل 1986، نظراً لعلاقته الحميمة بأحمد الذي كان محباً له شاعراً وإنساناً وحفيّاً به جداً، ربطتهما صداقة جميلة جمالَ النصف الأول من تلك الثمانينيات، أجمل عهود عدن والجنوب على الإطلاق، والذي انتهى مأسوفاً عليه بمأساة يناير 1986 الكارثية التي غادر بها سعدي عدن والجنوب كله وودعهما إلى الأبد وإن ظل مسكوناً بهما، وغادر أحمد عدن والدنيا كلها على إثرها وبعد انتهاء المعارك وفرار من فر وانتصار من انتصر، لأن نفسه الكبيرة أبت الهرب رغم علمه بهو البديل؛ إلا أنه عاف الفرار ومع الفار أبداً عبد ربه منصور هادي، وآثر على ذلك الردى المحتوم، فأعدم مستشهداً بعد اعتقاله في عدن واقتياده إلى بعض نواحي لحج ثم إلى ريف من أريافها البعيدة.. ليبقى طيفه في صدارة أطياف رفاقه من أحبة سعدي في عدن (وهم كثر، ابتداء بزكي بركات وانتهاءً بفاروق علي أحمد من صفوة مثقفينا الكبار)، والتي لا تفارقه منذ ترك مدينتهم كاتباً لها قصيدته «وداعاً عدن»؛ فلم يعد إليها قط رغم مجيئه بعد ذلك إلى صنعاء. كان أحمد سالم المدير العام المؤسس، وكان سعدي يوسف المستشار الأول لدار الهمداني للطباعة والنشر، التي رحلت عملياً برحيلهما وانطواء المرحلة الفذة التي أفرزتها.

كان الأحرى به الاعتذار
 في آخر حوار لسعدي يوسف مع صحيفة «عكاظ» قبل موته، رأيناه يشيد بولي العهد السعودي إلى حد رآه البعض غير لائق بهامة شعرية كبيرة.. كيف تفسر موقفه ذاك؛ خصوصاً وأنه كان متزامناً مع عدوان دولي بقيادة السعودية على اليمن؟
بالنظر في الحوار المذكور الذي أجرته «عكاظ» عبر الهاتف يوم 5 حزيران الماضي مع الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف، قبل أسابيع من رحيله رحمة الله عليه، نجد أن ردوده كلها كانت مقتضبة على نحو لافت، فقد جاءت في الدرجة القصوى من الاختصار. ومن أكثرها اقتضاباً ما رد به على سؤاليْ محاوره علي الرباعي المتتاليين عن المملكة وولي عهدها. ففي رده على أولهما «كيف ترى التحولات في المملكة؟»، يقول: «المملكة خير من الجمهوريات العربية كلها». وعلى سؤاله الفج الثاني والمتصل بسابقه «ما رسالتك لولي العهد الأمير محمد بن سلمان؟»، يجيب: «أوجه له التحية، وقل له: سعدي يوسف يحييك ويقدر لك إخراج قدرات شعبك من القمقم».
ولا أجد رده الأول إلا شبيهاً بقول المتنبي عن سابق شعره في مديح كافور:
وما كان ذلك مدحاً له
ولكنه كان هجو الورى
فسعدي بذلك إنما يدين الجمهوريات العربية كلها وتهافت أنظمتها سقوطاً وفساداً فاق المملكة التي هي أصلاً مملكة سقوط وفساد.
وعلى نفوري من رده على الثاني، إلا أن ارتباط السؤالين بسياق واحد متصل يجعلهما متعلقين معاً بالتحولات التي أدخلها ابن سلمان في مملكة أسرته، والتي ترقى إلى مستوى يراه الكثيرون انقلاباً -محموداً بحد بذاته- على السلفية الوهابية بثوابتها وهيئاتها الفكرية والإرهابية الراسخة. وبصرف النظر عما وراء ذلك من الدوافع المريبة لأمير العدوان ومسانديه الدوليين، فإن إشادة سعدي به لا تتعلق هنا بعموم مسلك الأمير وتوجهاته؛ بل تأتي في السياق المذكور تحديداً فقط، ولا تختص سوى بانقلابه الداخلي على تلك المرجعية التقليدية و»قمقم» الرجعية العربية في أعتى ممالكها. ولو أنه استدرك ناقداً العدوان على اليمن أو أياً من التوجهات العامة في سياسة المملكة، لما نشرتها «عكاظ» بالطبع. وعموماً كان الأحرى برأيي الاعتذار عن حوار «عكاظ».
أما إذا أردت مواقف سعدي الحقيقية فاطلبها في شعره، ومنها موقفه من اليمن والعدوان عليه الذي أجده شعرياً شفيفاً وغير مباشر في ثنايا «سونيتات اليمن الثلاث: حضرموت، وجنبية القضاة، وشاطئ رامبو» التي كتبها يومي 20 و21 مارس 2018. فهو يقول في السونيتة الثانية منها عن جنبية اليمن: «هي أشرفُ ما نحملُ»! وفيها يتساءل أيضاً تساؤل العارف متجشماً كل وعر لتحية اليمن وصموده العظيم الملهم متمثلاً في هضبته الصامدة والعاصمة:
أَلِهَذَاْ سَأَحْمِلُ جَنْبِيَّةَ الْيَمَنِ الدَّهْرَ حَتَّىْ أَعُوْدْ
إِلَىْ جَبَلٍ فِيْهِ أَلْقَى النُّسُوْرَ الَّتِيْ هِيَ حِمْيَرُ وَالْوَاْلِدَةْ؟
أَلِهَذَاْ تَسَلَّلْتُ عَبْرَ الْحُدُوْدْ
لِأُلْقِيَ السَّلَاْمَ عَلَى الْهَضْبَةِ الصَّاْمِدَةْ؟
قائلاً في آخر رائعته هذه:
فَلْأَقُلْ لِمَرَابِعِ حَجَّةَ: أَنْتِ الْبِدَاْيَةْ
وَالْبِدَاْيَةُ لَيْسَ لَهَاْ مِنْ نِهَاْيَةْ.

محاولات العدوان ستفشل
 كيف تنظرون إلى الشرخ الذي يحاول الاحتلال السعودي الإماراتي إحداثه في محافظات الجنوب المحتلة؟ وهل يمكن أن ينجح في ذلك؟
لا يختلف كثيراً عن الشرخ الذي حاول الاحتلال البريطاني إحداثه في مناطق الجنوب بخاصة، واليمن عموماً حين كانت تلقي طائرات بريطانيا الحربية منشورات في مناطق الشمال المتوكلية المحادة للمحميات، مخاطبة المواطنين فيها بعبارات طائفية خبيثة من مثل: «الإخوة (الشوافع) ابتعدوا عن الحاميات العسكرية (الزيدية) فنحن لا نستهدفكم». وكما فشلت سابقاً ستفشل راهناً وتفشل قوى العدوان التابعة لها ولأمريكا والصهيونية الدولية في الجنوب خصوصاً وفي عامة البلاد اليمنية.
 كلمة أخيرة تودون قولها من خلال صحيفة «لا»؟
أتوجه بالتحية وعميق التقدير لصحيفة «لا» ورئيس تحريرها وأفراد طاقمها المجاهد كله عموماً، ولشخصكم الكريم على وجه الخصوص؛ ومن خلالكم جميعاً إلى أحرار اليمن ومجاهديه الأبطال في جبهات الشرف والعز كافة، وأخصها جبهات مأرب في أيامنا المباركة هذه التي نترقب تحريرها في سياق مجرياتها وذلك على طريق تحرير المناطق المحتلة كلها في يمننا الميمون بكامل تراب جغرافيته الأغلى والأعز.