عبدالله عبدالرحمن الكبسي

عبدالله هاشم الكبسي / لا ميديا -

سأكتب ما بقي القلم!! فلقد روي أن أول ما خلق الله القلم وعلم بالقلم، وبأمر الله أكتب بالقلم هذه الرسالة التي أوجهها إلى المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها عامة، وإلى العرب خاصة، ثم إلى الإخوة الفلسطينيين والفلسطينيات بصورة أخص. أقول لهم فيها: اسألوا الله السلامة من هذا السلام!... هذا السلام الذي تتبناه أمريكا منعوتاً بالجهود الجبارة والمساعي الحميدة والمتواصلة من نيكسون إلى روجزر إلى كارتر إلى ريجان حتى بوش -باشا العالم وشاهنشاه المعمورة- وبيكر الجوال القوال الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، بالكر والفر: جاء بيكر سار بيكر!! طباخاً للسلام خبازاً للإسلام، مقدماً للعرب والفلسطينيين الضمانات بالمزيد من المهانة والحرمان والإذلال والانتقام، ولـ"إسرائيل" بالمزيد من البر والإحسان والتوسع والاستيطان والبقاء على الدوام.
هذا المفهوم الصحيح!! ومن كذّب جرّب، وقد جربنا، ولن يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وقد لدغنا سبعين مرة!! فنسأل الله السلامة من هذا السلام، ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم الأكبر ومن عمله، ونستعيذ به من اللدغة الواحدة والسبعين بناب الأفعى الأكبر والأخطر والأخبث والألد الأعظم والأوحد.
ونسأل الله أن يبصّر عقولنا ويلهمنا رشدنا ويمن علينا بنعمة الفهم الصحيح لهذا السلام الذي لا نفهمه إلا استسلاماً يمليه علينا ويفرضه العدو الألد أمريكا الشيطان الأكبر ورئيسها المحترم باشا العالم وشاهنشاه الأمم بوش الحرب والدمار والبغي والعدوان.
أخواتي، إخواني! اسألوا الله السلامة من هذا السلام، فإنه يستجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وادعوه تعالى أن يمن عليكم بنعمة الفهم الصحيح والإدراك السليم، وإذا فهمتم وأدركتم فقولوا لبوش وبيكر والإدارة الأمريكية: أي سلام هذا الذي تتبنونه وتنعتونه بالجهود الجبارة والمساعي الحميدة؟! سلام من؟! ومع من؟! وبمن؟! 
السلام -أخواتي إخواني- بأبسط الأفهام وأبجديات المنطق وبدهيات الأمور، لا يكون إلا بين ندّين، وإلا فهو استسلام بإجماع الشرائع والأعراف والمذاهب!! وأين الندية الآن في هذا الزمان الذي سحقتنا فيه الهزائم، ومحقتنا فيه المؤامرات وطحنتنا فيه رحى الاستعمار القديم والجديد والمزمن الأجد؟! أين الندية في عصر طأطأ فيه الدب رأسه وانهار الاتحاد السوفياتي على يد "البروسترويكا" التي أتت عليه بالويل والوبال والتمزيق والنكال وحولته من دولة أعظم إلى دويلات أصغر وأحقر وأعقر وأدفع وأجوع وأعمى وأضل سبيلا.
خبروني يا قوم! أين الندية منا -نحن العرب- وقد ضرب العراق ودمرت بناه التحتية والفوقية والأمامية والخلفية والبرية والبحرية والجوية بحرب ظالمة غاشمة أمريكية أوروبية عربية فرضتها أمريكا وأملتها أوامر وقرارات على الشرعية الدولية التي ما زالت تحاصر العراق أرضاً وإنساناً وحيواناً ليموت العراق أرضاً وإنساناً شيوخاً وأطفالاً جوعاً وظمأً ووباءً بفضل الشرعية الدولية إرضاءً لأمريكا وتنفيذاً لأوامر الإدارة الأمريكية تحقيقاً للديمقراطية وانتصاراً للحرية وحماية للحقوق الإنسانية وانتقاماً من صدام حسين القائد العربي الأوحد الذي قال لأمريكا وحليفاتها و"إسرائيلها": لا، لا، لا... ولايزال صامداً أقوى من قيادة الاتحاد السوفياتي الأعظم والأسرع انهياراً وتمزقاً.
أين وأنّى تكون الندية -يا عرب- وقد مات العرب والعروبة بموت الثائر العربي الأول والأكبر الزعيم الخالد جمال عبدالناصر الذي زعزع الدنيا وأسقط التيجان وقضى على الاستعمار بتحرير الشعوب والأوطان، وقالها بصدق وإيمان: ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة؟!
فأين عبدالناصر ومصر عبدالناصر وأين أبطال الصمود العربي في سوريا وأحرار لبنان وثوار الجزائر؟! ففي أي مكان إذاً تكون الندية؟! ومع من؟! وممن؟! ولمن؟! وفي أي أرض يكون السلام؟!
لقد تجرعنا الهزائم في كل الميادين، ومنينا بأفدح الخسائر في كل ميدان، وخسرنا كل شيء، لكن هزائمنا وخسائرنا تهون علينا بالقياس إلى هزائم وخسائر الاتحاد السوفياتي التي حولته في بضع سنين وشهور معدودة من دولة أعظم إلى دولة أصغر وأحقر وأفقر!! إلا أننا سننتصر وكان حقاً على الله نصرنا، وأول النصر الفهم، وأول الفهم أن نفهم أولى الأبجديات:
1ـ أمريكا عدوتنا.. وما دامت أمريكا عدوتنا فلن تمنحنا السلام.
2ـ أمريكا "إسرائيل"، و"إسرائيل" أمريكا، فكلاهما عدو، ولا سلام مع كلا العدوين.
3ـ السلام لا يكون إلا بين ندّين وإلا فهو استسلام.
4ـ نرفض السلام ولا كلام، ونعتبر مؤتمر السلام آخر كماشة للاستسلام.
5ـ نرفض بالإجماع حضور ما يسمى مؤتمر السلام.
6ـ نترك أمريكا وشأنها تحكم العالم حتى يثور عليها العالم.
7ـ أقوى سلاحنا الوعي، وأول الوعي أن نلقن أطفالنا من المهد أن أمريكا عدوتنا.
8ـ أن ننشغل بشؤوننا، وأول ما نعمله التحرر من لقمة العيش التي نستوردها من أعدائنا فنزرع أرضنا للاكتفاء الذاتي.
وأخيراً نقول لبوش: إلعب ما شئت ومع من شئت وكيفما تشاء وفي أي مسرح تشاء، وكن أنت المعد والمخرج والسينارست والممثل والمشاهد أيضاً وعادِ شامير أو صادقه وادخل في مواجهة معه، فأنت البطل المنتصر وأنت المحارب والمضارب والمشاغب، وأجل أو عجل بضمانات القروض لـ"إسرائيل" بعشرة مليارات دولار أو مائة مليار دولار لإنفاقها في بناء المستوطنات لليهود والمهاجرين من الاتحاد السوفياتي المهاجر، ومن أنحاء العالم فنحن نعرف ونعترف بأنك الحليف الأول والأخير والنصير الكبير لـ"إسرائيل"، ولا فرق عندنا بين أن تعجل الضمانات أو تؤجلها، لأننا قد فهمنا وعرفنا اللعبة الجديدة مثلما عرفنا الألعاب القديمة، وأنت الغبي إذا كنت تظن إلى هذا الحد أننا أغبياء.
الطفل منا يعرف لعبتك الجديدة حينما تقول بكل بلاهة وسخافة إنك تطلب من الكونجرس تأجيل الضمانات لمدة أربعة أشهر حتى تضمن انعقاد مؤتمر السلام، أي أن تقول للكونجرس: دعونا نخدع هؤلاء البله "العرب" في أربعة أشهر ريثما يوقعون لنا على السلام بلا أرض ونبتاع بهم فلسطين وبهم نقفل ملف القضية الفلسطينية كي نسلم للـ"إسرائيليين" الأرض ومليارات الدولارات لبناء المستوطنات عليها بضمانات قروض وبلا ضمانات ولا قروض!! في الوقت الذي تستمر فيه "إسرائيل" في بناء المستوطنات الجديدة بمعونات أمريكية، ونشغل الفلسطينيين والعرب بمسرحيات المواجهة بيني -أنا الشاه جورج بوش- وبين صديقي الحميم شافيز في المعركة التي أسميتها تأجيل ضمانات القروض الدائرة رحاها في شوارع الكونجرس.
نعم، أيها الشاه جورج بوش، أراهن أنك ستكسب المعركة في مواجهتك التاريخية مع شافيز، كما كسبتها في الخليج وفي بنما، وأراهن أنك ستخدع العرب ليوقعوا لك ولشافيز على السلام الذي ستوقعهم به في مصيدة الاستسلام، لأنك قد كسبت الكثيرين من زعماء العرب من زمان، لأنك ماكر خدَّاع لا شريك لك، لأنك خدعت زعماء عرباً بالاشتراك معك في معركة تحرير الكويت "بلا حُمُّص" كما يقولون، بل لقد استطعت أن تكسب أكبر خدعة في التاريخ للقيادة السوفياتية التي مزقت بها الدولة الأعظم والأقوى: الاتحاد السوفياتي، بفضل البروسترويكا والجلاسنوست، انتقاماً لهزائم أمريكا التي منيت بها في الحرب العالمية الثانية، وكان أمرها الهزيمة المهينة في فيتنام!!
ولا شك أن السر في انتصاراتك المتلاحقة يعود إلى ديمقراطيتك وحريتك التي تبشر العالم بها كالمسيح، لتملأ بها الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً كالمهدي المنتظر، وستظل خداعاً ماكراً ولو مات الشعب العراقي بأسره جوعاً ببركات ديمقراطيتك، ولو أكلت شعوب الاتحاد السوفياتي المنهار الكلاب انتظاراً لمساعداتك الموعودة بشروط لا تتوفر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
يبقى أن نفهم -نحن كافة العرب وخاصةً الفلسطينيين- مشروع سلامك أنك وإدارتك وحليفك "إسرائيل" لم تعترفوا حتى الآن بفلسطين كشعب محتل ومشرد، ولا بحقه في تقرير مصيره، بل ولا بحقه في التمثيل الكامل والصحيح في المؤتمر المزعوم للسلام، في حين تستمر "إسرائيل" في إقامة المستوطنات بدعم أمريكي ومال أمريكي وتزود بأحدث وأقوى السلاح ومصانع السلاح! وهذا ما هو واضح وتفصح عنه أنت وبيكر وشامير وأجهزة إعلامكم!! وإذاً فلماذا المؤتمر؟! وبمن ومع من تريدون السلام؟! فإلى الذين فهموا اللعبة ورفضوا السلام، وإلى الذين فهموها واعتنقوها عمالة وخيانة، والذين لم يفهموها ولم يرفضوها، أقول لهم وأشهد الله: ارفضوا السلام والمشاركة في المؤتمر، واسألوا الله السلامة من هذا السلام.

نوفمبر 1991

أترك تعليقاً

التعليقات