الاختطاف السياسي كجريمة دونها سوابق
- موفق محادين الثلاثاء , 13 يـنـاير , 2026 الساعة 12:12:52 AM
- 0 تعليقات

د. موفق محادين / لا ميديا -
تقـارب جريمة الاختطاف السياسي التي نفذتها الإمبريالية الأمريكية بحق رئيس منتخب، هو رئيس فنزويلا الوطني الشجاع مادورو، كجريمة سياسية في القانون الدولي دونها سوابق في تاريخ المتروبولات الرأسمالية وفي مقدمتها واشنطن، وكذلك كجرس إنذار يهدد العالم كله ويستدعي العمل لفك أسر الرئيس المختطف والتضامن مع فنزويلا وحقها في الاستقلال وفك التبعية والسيادة على مواردها ضد استراتيجية النهب واللصوصية الأمريكية.
كما يشار إلى أن «قوات الدلتا» الخاصة المشكلة عام 1977 والتي نفذت هذه الجريمة، ضالعة في عمليات عديدة مماثلة، بينها عملية الرهائن في إيران 1980 والتي انتهت بمقتل عناصر القوة المذكورة.
الاختطاف السياسي، ظاهرة قديمة جديدة، استفحلت في الأزمنة الرأسمالية ولا سيما من قبل المخابرات الأطلسية، وعلى رأسها المخابرات الأمريكية، ومن المفهوم حتى لدى تيارات سياسية في قلب المنظومة الرأسمالية أن الاختطاف السياسي ينتمي إلى تقاليد المافيات والعصابات الإجرامية، خصوصا وأن هذه المنظومة طورت أقنعة أخرى لابتزاز العالم كله، من مزاعم حقوق الإنسان إلى الحصار السياسي والاقتصادي.
من تاريخ الاختطاف السياسي المذكور، اختطافات نفذت ضد رؤساء حكومات ودول، وأخرى ضد مناهضين لسياسات النهب واللصوصية الإمبريالية:
- من النمط الأول، نذكر اختطاف رئيس وزراء الكونغو، باتريس لومومبا، في مطلع شهر كانون الثاني (التوقيت نفسه لاختطاف مادورو)، ففي هذا الشهر من عام 1961 وبعد التفاف شعبي كبير حول لومومبا وانتخابه رئيسا لحكومة الكونغو، أصيبت الشركات الأمريكية والأوروبية في تلك البلاد بالذعر نظرا للتيار الذي يمثله لومومبا ويدعو للسيطرة الشعبية على الموارد الوطنية من المعادن النادرة وغيرها، فضلا عن الخوف من امتدادات تأثيرات البرنامج الوطني للتحرر إلى البلدان الإفريقية، والذي تزامن أيضا مع صعود الناصرية ودعوة عبدالناصر لاتحاد البلدان الإفريقية في هيئة مشتركة، على غرار الخط البوليفاري الذي أطلقه شافيز في فنزويلا وتواصل مع الرئيس مادورو.
لم تكتف الدوائر الأمريكية والأوروبية بالتآمر لإقصاء لومومبا واستبداله بعميلها، تشومبي، بل لجأت إلى اختطافه ومحاكمته بناء على تهم مزعومة ونفذت فيه حكم الإعدام، وقد شاركت في هذه العملية وحدات استخباراتية وعسكرية أوروبية وأمريكية بالتعاون مع عملاء محليين على رأسهم تشومبي (اعتقلته الجزائر لاحقا ومات في سجونها)، كما تمت تصفية كل المتورطين في عملية الاختطاف على يد مقاومين أفارقة.
بالتزامن مع تطورات اختطاف لومومبا واغتياله، قامت الدوائر الأمريكية والأوروبية بعملية غسيل لكل ما يحيط بتلك الظروف ومنها السقوط المفاجئ لطائرة سكرتير الأمم المتحدة، داغ همرشولد، عندما كان على رأس مهمة دولية لترتيب الأوضاع في الكونغو بأقل الخسائر الممكنة، وقد أقيمت لـ»لومومبا» عشرات المظاهر التكريمية في أفريقيا وغيرها، كما تم تأسيس جامعة باسمه في موسكو هي جامعة الشعوب.
- من النمط الثاني، الذي قامت به الدوائر الأطلسية والرجعية، هو اختطاف شخصيات وقيادات سياسية غير حكومية واغتيالهم، بينهم:
- اختطاف المفكر والسياسي المغربي العروبي الديمقراطي، المهدي بن بركة 1965، بعد استدراجه عن طريق صحفيين عملاء، من مدينة أوروبية حيث كان يعيش في المنفى إلى باريس، وقد جرى تقطيعه بالسكاكين وتذويبه بالأسيد، وكما انتهى قتلة لومومبا، كذلك تم تصفية قتلة المهدي بن بركة، وبينهم الجنرال أوفقير بعد اتهامه لاحقا بتدبير انقلاب ضد الملكية.
- اختطاف مؤسس وزعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان (آبو) بعد ملاحقته في عاصمة أفريقية ونقله إلى تركيا خلال حكم الجنرالات ولا يزال في السجن منذ اختطافه عام 1999، وكان أوجلان (تركي علوي) قد تبنى الاشتراكية ودعا الكرد في تركيا وكل المنطقة إلى مغادرة أوهام الأحزاب البرجوازية الكردية التي تقبل بالذوبان أو الحكم الذاتي، وتبنى استراتيجية العمل من أجل كردستان جديدة في إطار فيدرالية لكل شعوب المنطقة، وقد انخرط حزبه في عمليات المقاومة الفلسطينية جنوب لبنان ضد العدو الصهيوني وخاصة معركة الشقيف 1982، قبل أن يرتد هذا الحزب عن برنامجه السابق ويصبح جزءا من التحالفات الكردية مع الدوائر الغربية.
- اختطاف العديد من الناشطين
اليساريين الراديكاليين على يد الدوائر الأطلسية وإعدام بعضهم واعتقال آخرين، مثل الجماعات اليسارية الراديكالية في أوروبا واليابان (الجيش الأحمر) التي انخرطت أيضا في صفوف المقاومة الفلسطينية.
- عملية الاختطاف التي نفذتها المخابرات الفرنسية وتعرض لها المناضل اللاتيني الأممي، كارلوس، عندما كان مختفيا في السودان وقد جرت عملية الاختطاف بالتنسيق مع أوساط من الإسلام السياسي هناك، وكان كارلوس قد انخرط أيضا في صفوف المقاومة الفلسطينية.
- عمليات الاختطاف التي قام بها العدو الصهيوني للعديد من الكوادر الفلسطينية والعربية والعالمية التي انخرطت في الكفاح ضد العدو الصهيوني، ولا سيما العمليات التي نفذها العدو بإعدام المختطفين في العواصم التي اختطفوا منها، مثل قبرص وإيطاليا وإسبانيا.
- عمليات الاختطاف التي جرت في عواصم عربية ضد معارضين وطنيين، تم استدراجهم وتعذيبهم حتى الموت، كما حدث مع المعارض والمؤرخ، ناصر السعيد.
الاختطاف في القانون الدولي
إضافة إلى البعد الوطني والسياسي في صراع البوليفارية التحررية مع الإمبريالية الأمريكية، فإن عملية القرصنة واختطاف الرئيس مادورو، تتناقض تماما مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتعتبر في ضوء حيثياتها وسياقاتها وأهدافها الحقيقية المعلنة، جريمة بحسب المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة (ضد أي تهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول أو على وجه آخر)، وبالمثل أكثر من مادة في نظام المحكمة الجنائية الدولية، والقانون الدولي الإنساني، والمؤتمر الدولي للصليب الأحمر عام 1981.
ويؤكد الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام على المادة 8 من نظام روما حول انتهاك مبدأ الحصانة المعروفة للرؤساء الذي أكدته محكمة العدل الدولية.
إلى ذلك، تندرج جرائم الاختطاف السياسي بشكل أو بآخر في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، أيا كانت مواقعهم، وهي الاتفاقية التي أقرتها الجمعية العامة عام 2010 استنادا إلى قرار سابق 1992، وإلى ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والبروتوكولات الدولية، ومن المواد ذات الصلة في هذه الاتفاقية:
- من المادة 2، يقصد بالاختفاء القسري الاعتقال أو الحجز أو الاختطاف.
- من المادة 5، يعتبر الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية.
- من المادة 6، مرتكب هذه الجريمة، الرئيس الذي علم بأن أحد مرؤوسيه قد ارتكب أو كان على وشك ارتكاب مثل هذه الجريمة ولم يتخذ التدابير اللازمة للحيلولة دونها، كما جاء في المادة السابقة ألا يجوز التذرع بأي أمر أو تعليمات صادرة عن سلطة عامة أو مدنية أو عسكرية أو غيرها لتبرير هذه الجريمة.
- من المادة 7، تفرض كل دولة طرف، عقوبات ملائمة على الجريمة المذكورة.
- من المادة 8، تتخذ كل دولة طرف تطبق نظام التقادم بسبب الاختفاء القسري، التدابير اللازمة وعندما تكون الجريمة قد ارتكبت داخل الإقليم الذي يخضع لولايتها القضائية.
- من المادة 10، على كل دولة طرف يوجد في إقليمها شخص يشتبه في أنه ارتكب الجريمة المذكورة أن تكفل احتجازه واتخاذ التدابير القانونية بحقه.
- من المادة 13، اعتبار الجريمة المذكورة جريمة موجبة التسليم لمرتكبيها.
يتبين مما سبق ومن تعريف الاختفاء القسري ومن المظروف المحيطة به، أن اختطاف الرئيس مادورو جريمة دولية كاملة الأركان، وجريمة ضد الإنسانية، وجريمة ضد سيادة الدول وحصانة الرؤساء، ولا ذرائع لتبريرها، وضرورة اتخاذ عقوبات بحق مرتكبيها وتسلميهم للعدالة.










المصدر موفق محادين
زيارة جميع مقالات: موفق محادين