قسم التحقيقات / لا ميديا -
تتسع أزمة الغاز المنزلي في المحافظات المحتلة لدرجة أنها لم تعد مجرد اختناق عابر في محطات التعبئة، مثلما تبرر حكومة الفنادق، بل أزمة معيشية واسعة تمتد من حضرموت إلى عدن وإلى تعز، وتدفع المواطنين للوقوف ساعات في طوابير طويلة بحثاً عن أسطوانة بات الحصول عليها مهمة يومية شاقة، في وقت تتسع فيه أزمات الكهرباء والمياه والمرتبات والأسعار، وتتراجع القدرة الشرائية للأسر إلى مستويات غير مسبوقة.
عدن.. انهيار خدمي
وفي عدن، المدينة المنكوبة بشتى الأزمات، بلغت أزمة الغاز المنزلي مستوى يكشف حجم الانهيار الخدمي؛ إذ اضطر مواطنون إلى أداء صلاة الجمعة بجوار طوابير أسطوانات الغاز، بعدما استنزف البحث عن المادة الأساسية ساعات طويلة أمام محطات التعبئة.
تداعيات النقص وصلت إلى الأنشطة التجارية والخدمية، إذ شهدت المدينة، أمس، إغلاقاً لواحد من أشهر مقاهيها التاريخية، وهو «مقهى سكران» الشهير في كريتر، بسبب عجز مالكيه عن توفير الغاز حتى من السوق السوداء، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعاره.
ويعد «مقهى سكران» من أبرز المعالم الشعبية والتجارية في مديرية كريتر، ويقصده المئات يومياً، ويعتمد بشكل أساسي على الغاز في إعداد المشروبات والمأكولات، ما يجعل توقفه مؤشراً واضحاً إلى حجم التداعيات التي بدأت تطال القطاع التجاري والخدمي في المدينة، وأن الأزمة تجاوزت حدود المنزل لتطال دورة الحياة الاقتصادية نفسها، في حين تتحدث حكومة الفنادق عن مجرد اختناقات في الإمدادات، بينما يواجه المواطنون طوابير متزايدة وأسعاراً تتصاعد كلما شحت الكميات المتاحة.

 تكسُّب فندقي من الأزمة
وكان علي المسبحي، الخبير الاقتصادي النفطي، قد اتهم حكومة الفنادق بالتعامل مع ملف الغاز باعتباره مورداً مالياً يمكن استخدامه لسد عجز الموازنة، مشيراً إلى أن الأزمة ليست جديدة، وأن بالإمكان الحد منها عبر زيادة الإنتاج المحلي أو اللجوء إلى الاستيراد.
كما أشار إلى محاولة سابقة لرفع سعر أسطوانة الغاز إلى 12 ألف ريال في 20 آذار/ مارس الماضي، قبل التراجع عن ذلك تحت ضغط شعبي.
وبحسب المسبحي، فإن تقنين المعروض قد يدفع المواطنين تدريجياً إلى قبول الأسعار المرتفعة، باعتبارها أهون من الانتظار في الطوابير أو اللجوء إلى السوق السوداء، خصوصاً مع بلوغ سعر الأسطوانة في بعض المناطق مستويات تتجاوز قدرة غالبية الأسر على تحملها.

 احتجاجات واسعة في حضرموت
لا تبدو الأزمة في عدن منفصلة عن المشهد في بقية المحافظات المحتلة. ففي حضرموت، المحافظة، الغنية بمخزون مهم من ثروة البلاد النفطية، امتدت الاختناقات إلى ساحل المحافظة وواديها، وسط اضطراب في الإمدادات ونقص حاد في الكميات، قبل أن تتحول الأزمة إلى احتجاجات شعبية مباشرة.
ففي مدينة المكلا، خرج مواطنون إلى الشوارع حاملين أسطوانات الغاز الفارغة، وقطعوا طرقاً رئيسية احتجاجاً على انعدام المادة وتجاوز سعر الأسطوانة حاجز 25 ألف ريال. وعبّر المحتجون عن غضبهم من عجز السلطات المحلية وحكومة الفنادق عن معالجة الأزمة، مطالبين بإيجاد حل عاجل لانقطاع الإمدادات، في ظل تردي الوضع المعيشي وتأخر المرتبات وتفاقم أزمات الكهرباء والمياه.
واتساع الأزمة إلى حضرموت يُكسب الحالة دلالة إضافية، بالنظر إلى أن شركة الغاز في صافر أعلنت تخصيص أربع مقطورات فقط للمحافظة، بما يعادل نحو ستة آلاف برميل يومياً، من دون توضيح الأسباب التي تقف وراء هذا التقليص، الأمر الذي أثار مخاوف من اتساع الاختناق وتحوله إلى موجة احتجاجات أكبر.

 سلعة نادرة
وفي تعز تتكرر الصورة ذاتها؛ عشرات السيارات تصطف أمام محطات التعبئة بانتظار وصول الكميات المتأخرة، فيما يطالب المواطنون السلطات وشركة الغاز بالكشف عن أسباب النقص وتنظيم عملية التوزيع ومحاسبة المسؤولين عن أي اختلالات أو مخالفات تقف وراء الأزمة.
وبين محافظة وأخرى، تتشابه التفاصيل: شح في الإمدادات، طوابير طويلة، ارتفاع في الأسعار، سوق سوداء، وغياب واضح لحل مستدام، فيما تتحول مادة أساسية يفترض أن تكون متاحة بصورة منتظمة إلى سلعة نادرة تستنزف وقت المواطنين ودخلهم.

 على البركة
أمام اتساع الأزمة، خرج المرتزق محسن بن وهيط، المدير العام التنفيذي للشركة اليمنية للغاز بمأرب، أمس، في مؤتمر صحفي، بعد أشهر من الأزمة وتفاقمها، معترفاً بعدم امتلاك الشركة خطة طوارئ للتعامل مع أزمات الإنتاج.
وبرر بن وهيط ذلك بأن الإنتاج يُباع بصورة مباشرة، وأن إنشاء مخزون احتياطي يحتاج إلى ما سماها «توجيهات عليا» من حكومة الفنادق.
الأكثر إثارة للجدل هو إقرار المسؤول الفندقي بعدم وجود خطة طوارئ أو مخزون استراتيجي للتعامل مع توقفات الإنتاج، مبرراً ذلك بأن الغاز يباع بصورة مباشرة، وأن إنشاء مخزون احتياطي يحتاج إلى «توجيهات عليا» من «رئاسة الوزراء» و«مجلس القيادة».
وبحسب مراقبين يكشف هذا الإقرار جانباً جوهرياً من المشكلة: منظومة الإمداد التي تؤمّن مادة أساسية لملايين المواطنين تبدو رهينة استمرار الإنتاج اليومي من دون احتياطي كافٍ لمواجهة الأعطال والصيانة، بحيث يكفي توقف معمل واحد لتمتد طوابير النقص إلى مختلف المحافظات المحتلة.

 أزمات بعضها فوق بعض
هكذا تتراكم الأزمات على رؤوس المواطنين في المحافظات الجنوبية، من الكهرباء والمياه والمرتبات إلى الوقود والغاز وغلاء المعيشة، فيما تقف حكومة الفنادق وسلطات الارتزاق عاجزة عن تقديم حلول حقيقية، أو منشغلة بإدارة الأزمات بدلاً من معالجتها، تحت مظلة الاحتلال السعودي الذي يواصل إحكام قبضته على القرار والثروة ومقدرات البلاد.
فأزمة الغاز، بما أفرزته من طوابير واحتجاجات وارتفاع للأسعار وإغلاق للمنشآت، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأزمات التي يدفع المواطن ثمنها من قوته ووقته وكرامته، بينما تتوالى الوعود بانفراجات مؤجلة، وتبقى أبسط الاحتياجات رهينة لخلل في الإنتاج أو التوزيع أو قرار يأتي من خارج المحافظات.

 متى ينفد صبر الشارع؟!
السؤال الذي يفرض نفسه مع اتساع دائرة المعاناة ليس إلى متى ستستمر أزمة الغاز، وإنما إلى متى يستطيع الشارع أن يتحمل هذا القدر المتراكم من الأزمات؟! فحين يصبح الحصول على أسطوانة غاز معركة يومية، وتنقطع الكهرباء والمياه، وتتأخر المرتبات، وتتآكل القدرة على شراء الغذاء، فإن الغضب لا يبقى محصوراً في طوابير محطات التعبئة، وإنما يتراكم في النفوس والشارع.
وما لم تتوقف سياسة إغراق المواطنين في أزمات معيشية متلاحقة، فإن السؤال لن يكون عن موعد انفراج أزمة الغاز، وإنما عن اللحظة التي ينفد فيها صبر الشارع، ويتحول الغضب المتراكم إلى انفجار شعبي في وجه الاحتلال وحكومة الفنادق وسلطات الارتزاق.