شهرُ الانكشاف: «الصفقات» تُسقط أقنعةَ الإمبراطوريات!
علي عطروس
يا من تقرأ، إن كنت تظنّ أنّ ما يجري في هذا الصيف مجردَ أخبار متفرقة، فأنتَ -بكل بساطة- لم تفهم اللعبة بعد. ففي الشهر الذي يُفترض أن يكون موسمَ عطلاتٍ واستجمامٍ، انكشفت المنطقة على عورتها الحقيقية؛ ليست عورةَ الجيوش المهزومة فحسب، بل عورةَ الصفقات التي تُباع فيها الأوطان بالجملة، وعورةَ التحالفات التي تتهاوى عند أول اختبارٍ ميداني، وعورةَ «الذكاء» -الاصطناعي كان أو البشري- الذي يتحوّل إلى عميلٍ مسجّلٍ لدى وزارة العدل الأمريكية.
انظر حولك! البنتاغون-ذلك الوحش الذي ابتلع الخليج لعقود- يدرسُ اليوم، وفق «واشنطن بوست»، سحبَ قواته منه هرباً، بعدما دُمّرت 200 منشأة أمريكية واستُنزف ألف صاروخ باتريوت. والمهرّجُ الذي يجلس في البيت الأبيض، بدلاً من أن يُعلن الهزيمة، يخرج ليقول إن مضيق هرمز «سيصبح أرضاً أمريكية»، ثم يختبئ في شاحنة طعامٍ بتركيا، فاضطرّ مساعدوه للقول بأنه «كان يمزح»! لكنّ السرّ الذي يُخفيه المهرج خلف نكاته هو أن الجنود أنفسَهم الذين يموتون في البحرين، كانوا –وبينما يحترقون– يحرسون طريقاً لصفقات عائلة ترامب (500 مليار مع طهران، و200 مليار في العراق، و125 ملياراً في سورية)، بينما يتولى توم برّاك - صديق ترامب من أيام الغولف- إدارةَ عقود «هاليبرتون» التي اشترى فيها أولاد الرئيس أسهمَ عائلة ديك تشيني. الحربُ ليست عن النووي، إنها عن «العائلة»، وعن النفط، وعن تحويل البنتاغون إلى شركة عقارية ضخمة.
وفي الجنوب، تُقدّم صنعاء درساً مكثفاً في «الجغرافيا كسلاح». فدولةٌ بلا أسطولٍ بحري، وبلا مقاتلات «إف- 15»، وبلا ميزانيات تُذكر، تمكّنت - بصواريخها ومسيّراتها- من إغلاق باب المندب أمام الرياض (من 20 سفينة يومياً إلى سفينةٍ واحدة)، وإغلاق ينبُع (80٪ من نفط السعودية البديل). هذا هو الردع؛ ليس في البيانات، بل في الميدان. بينما في الشمال، كان «حلف مكة» (تركيا والسعودية وباكستان) يتباهى بـ«الدفاع الجماعي»، فأتت ثماني غاراتٍ «إسرائيلية» على مطار «أبو الظهور» (60 كيلومتراً من الحدود التركية) لتُسقط المدرجات، وتُسقط معها الوهم. فلم يُصدر الحلف بياناً واحداً، ولم تحرّك أنقرة ساكناً بعد أن قال لها نتنياهو: (Don؛t you dare)! بل اكتفت بـ«إبداء القلق»، فيما السعودية وباكستان صامتتان كالقبور. إنّه الفارق بين «المعادلات التي تُفرض بالنار» و«الاتفاقيات التي تُوقع بالحبر».
لكنّ الانكشاف لم يقتصر على الميدان. فقد كشف موقع «بوليتيكو» أنّ «إسرائيل» –عبر «هافاس ميديا» ووكالة «بيرو»- أطلقت حملةً سريةً لتسميم نماذج الذكاء الاصطناعي (تشات جي بي تي وبيربلكسيتي) بمحتوى صهيونيٍّ مُبيّضٍ حول غزة، عبر موقعٍ وهميٍّ يُدعى «معهد هانوفر»؛ أي أنّ الاحتلال لم يعد يحتاج إلى دباباتٍ ليحتلّ بيوتك؛ فقد احتلّ «السحابة» التي تفكّر بدلاً منك. وفي الوقت نفسه، يجلس إيتمار بن غفير -وزير أمن الاحتلال- في بودكاست ليقول حرفياً: «الفلسطينيون ليسوا بشراً، ينبغي قتل 30 إلى 40 شخصاً كل ليلة»، ويُجيب رهينته المُفرج عنه: «عيوني يا حبيبي، أوعدك أسمح لك تشنقهم». هذا، وفق القانون الدولي، هو تحريضٌ مباشرٌ على الإبادة الجماعية؛ لكنّ المحكمة الجنائية الدولية نائمة، وأوروبا صامتة، والبنتاغون مشغولٌ بتجنيد أوغندا وبوروندي والمغرب لـ«قوة استقرار» في غزة. والعرب كالعادة عليهم ليس فقط غسل الصحون بل والدقون.
وفي خضمّ هذا المشهد المهول، كانت الحكومة السعودية مشغولةً بشيءٍ أخطر من الغارات: تنقية مناهجها الدراسية. فحُذفت عبارة «المسلمون لن يتخلّوا عن القدس»، وحُذفت آية «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا»، واحتفى الإعلام الصهيوني (من «معاريف» إلى «i24») بهذه «الإصلاحات» التي تُعدّ جيلاً «أقل عداءً لإسرائيل». إذن، المعركة على جبهتين: الجبهة الأولى في الأقصى حيث يُقام الطقس التلمودي علانيةً بفضل بن غفير، والجبهة الثانية في الرياض حيث يُحذف القدس من الكتب كي لا يعرف الصغار أنّ لهم حقاً فيها. التطبيعُ ليس لقاءً دبلوماسياً؛ إنه عمليةُ نزعٍ جذريةٌ للهوية.
أما ترامب، فقد اكتفى بتعليقٍ واحدٍ على «اتفاقية مكة»: «واو!»... نعم، «واو»! هذه هي لغة العقارات التي يفهمها. لكنّ السؤال الذي يُلاحقنا في هذا العدد (216) هو: هل يكفي «واو» المهرج ليُحوّل حلفاً منهاراً إلى «ناتو إسلامي»؟! أم أنّ التاريخ -كما أثبتت «أبو الظهور» وينبُع والبحرين- سيبقى يُكرّر نفسه: إمبراطورياتٌ تفرضُ خرائطها بالدم، وعملاءٌ يُوقّعونها بالحبر، وشعوبٌ -في صنعاء وغزة وطهران– تُعيد رسمها بالنار؟!
في هذا العدد، نحاول -كالعادة- أن نقرأ ما بين السطور. فما يُعرض على أنه «سياسة» هو صفقة، وما يُعرض على أنه «ذكاء» هو تسميم، وما يُعرض على أنه «سلام» هو احتلالٌ متعدد الجنسيات بزيّ أوغندي. اقرأ، ولا تصدّق العناوين.




صنعاء تُحاصر «أرامكو» بلا أسطول ولا سفن ودونما بوارج

لو كانت القوة تُوزّع بالبيانات، لما احتاجت الرياض إلى عشر سنوات من الحرب على اليمن حتى تستوعب الحقيقة. إنّ القوة في هذا «الشرق الأوسط» المتهالك لا تُقاس بعدد الغارات الجوية أو حجم الميزانيات العسكرية، بل بقدرة الفاعل على فرض معادلات لا يستطيع خصمه تفكيكها، حتى لو امتلك أحدث الطائرات وأثقل الصواريخ.
من خلال «المرحلة الأولى» من التصعيد، والاستعداد للثانية، تنتهز صنعاء حاجة الرياض للفهم من جديد؛ فحوّلت «نقاط الاختناق» الجغرافية (باب المندب والبحر الأحمر وينبُع) إلى أسلحةٍ استراتيجيةٍ بحد ذاتها، من دون أن تمتلك سفينةً حربيةً واحدة، كما لاحظت «واشنطن بوست».
وهذا يعني أنّ «الحوثيين» -بصواريخهم ومسيّراتهم- لم يعودوا «وكلاء» إيران كما يصوّرهم الغرب، بل فاعلين استراتيجيين يمتلكون «الصبر الكافي للتحرك بناءً على مصالحهم الخاصة»، كما لاحظت الكاتبة إليز لابوت.
لقد انخفضت حركة الملاحة في باب المندب من 20 سفينة يومياً إلى سفينة واحدة، بينما أغلقت صواريخ صنعاء ومسيّراتها ميناء ينبُع، «بوليصة التأمين» السعودية التي يمرّ عبرها 80٪ من النفط البديل عن هرمز. 
والأكثر إذلالاً أن اليابان وكوريا الجنوبية رفضتا استلام شحنات الرياض عبر هذا الميناء، وأجبرتاها على خفض الأسعار إلى أدنى مستوى. صنعاء لم تضرب السفن فحسب، بل ضربت الثقة في الممر البديل، فحوّلت ينبُع من «ميناء آمن» إلى ميناء مغلق بقرار يمني، وأجبرت السعودية على التخفيض والتراجع.
هنا لا يقتصر الأمر على الحصار البحري، بل امتدّ إلى العمق البري السعودي وتفرعاته في اليمن: 9 هجمات موزّعة على ينبُع ونجران وجيزان وأبها، واستهداف منظومة نقل النفط من الشرقية إلى الغربية، و14 عملية ضدّ مراكز تحشيد في مأرب والمخا والوديعة.
فصنعاء، التي لا تملك مقاتلات «إف- 15» أو «تايفون»، تمكّنت من فرض منطقة «ممنوع الاقتراب» في أجوائها، وردّت على اختراقات التحالف باستهداف منشآت السعودية في العمق.
صنعاء لم تستنفد خياراتها بعد، بل ترفع السقف تدريجياً؛ فبعد أن بدأت مطالبةً بـتنفيذ بنود «خارطة الطريق»، انتقلت إلى مطالب جديدة: «إنهاء العدوان بشكل كلي، ورحيل الاحتلال بمختلف أشكاله، ووقف تمويل المليشيات الموالية للسعودية، وترك ثروات الشعب اليمني له».
لنقارن -بلا مبالغة- بين ما يجري في الجنوب (اليمن) وما يجري في الشمال (سورية). ففي الوقت الذي كان فيه «حلف مكة» (تركيا، السعودية، باكستان) يتباهى بـ«الدفاع الجماعي»، كانت «إسرائيل» تقصف مطاراً تركياً في عمق سورية (أبو الظهور) دون أن يحرّك الحلف ساكناً. أما صنعاء فقد فرضت حصاراً بحرياً على السعودية، وأغلقت ينبُع، وضربت أرامكو، وأجبرت دولاً آسيوية على رفض النفط السعودي... كل ذلك بـ«قوة بحرية لا تملك أسطولاً»!
وفي الوقت الذي كان يتباهى فيه بن سلمان بـ«التصوير الرقمي الباذخ»، كانت صنعاء، 'تشتغل' على إمكانياتها، محولة الخريطة إلى سلاح، والحصار إلى فن، والردع إلى واقع. الدرس: من يملك الميدان يملك القرار، ومن يكتفِ بالاتفاقيات المُعلّقة على جدران القصور يكتفِ بالحبر على الورق.
وكما قالت أبريل لونغلي آلي (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى): «إنهم يعلمون أن لديهم ورقة رابحة، لذا سيحاولون معرفة ما يمكنهم الحصول عليه».
إنّ «الورقة الرابحة» هذه ليست في الصواريخ الباليستية، ولا في المسيّرات، بل في القدرة على تحويل «الضعف الظاهر» إلى «قوة فاعلة». فصنعاء لم تنتظر «إذن» مجلس الأمن لتحاصر السعودية، ولم تنتظر «ضوءاً أخضر» من طهران لتضرب ينبع. هذا هو الفارق بين «التحالفات التي تُوقّع على الطاولات» و«المعادلات التي تُفرَض في الميدان»: الأولى حبرٌ على ورق، والثانية نارٌ في البحر.



«صفقــــة القـــــرن» العائليـــــة!

في لحظة يأسٍ سياسي، أعلن ترامب أن هرمز «سيصبح أرضاً أمريكية»، ثم اختبأ في شاحنة طعامٍ بتركيا هرباً من صواريخ إيران، فاضطر مسؤولٌ في البيت الأبيض للتبرير بالقول إنه «كان يمزح». لكنّ الحرب –التي دخلت شهرها السادس– لم تكن يوماً كما روج لها المجرمان عن النووي، بل كانت تتعلق بالصفقة. 
إنها –ككل حروب أمريكا– على الصفقة، على النفط، على العقود، على «العائلة» التي تحوّل البنتاغون إلى شركة عقارية ضخمة، والجندي الأمريكي إلى مجرد «تكلفة تشغيلية» في معادلة ربحٍ خاسرة... الصفقة التي تعري ترامب أكثر، والذي ما يزال يتحدث عن «النصر الحاسم»، بينما يدرس البنتاغون -وفق «واشنطن بوست»- سحب قواته من الخليج بعد تدمير 200 منشأة أمريكية واستنزاف 1000 صاروخ باتريوت و«ثاد»، فيما البحارة في البحرين يعيشون جحيماً لوجستياً. الكذبة الأولى تتكشف: أمريكا تفكر في الفرار، لا لأنها تريد السلام، بل لأنها انهزمت.
حسناً، ولماذا لم تسقط إيران؟! هذا هو السؤال الذي يُرعب واشنطن و«تل أبيب». تقدّم الأستاذة رويا إيزادي (جامعة رود آيلاند)، في مقالٍ نشره موقع «غود أوتوريتي» (ترجمته منصة «180»)، إجابةً علميةً تُفنّد فيها البروباغندا الأمريكية القائمة على افتراض أن إيران «نظامٌ شخصيٌ هش» يمكن إسقاطه بـ«قطع الرأس».
تقول إيزادي إن الجمهورية الإسلامية «وُلدت من رحم ثورة شعبية تاريخية، لا من انقلابٍ عسكري». هذا يعني أنها تمتلك «مؤسسات وشبكات وقوات عسكرية تتمتع بقدرة على الصمود وامتصاص الخسائر الاستثنائية أكبر مما يفترضه كثيرون». فالنظام الإيراني -على خلاف عراق صدام أو ليبيا القذافي– لا يعتمد على «زعيمٍ واحد»، بل على شبكةٍ معقدة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والهيئات المنتخبة، والفصائل السياسية المتنافسة، والنخبة الدينية، وجهازٍ بيروقراطيٍ واسع. ولهذا، فإن مقتل المرشد الأعلى علي الخامنئي، في أواخر شباط/ فبراير، لم يُسقط النظام، بل زاده تماسكاً.
وتشير استطلاعات الرأي الميدانية - حتى تلك التي تستخدم منهجية «القائمة المضمنة» للحدّ من الرقابة– إلى أن ما بين 47٪ و57٪ من الإيرانيين يؤيدون نظام الجمهورية الإسلامية. هذا يفسر ظاهرة «الالتفاف حول العلم» (Rally Around the Flag) التي تُجربها أمريكا في كل حربٍ تخوضها، لكنها ترفض الاعتراف بها عند خصومها.
أما على المستوى العسكري، فإن ثقافة الشهادة، المتجذرة في الذاكرة الشيعية لكربلاء، والمحوّلة إلى «تجربة معيشية» في الحرب العراقية-الإيرانية، منحت القوات المسلحة الإيرانية «قدرةً مرتفعةً على تحمّل الخسائر والأثمان». باختصار: إيران ليست دولة يمكن قصفها بالصواريخ، بل هي مشروعٌ مؤسسيٌ ثوري يمتلك إرادةً للبقاء تفوق حسابات البنتاغون.
وبينما كان ترامب يتباهى بـ«مذكرة فرساي» في حزيران/ يونيو، كان الحرس الثوري يُعيد هيكلة قياداته ويُوسّع الحرب إلى البحر الأحمر. وهنا نصل إلى لبّ القصة؛ فبينما كان الجندي الأمريكي يموت في البحرين، ويُدمر البنتاغون في الخليج، كان توم برّاك –الموفد الأمريكي الخاص إلى سورية والعراق، وصديق ترامب من أيام ملاعب الغولف في «مارالاغو»- يقود مفاوضات سرية في الدوحة مع الإيرانيين!
وفق تحقيقٍ نشرته «الأخبار» اللبنانية بقلم رئيس التحرير إبراهيم الأمين (20/8/2026)، لم يكن برّاك يبحث عن السلام، بل عن «صفقات تجارية كبيرة». فقد حضرت شركتا «شيفرون» و«أكسون موبيل» إلى المفاوضات، وكذلك «بوينغ» التي أعدّت عقداً لتزويد إيران بأسطول طائرات مدنية. ووصل الحديث إلى استثماراتٍ تصل قيمتها إلى 500 مليار دولار لتطوير حقول النفط والغاز الإيرانية!
ولكن عندما تعثّر المسار السياسي، بسبب تمسك إيران بشروطها، عاد برّاك ليركّز على العراق وسورية. فقد وقّع اتفاقيات بالأحرف الأولى لـ«صفقات كبرى» تصل إلى 200 مليار دولار في العراق، و125 ملياراً في سورية. وتم اختيار 174 شركة أمريكية للعمل في البلدين، تشمل «كونوكو فيليبس» (40٪ من حقل كركوك)، و«شيفرون» (حقول غرب القرنة)، و«هاليبرتون» (التي كان نائب الرئيس السابق ديك تشيني يملك حصةً فيها، واتضح أن المشتري الجديد لأسهم عائلته هو، مجموعة تعود ملكيتها لأولاد ترامب!).
ولضمان هذه الصفقات، يعمل برّاك -بتنسيقٍ مع «الفريق العائلي» (دونالد الابن، إريك، بارون، وصهره جاريد كوشنر)- على إنشاء شركة أمنية خاصة تسمى «سند» في سورية، تابعة للقصر الجمهوري «الجولاني»، لتشرف على عقود الحماية مع شركاتٍ أمريكية مثل «كونستليس» (الوارثة لـ«أكاديمي»/بلاكووتر سابقاً).
الحرب التي ينزف فيها الجنود دماً وهزيمة، تربحها العائلة صفقةً فأخرى. وكما قال أوباما، كل هذا كان لإيقاف سلاح نووي غير موجود، ولفتح مضيق لم يكن مغلقاً. أما عباس عراقجي فأجاب على روبيو، الذي اتهم طهران بانتهاك القانون الدولي (أرجوكم لا تقهقهوا) بسؤالٍ واحد: أين كان القانون الدولي عندما قصفت أمريكا مدرسة الأطفال في ميناب؟!
باختصار: الحرب التي خسرها الجنود الأمريكيون بدمائهم، تربحها عائلة ترامب بالدولارات. والجندي الذي يموت في البحرين، لا يموت دفاعاً عن أمريكا، بل ليفتح الطريق لأنابيب النفط العراقية إلى المتوسط، ولحقول كركوك، ولصفقات «بيوينغ» و«شيفرون»!
إنّ ما يجري ليس «حرباً على الإرهاب» أو «حرباً على النووي». إنه الصراع الأزلي بين إمبراطوريةٍ تريد النفط بثمن دماء الجنود، وبين شعوبٍ ترفض أن تكون مجرد «حفر نفط» في خريطة ترامب العقارية. وفي هذه المعركة، لم يعد العالم يُصدّق المهرج الذي يهرب في شاحنة الطعام، ثم يُعلن أن مضيقاً يبعد آلاف الأميال عن بلاده «أرضاً أمريكية»، ثم يقول إنه «كان يمزح».




«حلف مكة» يكتفي بـإبداء القلق أمام «تل أبيب» 

لو كان للبيانات أجنحة، لحمت مطار «أبو الظهور» السوري من تلقي ثماني غارات «إسرائيلية»، أو لحلّقت فوق سماء المطار، وردّت علــــــــــى الطائرات المعتدية بـ«بيان شديد اللهجة» على الأقل!
لكنّ «اتفاقية مكة» -التي يتباهى بن سلمان وأردوغان بقيادتها- بقيت في أدراج السفارات، كما بقيت المدرجات تحت الأنقاض. فالغارات على مطارٍ يبعد 60 كيلومتراً عن الحدود التركية، لم تكن مجرد رسالة إلى دمشق، بل امتحاناً قاسياً لجدية الحلف الثلاثي. تقول رواية نتنياهو -التي نقلتها وسائل إعلام صهيونية- إن سورية «كانت على وشك خرق الوضع القائم» عبر السماح لقوات تركية بالتمركز في القاعدة. وهذا «الوضع القائم» بفرمان «إسرائيلي» يقضي بأن تبقى سورية محميةً جويةً خالصةً للكيان، وأن يُمنع على دمشق وأنقرة امتلاك أي رادار أو دفاع جوي قد «يُقيّد حركة الطيران الإسرائيلي»، كما أشارالمعلق العسكري «الإسرائيلي» رون بن يشاي.
ويكشف «أكسيوس» أن الهدف كان ردع تركيا عن إرسال منظومات متطورة إلى المطار، وأن ترامب تحدث مع أردوغان قبل الهجوم بثلاث ساعات. أي أن الضربة كانت «تنسيقاً» مسبقاً، لا مفاجأة. وجاء الردّ بياناً تركياً نفى وجود قواته فحسب، دون أن ينفي «الوضع القائم» نفسه. أما السعودية وباكستان فلم تُصدرا حتى شجباً مشتركاً، وكأن الضربة وقعت في المريخ. 
وبعد أن انتهـــــت الطائـــــــرات «الإسرائيليــة» من «عملها»، وغادرت الأجواء السوريــة من جهة لبنان بعد ساعة من التحليق، جاء الردّ. لكنّه لم يأتِ من صواريخ تركية أو مقاتلات سعودية أو دفاعات باكستانية. جاء على شكل:
- بيان تركي نفى وجود قوات تركية في المطار، ووصف الادعاءات «الإسرائيلية» بأنها «ذرائع غير مقبولة». لاحظوا! لم تنفِ أنقرة وجود «الوضع القائم» نفسه، بل نفَتْ خرقه فقط! أي أنها –ضمنياً– تقبل بالسقف «الإسرائيلي»، وتكتفي بـ«عدم تجاوزه»، لا بتحديه.
- بيان سوري أدان العدوان وطالب المجتمع الدولي بالإدانة. وهو بيان تقليدي لا يخرج عن نمط «الشجب والاستنكار» الذي لم يوقف غارةً واحدة منذ سقوط الأسد.
هنا يتجلى التهكّم الساخر. فقد بات واضحاً للعيان –لا للخبير– أن «اتفاقية مكة»، التي يُقال إنها تستهدف «إنشاء توازن أوسع للقوى» و«رفع كلفة التوسع العسكري الإسرائيلي» (وفق تحليل «فايننشال تايمز»)، هي في الواقع مجرد «إطار رمزي» فارغ من المضمون العملي. فالصحيفة البريطانية نفسها -التي لا تشكّك عادة في جدوى التحالفات الغربية– اعترفت بأن «من غير المرجح أن تسرع تركيا أو باكستان إلى خوض حرب مع إيران دفاعاً عن السعودية»، وأن الاتفاق «لن يردع الهجمات الإيرانية أو «الحوثية»، وأن «الولايات المتحدة ستظل الشريك الدفاعي الرئيسي للعالم العربي».
وبالتطبيق العملي على سورية، إذا كانت تركيا -العضو في «الناتو» وصاحبة الجيش الثاني في الحلف- عاجزة عن حماية مدرج طائرات على بعد 60 كيلومتراً من حدودها، فكيف يُعقل أنها ستسارع لحماية حلفاءٍ في الخليج أو باكستان؟! وإذا كانت أنقرة تتلقى «إذناً ضمنياً» من واشنطن قبل الضربة، وتكتفي بعدها بالنفي والمتابعة بالقلق، فما قيمة «الدفاع الجماعي» الذي تتباهى به؟!
لقد أثبتت غارات «أبو الظهور» -بما لا يدع مجالاً للشك- أن القوة في الشرق الأوسط لا تُقاس بعدد مذكرات التفاهم، ولا بحرارة الصور التي يتبادلها القادة، ولا بـ«اللجان السياسية-العسكرية الاستراتيجية الدائمة»، بل تُقاس بمن يملك «الأوتوستراد الجوي» المفتوح فوق سماء الجيران. 
ومع ذلك، يخرج علينا منظّرو «القوة الصاعدة» ليشرحوا كيف أن زيارة أردوغان المحتملة إلى سورية- حيث يُتوقع أن يصلي في الجامع الأموي- ستكون «رسالة رمزية» إلى «إسرائيل» بأن «بعد الشام، سيكون الطريق إلى القدس سالكاً»! لكنّ الحقيقة أن الطريق إلى القدس –في الميدان لا في الخطاب– يمرّ عبر مدرجات «أبو الظهور» المحطمة، لا عبر الزيارات الرمزية، وأن «الفاتح» الذي لا يستطيع حماية مطارٍ على بعد رمية حجر من حدوده، لن يكون قادراً –لا اليوم ولا يوم القيامة– على حماية حلفائه وراء البحار.
إنّ ما جرى في «أبو الظهور» ليس مجرد «عدوان جوي» على موقع عسكري، بل هو اختبارٌ لحدود «النفوذ التركي» في سورية، واختبارٌ لجدية «التحالفات الإقليمية» التي يُروّج لها. وقد نجحت «إسرائيل» في الاختبار بامتياز؛ فهي فرضت قواعد اشتباك جديدة، ومنعت أي تموضع تركي دائم، وحافظت على «الوضع القائم» الذي يمنحها حرية الحركة الكاملة في الأجواء السورية. أما «حلف مكة» فقد رسب في الامتحان الأول؛ فمن لم يحمِ ما تحت نافذته، لن يحميَ ما وراء الأفق.
وفيما كان نتنياهو يقول لأردوغان «تجرؤا؟!» (Don.t you dare)، اكتفى الأخير باتصالٍ هاتفيٍ مع ترامب، ولا ندري ما الذي تحدث به الرجلان، لكن ما يعلمه الجميع أن أردوغان لم يجرؤ!



«جي بي تي» عميل أحمق و«كلاود» قوادٌ سيبراني

لو كنت تظنّ أنّ «تشات جي بي تي» صديقك المحايد، فأنت -ببساطة- ضحية. فقد كشف موقع «بوليتيكو» الأمريكي (في تقرير استند إلى وثائق قُدّمت لوزارة العدل بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب) أنّ «إسرائيل» أطلقت حملةً سريةً لتسميم نماذج اللغة الكبيرة، ومنها «تشات جي بي تي» و«بيربلكسيتي»، بمحتوى صهيونيٍّ مُبيّضٍ حول غزة و«جيش الدفاع».
الأداة: شركة العلاقات العامة الفرنسية «هافاس ميديا»، التي استعانت بوكالة «بيرو» لإنشاء موقعٍ وهميٍّ يحمل اسم «معهد هانوفر للسياسات العامة». والمهمة: نشر أكثر من اثنتي عشرة «دراسة بيانات» بلا توقيع، صياغتها مُحسّنة لالتقاطها من قِبل محركات البحث والذكاء الاصطناعي. فتجد الآلة وهي تجيبك، بكل براءةٍ مُصطنعة: «هل جيش الدفاع الإسرائيلي الجيش الأكثر أخلاقية في العالم؟» نعم، وفق «معهد هانوفر»!
والأكثر إيلاماً أنّ الشركة الناشئة «ريز» (من سياتل)، التي بنت الموقع، تُعرّف نفسها بأنها تُساعد عملاءها على «الظهور ضمن توصيات نماذج الذكاء الاصطناعي»؛ أي أنّ الأمر ليس «تضليلاً عرضياً»، بل هندسةٌ مؤسسيةٌ للتضليل. وسبق لـ«هافاس» أن استعانت ببراد بارسكيل (مدير حملة ترامب السابق) في حملةٍ «إسرائيلية» بقيمة 46.5 مليون دولار، هدفها -حرفياً- «تشكيل الأطر التي تقدمها نماذج جي بي تي».
وفي الوقت الذي يُراقب فيه العالم «كائنات فضائيةً» وهميةً (وفق ضابط الاستخبارات الأمريكي ديفيد غروش الذي زعم أن ديك تشيني أشرف على احتجاز فضائيين، بينما نفى مكتب (AARO) التابع للبنتاغون كل هذه الروايات)، تُصيبنا الكائنات الصهيونية بشكلٍ فعليٍّ في عقولنا الرقمية. فالذكاء الاصطناعي، الذي صنعته شركاتٌ كـ«أنثروبيك» (التي يقودها داريو أمودي، وزوجته كامي كلارك التي حاولت عام 2012 الحصول على تمويلٍ من جيفري إبستين لمشروعٍ إباحيٍّ موجّهٍ للنساء)، لم يعد «ذكياً»، بل أصبح «عميلاً». وعندما سُئل «كلود» (برنامج أنثروبيك) عن زوجة رئيسه، أجاب: «لا أعرف شيئاً عنها»، ولم يعرف حتى أنه متزوّج بها. إنّهم لا يحتاجون إلى احتلال بيوتك بعد الآن، فقد احتلوا «السحابة» التي تفكّر بدلاً منك.