عادل بشر / لا ميديا -
رفع مزارعو القمح بمحافظة الجوف، اعتصامهم الثالث من أمام مبنى وزارة الزراعة والري والثروة السمكية في صنعاء، بعد أن تسلموا بقية مستحقاتهم المالية المتأخرة عن محصول الموسم الزراعي 2025/2026م، غير أن المشهد الذي انتهى بمغادرة الأرصفة، لم يعنِ، بالنسبة للبعض منهم، نهاية المشكلة. فالقضية التي بدأت بمطالب مالية، تحولت مع مرور الوقت إلى أزمة ثقة بين المنتجين والجهات الحكومية المختصة، ورغم أن المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب تؤكد أنها أوفت في النهاية بالتزاماتها وسددت جميع المستحقات، إلا أن بعض المزارعين يشددون على أن استمرارهم في زراعة القمح خلال المواسم المقبلة سيظل مرهوناً بوجود معالجات حقيقية تضمن عدم تكرار الأزمة التي وصفوها بأنها استنزفت أموالهم وأربكت خططهم الزراعية.
وأفاد (لا) عدد من المزارعين أن الاعتصام انفض وغادروا رصيف الوزارة بعد صرف بقية المستحقات، لتنتهي الأزمة المالية التي ألقت بظلالها على آلاف الأسر العاملة في زراعة القمح، وأثرت بصورة مباشرة على استعدادات الموسم الزراعي القادم.
وكان الاعتصام الأخير، الذي نُفذ في مُنتصف تموز/ يوليو الجاري، هو الثالث خلال أسابيع قليلة، بعد اعتصامين سابقين في حزيران/ يونيو الماضي، بدأ أولهما داخل حوش المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، فيما أقيم الثاني أمام مبنى وزارة الزراعة.
وفي ذلك الوقت، وافق المزارعون على تعليق اعتصامهم الثاني بعد تلقيهم تعهداً رسمياً من قيادة وزارة الزراعة بصرف بقية مستحقاتهم خلال أسبوعين، غير أن المهلة انقضت دون تنفيذ الوعد، ما دفعهم إلى العودة مجدداً إلى الشارع.
الأموال عادت والثقة غابت
ورغم انتهاء الملف المالي، إلا أن حالة من الحذر وعدم الاطمئنان ما تزال تخيم على عدد من المزارعين، خصوصاً أصحاب المزارع الاستثمارية الذين ضخوا خلال السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة في استصلاح الأراضي، وإنشاء شبكات الري المحوري، وحفر الآبار، استجابة لدعوات القيادة الثورية والسياسية الرامية إلى توسيع إنتاج القمح وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وصولاً لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وقال عدد منهم لـ(لا): «إن ما جرى هذا الموسم والذي سبقه من تأخير في صرف المستحقات، كشف عن اختلالات إدارية ومالية تتكرر من موسم إلى آخر، الأمر الذي يجعل استمرار الاستثمار في هذا القطاع محفوفاً بالمخاطر، ما لم تُتخذ إجراءات جذرية تمنع تكرار المشكلة».
وفيما أكد بعض المزارعين إصابتهم بما وصفوه بـ»الإحباط» وهو ما أثر على اندفاعهم الكبير في النهوض بثورة القمح، فقد أبدى آخرون عزوفهم عن الاستمرار في زراعة المحصول كلياً إذا استمرت السياسات التي وصفوها بـ»الطاردة للاستثمار الزراعي»، معتبرين أن المشروع الوطني للاكتفاء الذاتي لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا بقي المنتجون يواجهون في نهاية كل موسم معركة جديدة للحصول على قيمة محاصيلهم، بخلاف عدم التسويق المناسب للمنتج وبما يُلبي الطلب المحلي عليه.
ويرى هؤلاء أن المطلوب اليوم لا يقتصر على دفع المستحقات بعد أشهر من الانتظار، وإنما بناء منظومة تضمن انتظام عمليات الشراء والصرف والتسويق، وتوفر للمزارع رؤية واضحة تمكنه من التخطيط للموسم التالي دون أن يبقى رهينة للديون أو انتظار القروض أو التسهيلات المصرفية.
كما طالبوا الجهات المختصة بتحمل مسؤوليتها الكاملة في إدارة هذا القطاع الحيوي، والعمل على إزالة الاختلالات التي تتكرر موسماً بعد آخر، ووضع خطة استراتيجية واضحة لدعم المنتجين، وتشجيع المستثمرين الزراعيين، بما يعزز الأمن الغذائي والسيادة الغذائية.
مؤسسة الحبوب: الظروف الاقتصادية وراء التأخير
وخلال إعداد التحقيق الذي نشرته (لا) في 12 تموز/ يوليو الجاري، حاولت الصحيفة الحصول على رد المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب على الاتهامات والملاحظات التي طرحها المزارعون، غير أن المدير التنفيذي للمؤسسة، المهندس صلاح المشرقي، اعتذر آنذاك عن الإدلاء بأي تصريحات، مبرراً ذلك بانشغاله في البحث عن سيولة مالية تمكن المؤسسة من دفع بقية مستحقات المزارعين.
وبعد إعلان المزارعين انتهاء الأزمة وتسلمهم جميع مستحقاتهم، أعادت الصحيفة التواصل مع المشرقي بهدف استكمال جميع جوانب القضية، حيث أكد المهندس صلاح المشرقي، في رده على أسئلة (لا)، أن المؤسسة أوفت بجميع التزاماتها تجاه المزارعين، وأن ملف المستحقات أُغلق بالكامل بعد سداد جميع المبالغ المستحقة.
وأوضح المشرقي أن إجمالي قيمة القمح الذي اشترته المؤسسة من المزارعين وأصحاب المزارع الاستثمارية خلال الموسم الزراعي 2025/2026م بلغ نحو 3.7 مليار ريال، مشيراً إلى أن المؤسسة بدأت قبل عيد الأضحى المبارك بصرف مستحقات صغار المزارعين، فيما تأخر صرف مستحقات كبار المستثمرين بسبب صعوبة توفير السيولة النقدية.
وأضاف أن المؤسسة تمكنت قبل نحو أسبوع من الحصول على قرض بقيمة 1.5 مليار ريال، وهو ما مكنها من استكمال عملية الصرف وإنهاء ملف المستحقات بصورة نهائية.
ونفى المهندس المشرقي وجود أي عرقلة متعمدة أو مماطلة مقصودة في صرف مستحقات المزارعين، مرجعاً التأخير إلى الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وأفاد بأن المؤسسة كانت تبذل جهوداً متواصلة لتأمين التمويل اللازم، وأنها ظلت طوال فترة الأزمة تطمئن المزارعين وتؤكد لهم أن حقوقهم ستصل فور توفير السيولة، لافتاً إلى أن قيادة وزارة الزراعة، رفعت القضية إلى المستويات العليا في الدولة، وهو ما أسهم في التوصل إلى التمويل اللازم واستكمال عملية السداد.
60 ألف طن ووعود بمعالجة جذور المشكلة
وأوضح المدير التنفيذي للمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب أن إجمالي الإنتاج من القمح في الجوف خلال الموسم الأخير بلغ نحو 60 ألف طن، أي ما يعادل حوالي مليوناً ومائتي ألف كيس.
وقال إن المؤسسة اشترت ما يقارب 252 ألف كيس عبر الجمعيات الزراعية والمنسقين في مختلف مديريات الجوف، إضافة إلى مديرية مجزر بمحافظة مأرب، فيما تم شراء بقية الإنتاج من قبل تجار الحبوب في عدد من المحافظات، بينما احتفظ بعض المزارعين بجزء من إنتاجهم لاستهلاك أسرهم وشركائهم.
وحول المخاوف التي أبداها بعض المزارعين بشأن عزوفهم عن زراعة القمح مستقبلاً، أقر المشرقي بأن تأخر صرف المستحقات تسبب في حالة من الإحباط، خصوصاً لدى المزارعين الذين تحملوا ديوناً كبيرة لتغطية تكاليف الزراعة، مؤكداً أن المؤسسة تتفهم هذه المخاوف.
وقال إن «المؤسسة قدمت اعتذارها للمزارعين أكثر من مرة عن تأخر الصرف، وإنها تعمل منذ الآن، بالتنسيق مع الجهات المعنية، على وضع حلول مالية وإدارية تحول دون تكرار المشكلة في الموسم المقبل»، مضيفاً بأن «هناك رؤية شاملة للموسم الزراعي القادم جرى إعدادها ومناقشتها مع الجهات المختصة، وتتضمن معالجة أبرز الصعوبات التي واجهت المؤسسة خلال الموسمين الأخيرين»، معرباً عن ثقته بأن الموسم القادم لن يشهد الأزمة ذاتها.
كما نفى المشرقي في تصريحه لـ(لا) ما تردد عن تكديس القمح في مخازن المؤسسة دون تسويقه، موضحاً أن الكميات التي يتم شراؤها تخضع أولاً لعمليات الغربلة والتعبئة وإعادة الوزن، قبل البدء في تسويقها.
وأشار إلى أن المؤسسة تخاطب بصورة مستمرة كبار مستوردي القمح لشراء المنتج المحلي، لكنها تواجه أحياناً بطئاً في استجابة بعض التجار، رغم أنه يتم في نهاية المطاف بيع الكميات على دفعات متتالية، لافتاً إلى أن التنسيق جار حالياً لتسويق محصول الموسم الأخير.
منظومة اكتفاء
ورغم انتهاء أزمة المستحقات، يرى خبراء زراعة واقتصاد أن القضية كشفت عن تحد يتجاوز صرف الأموال، ويتعلق بمدى قدرة المؤسسات المعنية على ترسيخ الثقة لدى المنتجين، وأن الاكتفاء الذاتي يقاس بوجود منظومة قادرة على حماية المنتج المحلي، وتسويق إنتاجه والوفاء بالتزاماتها في الوقت المناسب، ولذلك، فإن نجاح الموسم القادم يرتكز على قدرة الجهات المختصة على تحويل الوعود التي قُدمت للمزارعين إلى إجراءات عملية تمنع تكرار الأزمة، وتعيد إلى المستثمرين الثقة بأن من يزرع اليوم لن يضطر غداً إلى الاعتصام من أجل الحصول على قيمة محصوله.