تقرير / لا ميديا -
مع دخول العدوان على إيران يومه الـ143، وتحديداً في اليوم الـ34 من توقيع مذكرة التفاهم المتهاوية بين واشنطن وطهران، تحول المسرح الإقليمي إلى ساحة استنزاف مفتوحة تترنح فيها الهيبة الأمريكية، تحت ضربات متواصلة ومدروسة تنفذها القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري.
وأعلن الجيش الإيراني والحرس الثوري، أمس عن سلسلة من الضربات المركزة التي ضربت العمق اللوجستي والاستخباري لجيش الاحتلال الأمريكي في المنطقة ورداً على اعتداءاته المتكررة على إيران.
وأطلقت القوة الجوفضائية للحرس الثوري، ضمن الموجة الرابعة والعشرين من عملية «النصر 2»، صواريخ كروز دقيقة دمرت البنية التحتية المركزية للبيانات التابعة لشركة «أمازون» الأمريكية في البحرين، والتي تُعد الشريان الرقمي للعمليات العسكرية والاستخبارية الأمريكية، وذلك رداً على العدوان الأمريكي الذي استهدف المنشآت المدنية وتلك التي قيد الإنشاء في منطقة «دارخوين».
وجاء هذا الاستهداف التكنولوجي بالتوازي مع شن الجيش الإيراني هجوماً بطائرات مسيرة طال مقراً عسكرياً أمريكياً آخر في البحرين.
وفي الإطار ذاته، نجح مقاتلو القوة الجوفضائية في إكمال الهجمات المركزة على رادارات العدو، بعدما أجهز هجوم صاروخي دقيق على منظومة رادار للدفاع الصاروخي وطائرة مقاتلة من طراز (F-15) داخل ملجئها في قاعدة أمريكية بالأردن، في خطوة تمهيدية لتعمية أعين واشنطن عن أي صواريخ قادمة.
وامتدت الهجمات الإيرانية لتطال  منظومات «هيمارس» الصاروخية الأمريكية في قاعدة «عريفجان» بالكويت بصواريخ أرض -أرض، مما أدى إلى شل قدرة العدو الهجومية وتدمير قدراته الدفاعية المتمركزة هناك.
يضاف إلى ذلك الهجمات المركزة بطائرات مسيرة وصواريخ طالت قاعدتي «أحمد الجابر» و»علي السالم» الجويتين في الكويت، مستهدفة رادارات الإنذار المبكر، ومظلة دفاعات «باتريوت»، ومنظومات الاتصال عبر الأقمار الصناعية، فضلاً عن تدمير حظائر طائرات (MQ-9) المسيرة، لتكتمل بذلك لوحة الردع الإيراني الشامل عبر كافة المسارح العسكرية بالمنطقة.

تُوقف حركة الطاقة العالمية
على صعيد الملاحة البحرية والأمن المائي، ثبتت الجمهورية الإسلامية سيطرتها الكاملة والتامة على مضيق هرمز، محولة الممر المائي الاستراتيجي إلى الورقة الأكثر ضغطاً وحسماً في وجه التحالف الغربي.
وبحسب مصادر عسكرية وإعلامية رسمية، رفعت القوات البحرية للحرس الثوري والجيش الإيراني درجات الجاهزية القصوى؛ إذ أعلن الحرس الثوري في بيانه رقم (34) التعامل الحازم مع أية خروقات لأمن المضيق، وهو ما تجلى في الانفجار والحرائق الواسعة التي طالت ناقلتي نفط حاولتا عبور المسار الجنوبي الخطر بالاعتماد على «معلومات مضللة» توهمت القوات الأمريكية قدرتها على توفير الحماية لها.
وأكدت القيادة الإيرانية أنه «ما دامت الأعمال العدائية الأمريكية مستمرة، فإن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً»، معتبرة أن أي فتح للمضيق سينطلق حتماً من الاعتبارات الأمنية والمصالح الوطنية الإيرانية حصراً، ومحملة العدو الأمريكي مسؤولية أي اضطراب في حركة الملاحة. وفي السياق أنقذت طواقم الإنقاذ الإيرانية عمليات إغاثة إنسانية لإخلاء بحارة الناقلات المشتعلة، فيما تقف عشرات السفن والناقلات على جانبي المضيق تنتظر الإذن والضوء الأخضر من السلطات الإيرانية للعبور، مما يعكس بوضوح من يمسك بزمام القوة والقرار في الخليج.

 تخبط واشنطن بشهادة الغرب
أمام هذه المطرقة الإيرانية النارية، تتكشف حقيقة العجز والارتباك داخل أروقة الإدارة الأمريكية التي باتت تعيش حالة من التخبط الاستراتيجي المشهود، تتجلى في التناقض الواضح بين التصريحات الميدانية للبنتاغون والواقع الصادم على الأرض.
فقد اضطر شون بارنيل، المتحدث باسم وزارة الحرب الأمريكية، إلى الإقرار بارتفاع حصيلة المصابين في صفوف القوات الأمريكية إلى 427 عسكرياً منذ بدء الحرب، من بينهم 100 عسكري أصيبوا مؤخراً في الهجمات المتفرقة التي شنتها الجمهورية الإسلامية على القواعد الأمريكية بالمنطقة. ورغم محاولات بارنيل التخفيف من وطأة هذه الأرقام بادعائه أن معظم الإصابات كانت طفيفة وأن غالبية الجنود عادوا إلى الخدمة، إلا أن النزيف المتصاعد في العنصر البشري الأمريكي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك حجم الضغط العسكري الذي تتلقاه قوات الاحتلال في القواعد الممتدة من الكويت إلى الأردن والبحرين.
هذا المأزق الميداني انعكس بصورة مباشرة على الدوائر السياسية والاستخبارية في واشنطن، وهو ما كشفه الدبلوماسي الأمريكي السابق آلان آير، الذي أكد أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تواجه حالة عميقة من الارتباك وتفتقر إلى استراتيجية متماسكة للخروج من الأزمة المعقدة مع طهران. وأوضح آير أن واشنطن أثبتت عدم اهتمامها بـ»الدبلوماسية الحقيقية»، واعتمدت بدلاً من ذلك على فئة من المستشارين المقربين الذين يفتقرون إلى الخبرة الكافية، مما أدى إلى تعميق حالة انعدام الثقة المتبادلة وجعل التوصل إلى أي حلول سياسية أمراً غاية في الصعوبة.
وفي التحليل ذاته، أشار الكاتب جدعون راتشمان في مقال له بجريدة «فايننشال تايمز» إلى أن النقاش داخل الدوائر الأمنية الأمريكية شهد تراجعاً لافتاً؛ حيث غاب الحديث تماماً عن تحقيق «حسم عسكري شامل» ضد إيران، ليحل محله التركيز على أهداف ضيقة ومحاطة بالشكوك، كإعادة فتح مضيق هرمز وفرض قيود على البرنامج النووي الإيراني كما كان الحال في عهد أوباما، في وقت تبدو فيه طهران متمسكة بفرض شروطها ورسومها السيادية على حركة الملاحة.
ويحذر المقال التحليلي من أن الولايات المتحدة غير مستعدة إطلاقاً للدخول في عملية برية واسعة لفتح المضيق بالقوة، لكونها تتطلب مئات الآلاف من الجنود وفترات زمنية طويلة لا تملكها واشنطن، خاصة مع خطورة تنامي القدرات الصاروخية الإيرانية وفي مجال الطائرات المسيرة، قد يمنح طهران قدرات إضافية لتهديد أهداف استراتيجية كبرى مثل مفاعل «ديمونة» «الإسرائيلي» وقاعدة «دييغو غارسيا».

الوسطاء يطرقون أبواب طهران
وفي ظل هذا التداعي والاستنزاف الأمريكي الحاد، تسعى أطراف إقليمية لاحتواء الأزمة؛ إذ كشفت وكالة «إيسنا» عن مقترح مشترك تقدمت به باكستان وقطر يدعو طهران وواشنطن إلى العودة لموقفيهما السابقين قبل 9 تموز/ يوليو كتمهيد لاستئناف المفاوضات. غير أن هذه المساعي تظل معلقة بمدى قدرة واشنطن على استيعاب الدروس الميدانية؛ حيث أثبتت الأيام الـ143 من الحرب أن مقاليد المبادرة بخلط الأوراق وإدارة دفتها قد آلت بالكامل للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأن أمان القواعد الأمريكية وعودة تدفق النفط عبر هرمز سيبقيان رهناً بوقف كامل للعدوان على إيران وتلبية المطالب المشروعة للشعب الإيراني.