وعود «الاكتفاء» تصطدم بواقع الحقول.. مزارعو فول الصويا في تهامة يشكون تأخر استلام المحصول والمماطلة في دفع مستحقاتهم
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
تحقيق: عادل بشر / لا ميديا -
لم يكن مزارعو فول الصويا في سهل تهامة يتوقعون أن يتحول موسم الحصاد إلى موسم انتظار. فبعد أشهر من العمل في الأرض، وجد عدد منهم أنفسهم أمام أكياس من المحصول يقولون إنها بقيت مكدسة منذ شهر رمضان، بينما ظلت بقية مستحقاتهم المالية معلقة، في مشهد يرون أنه بدد الآمال التي علقوها على واحد من مشاريع التوسع الزراعي ضمن التوجه الوطني لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ففي الوقت الذي كانت فيه الجهات الرسمية تحتفي بزراعة وإكثار بذور فول الصويا بوصفها «تجربة وطنية واعدة لتقليص فاتورة الاستيراد، وتوفير البذور المحلية، وتعزيز الأمن الغذائي»، خرج مزارعون في محافظة الحديدة عبر مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، يشكون من تأخر استلام محصولهم، وعدم صرف بقية مستحقاتهم. محذرين من أن استمرار بقاء البذور في الحقول يهدد بتراجع جودتها، ويكبدهم خسائر إضافية، ويقوض ثقتهم بالمشروع.
صحيفة (لا) تابعت تلك الشكاوى، وطرحتها على المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، وجمعية باجل التعاونية الزراعية، اللتين قدمتا رواية مختلفة حول حقيقة ما يجري، وحملتا جزءاً كبيراً من المسؤولية لـ«اختلالات ميدانية صاحبت تنفيذ المشروع».
لم يكن مزارعو فول الصويا في سهل تهامة يتوقعون أن يتحول موسم الحصاد إلى موسم انتظار. فبعد أشهر من العمل في الأرض، وجد عدد منهم أنفسهم أمام أكياس من المحصول يقولون إنها بقيت مكدسة منذ شهر رمضان، بينما ظلت بقية مستحقاتهم المالية معلقة، في مشهد يرون أنه بدد الآمال التي علقوها على واحد من مشاريع التوسع الزراعي ضمن التوجه الوطني لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ففي الوقت الذي كانت فيه الجهات الرسمية تحتفي بزراعة وإكثار بذور فول الصويا بوصفها «تجربة وطنية واعدة لتقليص فاتورة الاستيراد، وتوفير البذور المحلية، وتعزيز الأمن الغذائي»، خرج مزارعون في محافظة الحديدة عبر مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، يشكون من تأخر استلام محصولهم، وعدم صرف بقية مستحقاتهم. محذرين من أن استمرار بقاء البذور في الحقول يهدد بتراجع جودتها، ويكبدهم خسائر إضافية، ويقوض ثقتهم بالمشروع.
صحيفة (لا) تابعت تلك الشكاوى، وطرحتها على المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، وجمعية باجل التعاونية الزراعية، اللتين قدمتا رواية مختلفة حول حقيقة ما يجري، وحملتا جزءاً كبيراً من المسؤولية لـ»اختلالات ميدانية صاحبت تنفيذ المشروع».
مشروع استراتيجي
بدأ مشروع إكثار بذور فول الصويا في مديرية باجل بمحافظة الحديدة أواخر عام 2025، ضمن برنامج وطني تقوده المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، بالتعاون مع جمعية باجل التعاونية الزراعية، بهدف توطين إنتاج بذور فول الصويا محلياً، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتوفير محصول يدخل في صناعة الزيوت النباتية والأعلاف.
وشمل المشروع توزيع مئات الأكياس من البذور على المزارعين، إلى جانب توفير عدد من المدخلات الزراعية، على أمل تأسيس قاعدة إنتاج محلية لمحصول ظل لعقود يعتمد بصورة شبه كاملة على الأسواق الخارجية.
وعند تدشين موسم الحصاد في منتصف شباط/ فبراير الماضي، أعلنت المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب أن المساحة المزروعة بلغت نحو 1350 هكتاراً، مع توقعات بإنتاج يصل إلى 3200 طن من بذور فول الصويا، وهي كمية قالت إنها ستغطي نحو 65 في المائة من احتياجات البلاد من بذور الموسم الزراعي التالي، تمهيداً للتوسع في زراعة عشرات الآلاف من الهكتارات خلال المواسم المقبلة.
وفي ذلك الوقت، قُدمت التجربة باعتبارها نموذجاً عملياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتقليص فاتورة الاستيراد التي تصل -وفق بيانات المؤسسة- إلى نحو 200 ألف طن من فول الصويا سنوياً، وبقيمة تقارب 160 مليون دولار.
لكن بعد أشهر فقط من إطلاق تلك الوعود، ظهرت شكاوى ميدانية تعكس جانباً آخر من المشهد.
محصول يرقد في الحقول
في مقاطع فيديو تداولها ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر عدد من مزارعي فول الصويا في محافظة الحديدة وهم يشكون من بقاء محصولهم في الحقول منذ شهر رمضان الفائت، مؤكدين أن المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، وجمعية باجل التعاونية الزراعية، لم تنزلا لاستلام الكميات المنتجة، رغم مرور عدة أشهر على انتهاء الحصاد.
وقال أحد المزارعين إنهم استجابوا للدعوات الرسمية للتوسع في زراعة المحصول، وتحملوا تكاليف الزراعة والري والحصاد، على أمل أن تتولى الجهات المنفذة للمشروع شراء الإنتاج فور الانتهاء من الموسم، غير أنهم فوجئوا بتأخر عملية الاستلام.
وأضاف: «منطقة تهامة معروفة بحرارتها ورطوبتها، وكلما بقي المحصول في الحقول أو في مخازن المزارعين، تتغير ألوان البذور وتتراجع جودتها، ومع ذلك لم يأت أحد لاستلامها».
وأكد عدد من المزارعين أن جزءاً من مستحقاتهم المالية ما يزال معلقاً حتى الآن، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أوضاعهم المعيشية. وقال أحدهم إن كثيراً من المزارعين اقترضوا لشراء مستلزمات الإنتاج، وكانوا يراهنون على بيع المحصول مباشرة بعد الحصاد لسداد ديونهم، لكن استمرار التأخير أدخلهم في أزمات مالية متفاقمة.
ويضيف: «المزارع اليوم لا يفكر في الاكتفاء الذاتي ولا في التوسع بالزراعة، وإنما في الحصول على مستحقاته حتى يسدد ما عليه من ديون».
استبداد
ويؤكد عدد من المزارعين أن معاناتهم بدأت منذ المراحل الأولى للموسم الزراعي، إذ يرون أن البذور التي زُودوا بها لم تكن ملائمة لبيئة تهامة، وهو ما انعكس -وفق روايتهم- على حجم الإنتاج في كثير من الحقول.
كما يشكون من اشتراط إعادة تنقية بعض الكميات أكثر من مرة قبل قبول استلامها، مؤكدين أن إعادة تنظيف الكيس الواحد تكلفهم ما يقارب 20 ألف ريال، وهي أعباء إضافية لم تكن ضمن حساباتهم عند دخول المشروع.
ويصف أحد المزارعين ما يحدث بأنه «استبداد يتعرض له المُزارع»، مضيفاً أن استمرار هذه الإشكالات قد يدفع كثيرين إلى العزوف عن زراعة فول الصويا في المواسم المقبلة، رغم قناعتهم بأهمية المحصول.
ولوح عدد من المزارعين بالتصعيد إذا لم تُعالج القضية بصورة عاجلة، مؤكدين أن مطلبهم لا يتجاوز استلام المحصول وصرف مستحقاتهم المالية.
جمعية باجل: ٩٠% من إجمالي الإنتاج تم استلامه
صحيفة (لا) نقلت شكاوي المُزارعين وطرحتها على الجهات المنفذة للمشروع (المؤسسة العامة لإنتاج وتنمية الحبوب، وجمعية باجل)، وكانت البداية مع جمعية باجل التعاونية الزراعية، التي نفت أن تكون عملية استلام محصول فول الصويا قد توقفت كما يردد بعض المزارعين، مؤكدة أن عمليات التوريد ما تزال مستمرة، وأن ما يقارب 90 في المائة من إجمالي الإنتاج قد نُقل بالفعل إلى المخازن.
وقال رئيس الجمعية، عادل سام، لـ(لا) إن الكميات المتبقية تقتصر على محاصيل ما تزال في مرحلة الحصاد أو التجفيف، أو تحتاج إلى استكمال عمليات التنقية لتصبح مطابقة للمواصفات الفنية المطلوبة. مؤكداً أن عدداً ممن ظهروا في مقاطع الفيديو، خلال الأيام القليلة الماضية، قد تم استلام محاصيلهم بالفعل.
وبحسب سام، بلغت الكميات التي تم توريدها حتى أمس الأول (الأحد) نحو 450 طناً، بما يعادل قرابة 8500 كيس زنة خمسين كيلوغراماً، فيما لا تزال عمليات الاستلام مستمرة مع استمرار الحصاد في بعض المواقع.
وفيما يتعلق بمستحقات المزارعين، يوضح رئيس الجمعية أن مسؤولية توفير المبالغ المالية لا تقع على عاتق الجمعية، وإنما على المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب.
وقال: «الكرة الآن في ملعب المؤسسة، فهي من تقوم بالمتابعة لدى البنك واتخاذ إجراءات الصرف، وكل شيء يتعلق بالمستحقات المالية». مشيراً إلى أن الجمعية وبمجرد أن يتم تعزيز المبلغ في حساباتها، فإنها تباشر فوراً بصرف المستحقات للمزارعين.
ويضيف: «نحن الآن نطالب ونخاطب المؤسسة بالإسراع في توفير ما تبقى من مستحقات المزارعين، وسبق أن رفعنا أكثر من مذكرة إلى مؤسسة الحبوب وقيادة وزارة الزراعة للمطالبة بسرعة استكمال التعزيزات المالية».
وفي جانب آخر، يعزو رئيس جمعية باجل تفاوت الإنتاجية بين الحقول إلى اختلاف مدى التزام المزارعين بالتوصيات الفنية. معتبراً أن من التزموا بالإرشادات الزراعية حققوا إنتاجية أعلى، بينما تأثر إنتاج آخرين بسبب أخطاء في الإرشاد الزراعي.
وحول ما تقدمه الجمعية للمُزارعين، قال عادل سام: «لدينا عقد مع مؤسسة الحبوب بأن نوفر للمزارعين المدخلات الزراعية التي يحتاجونها بحسب طلب المزارعين أنفسهم، وأثناء الحصاد يتم استقطاع قيمة تلك المدخلات».
مؤسسة الحبوب: اختلالات ميدانية عطلت جزءاً من المشروع
من جهتها، تؤكد المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب أن عملية جمع محصول بذور فول الصويا لم تتوقف، لكنها واجهت صعوبات ميدانية نتيجة اتساع الرقعة الزراعية وتوزع المزارعين على عدد من مديريات تهامة.
وقال لـ(لا) مدير مشروع إكثار البذور بالمؤسسة، الدكتور مطهر الخيشني، إن مشروع إكثار بذور فول الصويا شمل نحو 350 مزارعاً موزعين على مديريات باجل والزهرة واللحية والصليف وعبس وزبيد ومناطق أخرى، وهو ما فرض على الفرق الخاصة بالجمع التنقل بين مناطق متباعدة، أحياناً لاستلام كميات محدودة من بعض المزارعين.
وأوضح الخيشني أن المؤسسة استكملت استلام معظم المحصول داخل مديرية باجل، وأن الحالات المتبقية تتركز في مناطق تأخر فيها الحصاد أو في مواقع واجهت عملية الجمع فيها معوقات ميدانية.
وفي تفسيره لانخفاض إنتاجية بعض الحقول، ينفي الخيشني أن تكون المشكلة في البذور نفسها، مرجعاً ذلك إلى عدم التزام بعض المزارعين بالتوصيات الفنية الخاصة بكميات البذور والأسمدة، الأمر الذي انعكس على مستوى الإنتاج.
كما حمل جانباً من تلك الاختلالات لمرشد زراعي شارك في توزيع البذور خارج الآلية التي وضعتها المؤسسة، وقال إن ذلك أدى إلى تشتت المساحات المزروعة، وإرباك عمليات الإرشاد وجمع المحصول. متهماً ذلك المُرشد بالتأثير على عدد من المزارعين في مناطق خارج مديرية باجل، وإقناعهم بعدم تسليم محصولهم لمؤسسة الحبوب، وهو ما تسبب في إتلاف أكثر من ألفي كيس عبوة 50 كيلوجراماً، وهي رواية لم تتمكن صحيفة (لا) من الحصول على تعليق بشأنها من المرشد الزراعي إياه.
وفيما يتعلق بمستحقات المزارعين، أوضح الخيشني أن المؤسسة تشتري الكيلوغرام الواحد من بذور فول الصويا بسعر 1700 ريال، أي ما يعادل 85 ألف ريال للكيس زنة خمسين كيلوغراماً.
وأشار إلى أن إجمالي قيمة المحصول الذي اشترته المؤسسة يقارب مليار ريال، وأن معظم هذه المبالغ صُرفت بالفعل، بينما لا تتجاوز المستحقات المتبقية للمزارعين الذين استُلمت محاصيلهم ما بين 30 و40 مليون ريال.
أما المحاصيل التي ما تزال قيد الاستلام، فتقدر قيمتها بنحو 150 مليون ريال، مؤكداً استمرار العمل على استكمال جمعها وصرف مستحقاتها.
أرقام تثير التساؤلات
وبينما أكد مدير مشروع إكثار البذور في المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب أن المشروع حقق قفزة كبيرة مقارنة بالموسم الماضي، إذ ارتفع الإنتاج من نحو 1500 كيس إلى ما يقارب 15 ألف كيس خلال الموسم الحالي، فإن مقارنة هذه الأرقام بما أعلنته المؤسسة نفسها عند تدشين موسم الحصاد تفتح باباً للتساؤل.
ففي شباط/ فبراير الماضي، خلال تدشين حصاد محصول بذور فول الصويا للموسم الزراعي 2025/2026م، أعلنت المؤسسة أن المساحة المزروعة بلغت 1350 هكتاراً، وأن الإنتاج المتوقع يصل إلى 3200 طن، في حين تشير البيانات الحالية التي أوردها مطهر الخيشني إلى أن إجمالي الإنتاج بلغ نحو 15 ألف كيس، أي ما يعادل قرابة 750 طناً فقط، وهو فارق كبير بين الإنتاج المتوقع والإنتاج المعلن لاحقاً.
كما تشير بيانات المؤسسة إلى أن احتياج البلاد من بذور فول الصويا للموسم القادم يقدر بنحو 4000 كيس فقط، مقابل إنتاج يبلغ نحو 15 ألف كيس، وهو ما يعني وجود فائض كبير تعول المؤسسة على تسويقه لشركات ومصانع تعمل في إنتاج الزيوت والأعلاف. وعند سؤال (لا) مدير مشروع إكثار البذور في المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، حول الخطوات التي اتخذتها المؤسسة في هذا الصدد، قال إن «إحدى الشركات المحلية قد أبدت موافقتها على التعاقد معها لاستخلاص زيت فول الصويا».
بين نجاح المشروع وثقة المزارعين
ما تكشفه هذه القضية -وفقاً لخبراء زراعة واقتصاد- هو أن نجاح مشاريع التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية لا يقاس فقط بحجم المساحات المزروعة أو كميات الإنتاج المعلنة، وإنما بقدرتها على بناء علاقة ثقة مستقرة مع المزارع، تبدأ بتوفير المدخلات والإرشاد الفني، وتمر بسرعة استلام المحصول، وتنتهي بصرف المستحقات في مواعيدها وتسويق المحصول وتطوير زراعته في المواسم القادمة.
فالمزارع الذي استجاب لدعوات التوسع في زراعة محصول استراتيجي، ينتظر أن تكتمل جميع حلقات المشروع، بكفاءة واقتدار، لأن أي خلل في التسويق أو التمويل أو الإرشاد أو التخطيط قد يتحول إلى عامل إحباط ينعكس على استعداد المزارعين لخوض التجربة مرة أخرى.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا