تقرير / لا ميديا -
على امتداد عشرة كيلومترات غصّت بجمر الغضب ورايات الثأر القانية، تحولت العاصمة الإيرانية طهران، أمس الاثنين، إلى محيط بشري هادر لم تشهده البشرية في تاريخها الحديث، إذ زحف الملايين منذ ساعات الفجر الأولى إلى شارع وساحة «آزادي» في قلب العاصمة، لتشييع الجثمان الطاهر لقائد الأمة الإيرانية ومهندس انتصاراتها، الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي.
وانطلق الموكب الجنائزي الأسطوري من ساحة الإمام الحسين وصولاً إلى ساحة آزادي، في مشهد ملحمي مهيب وضمن برنامج التشييع الممتد لستة أيام.
وأعلن قائد حرس الثورة في طهران، العميد أحمد ذو القدر حسن زادة، أنه نظراً للكثافة المليونية التي جعلت الحركة مستحيلة في شوارع العاصمة، فقد تم نقل نعش قائد الثورة في نهاية المراسم عبر مروحية عسكرية لتحلّق به فوق مسار التشييع وتلقي النظرة الأخيرة على الملايين، قبل أن يُختتم المشهد عند الساعة الخامسة مساءً لنقل الجثامين الطاهرة إلى مدينة قم المقدسة لتشييع اليوم الثلاثاء.
هذا المشهد الإعجازي وثقته الصحافة الدولية بالذهول؛ إذ أكدت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أن ما بين 12 و15 مليون شخص حضروا جنازة آية الله الخامنئي في طهران وحدهم حتى الآن، ما يجعلها رسمياً أكبر جنازة في التاريخ الحديث.
وبدورها، نقلت وسائل إعلام غربية أن تدفق الحشود تواصل بكثافة غير مسبوقة، واصفةً المشاهد بأنها «هائلة وفوق القدرة على الاستيعاب».
ومن منصة التشييع، أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محمد باقر ذو القدر، أن المراقبين الأذكياء لمسوا اليوم ولادة معادلة استراتيجية جديدة تشكّلت في طهران، مؤكداً أن زحف الملايين بالأعلام الحمراء وهتافات القصاص يمثّل رسالة صريحة وقاطعة من الشعب الإيراني إلى أعداء هذا الوطن بأن خيار المقاومة قد تجذر كعقيدة وجودية لا تراجع عنها.

اعترافات صهيونية: «إسرائيل» خرجت أكثر هشاشة
في مقابل الطوفان البشري في طهران، ضربت الصدمة والاعترافات بالفشل أركان كيان الاحتلال الصهيوني؛ فقد كشف الكاتب الصهيوني البارز بن كاسبيت، في مقال استراتيجي نشره موقع «المونيتور» الأمريكي، عن إقرار واسع وموجع بين المسؤولين والخبراء الأمنيين في الكيان بارتكاب أخطاء استراتيجية فادحة وقاتلة خلال العدوان على إيران والمرحلة التي أعقبتها.
وأوضح كاسبيت أن العديد من المسؤولين في المؤسسة الأمنية يعتقدون جازمين أن «إسرائيل» خرجت من هذه المواجهة في وضع استراتيجي أضعف وأكثر هشاشة بكثير مما كانت عليه قبل اندلاعها، على المستويين السياسي والدبلوماسي، مرجعاً هذا الفشل الذريع إلى انتقال الاهتمام الدبلوماسي الدولي بالكامل من ملف البرنامج النووي الإيراني وصواريخ طهران الباليستية إلى قضية فرض السيادة الإيرانية المطلقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يُعد بحسب التقييم الصهيوني خسارة وإخفاقاً استراتيجياً وتاريخياً غير مسبوق أدى إلى تعقيد كافة جبهات القتال حول الكيان.
وتوقف بن كاسبيت عند تهافت الرواية الرسمية للاحتلال، معتبراً أن تصريحات رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو التي زعم فيها كذباً أن إيران كانت تمتلك أسلحة نووية، لم تكن سوى محاولة يائسة ومفضوحة لتزوير الوقائع وإثارة مخاوف الشارع الصهيوني قبيل الانتخابات لتبرير الفشل الدبلوماسي والعسكري.
ونقل الكاتب عن مصدر دبلوماسي صهيوني رفيع المستوى توقعه بأن يكثف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطه على نتنياهو لإجباره على سحب قوات الاحتلال المنكسرة من جنوب لبنان ضمن تفاهمات تلهث واشنطن للوصول إليها مع طهران، في حال تحقق تقدم فعلي في المحادثات، مبيناً أن نتنياهو بات يعيد صياغة خطابه حول البرنامج النووي فقط لتبرير الهزيمة أمام أنصاره.

بزشكيان وقاليباف إلى العراق
وامتداداً للملحمة التي تتعانق فيها الساحات وتتكامل فيها الجبهات، يتوجه رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مسعود بزشكيان، اليوم الثلاثاء، إلى العاصمة العراقية بغداد، على رأس وفد رسمي رفيع يضم رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، والنجل الأكبر للقائد الشهيد، لحضور مراسم التشييع الكبرى والوداع الخاص المرتقب في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة يوم الأربعاء 8 تموز/ يوليو؛ إذ يستعد الحشد الشعبي والعتبات المقدسة لاستقبال النعش الشريف بمشاركة ملايين المحبين والمقاومين لزيارة العتبتين العلوية والحسينية.
وتأتي هذه المحطة الاستراتيجية في العراق بعد استكمال مراسم الوداع الشعبي والعزاء اليوم الثلاثاء في مدينة قم المقدسة وانطلاق موكبها من مسجد جمكران، ليعود الجثمان الطاهر لاحقاً إلى إيران يوم الخميس 9 يوليو/ تموز، ليوارى الثرى في مسقط رأسه بمدينة مشهد المقدسة، بجوار مرقد الإمام علي الرضا.
وأكدت السلطات الإيرانية الاستنفار والجاهزية القصوى لكافة قواتها المسلحة من أجل تأمين كافة مراحل العزاء، مشددة على أن هذا الالتحام بين القيادة الإيرانية ومحور المقاومة في اليمن ولبنان والعراق وفلسطين يثبت للعالم أجمع أن بنود التفاهمات لم يكتبها الحبر، بل صاغها رصاص وعزم المجاهدين في الميدان.