عادل بشر / لا ميديا -
تحولت معركة جنوب لبنان إلى ساحة اختبار قاسية تكشف حدود التفوق العسكري الصهيوني، مع استخدام حزب الله المسيرات الانقضاضية، خصوصاً الـ «FPV»،  المرتبطة بالألياف الضوئية، التي فرضت واقعاً ميدانياً مربكاً للاحتلال، وأدخلت قواته في حالة استنزاف يومي، وسط اعتراف «إسرائيلي» بالعجز التام أمام تلك المسيَّرات، وصعوبة التعامل معها، في ظل الخسائر الكبيرة بين صفوف جنود الاحتلال وآلياتهم العسكرية.
كُبريات وسائل الإعلام العبرية، أفردت، أمس، مساحات واسعة للإرباك الحاصل داخل المؤسسة العسكرية للاحتلال، التي ترتفع أصوات مراسليها يومياً بالشكوى من طائرات حزب الله الانقضاضية، وكيف تحول الجنود والآليات العسكرية إلى أهداف سهلة لما وصفوه بـ«القاتل الصامت».
التقارير العبرية عكست بوضوح حجم الأزمة. فالمؤسسة العسكرية، التي طالما تباهت بقدراتها في الحرب الإلكترونية والتشويش، تجد نفسها اليوم عاجزة أمام «مسيَّرات صامتة» لا تعتمد على الإشارات اللاسلكية، ما يجعل اعتراضها أو تعطيلها مهمة شبه مستحيلة.

اعتراف بالعجز
وفق ما نقلته إذاعة «الجيش الإسرائيلي»، فإنما تسمى بـ«القيادة العسكرية العليا» للاحتلال، عقدت، أمس الأول، اجتماعاً في قاعدة «رامات دافيد» خُصص لمناقشة هذا التهديد المتصاعد، في مؤشر واضح على تحوله إلى أزمة استراتيجية. 
ونقلت الإذاعة عن قادة ميدانيين إقرارهم بأن الطائرات المسيَّرة لحزب الله تمثل «تحدياً عملياتياً كبيراً»، في ظل نقص واضح في الأدوات والوسائل الدفاعية.
الأخطر من ذلك، هو ما كشفته هذه التقارير من حالة إحباط داخل الوحدات القتالية للاحتلال، حيث أفاد أحد قادة «جيش» الاحتلال قائلاً: إنه «لا يوجد الكثير مما يمكن فعله حيال ذلك، وتتلخص التعليمات التي تتلقاها القوات في: كونوا على أهبة الاستعداد، وإذا رصدتم طائرة مسيَّرة، فأطلقوا النار عليها». وهي تعليمات تعكس مستوى البدائية في مواجهة تهديد عالي التقنية.
بل إن بعض الوحدات لجأت إلى حلول مرتجلة، مثل نصب الشباك فوق المواقع والمباني، في محاولة لاصطياد المسيَّرات قبل وصولها إلى أهدافها. وهي إجراءات وصفها ضباط «إسرائيليون» بأنها «غير مجدية على الإطلاق».

أهداف سهلة
صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، ذهبت أبعد من ذلك، حين وصفت تموضع القوات الصهيونية في جنوب لبنان بأنه بات يجعلها «أهدافاً سهلة». فتركيز العمليات في مناطق محدودة، واعتماد القوات على الدروع والمواقع الثابتة، خلق بيئة مثالية لهجمات المسيّرات الدقيقة.
وقالت الصحيفة إن أماكن تموضع قوات الاحتلال «تخدم حزب الله، وتضع الجيش الإسرائيلي في موقف عملياتي معقد ومكشوف».
وتشير التقديرات «الإسرائيلية» إلى أن حزب الله لم يكتفِ باستخدام هذا السلاح، وإنما نجح في تطويره بشكل نوعي، عبر تزويده بتقنية الألياف الضوئية، ما منحه ميزة حاسمة، وهي الحصانة من التشويش الإلكتروني. وبذلك، فقد العدو الصهيوني أحد أهم عناصر تفوقه في ساحة المعركة.
وما يزيد من تعقيد المشهد بالنسبة للاحتلال، أن هذه المسيّرات ليست فقط فعالة، وإنما أيضاً منخفضة التكلفة. فبحسب التقارير، يمكن تصنيع الواحدة منها بمئات الدولارات فقط، في حين تستطيع إلحاق أضرار بملايين الدولارات من خلال استهداف الدبابات والآليات الثقيلة.
وتحمل هذه الطائرات شحنات متفجرة مأخوذة من رؤوس قذائف مضادة للدروع، وتُوجَّه بدقة عالية عبر كابل ألياف ضوئية يمتد لعشرات الكيلو مترات، ناقلاً الصورة بشكل مباشر للمشغِّل. هذه التقنية تمنحها قدرة على المناورة والتحليق على ارتفاعات منخفضة جداً، وأيضاً الانتظار لساعات قبل تنفيذ الهجوم.
وأقرت التقارير العبرية بأن هذه المسيّرات تستهدف نقاط الضعف في دبابات «الميركافا»، خصوصاً الجزء العلوي، ما يقلل من فعالية التدريع ويحول هذه الآليات الثقيلة إلى أهداف قابلة للاختراق.

صدمة وتأخر في الاستيعاب
صحيفة «معاريف» العبرية بدورها تحدثت عن «عودة حزب الله إلى أيام المعادلات»، مشيرة إلى أن ما يجري اليوم يعيد «إسرائيل» عملياً إلى ما قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، من حيث فقدان المبادرة الميدانية.
أما موقع «i24”» فنقل عن مسؤول أمني «إسرائيلي» اعترافاً لافتاً بأن «الجيش لم يستعد بشكل كافٍ لهذا التهديد»، وأنه «استيقظ متأخراً» بعد أن تكبد خسائر بشرية وفي العتاد العسكري. وأضاف أن عشرات المسيّرات الهجومية تُستخدم أسبوعياً، بعضها يلقي ذخائر، وأخرى تنفذ هجمات انتحارية دقيقة ضد الجنود.

استهداف وحدات التشويش
واحدة من أبرز المفارقات التي أظهرتها هذه المواجهة، هي عجز وحدات الحرب الإلكترونية «الإسرائيلية» التي يزعم الاحتلال بأنها من الأكثر تطوراً عالمياً، عن التعامل مع هذا التهديد. فالمسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية لا تبث إشارات يمكن رصدها أو التشويش عليها، ما يجعلها عملياً خارج نطاق هذه المنظومات.
وفوق ذلك، وفقاً للتقارير العبرية نفسها، فإن حزب الله بات يستهدف هذه الوحدات نفسها، في محاولة لتعميق العجز الصهيوني، وإحداث ما يمكن وصفه بـ«العمى التكتيكي» في ساحة المعركة.

تأثير نفسي واستنزاف متواصل
وتشير ذات التقارير إلى أن تأثير هذه المسيّرات لا يقتصر على الخسائر المادية والبشرية، وإنما يمتد إلى الجانب النفسي. فحالة الترقب الدائم لضربة مفاجئة من السماء، وعدم القدرة على التنبؤ بمسارها أو توقيتها، خلقت حالة من القلق المستمر بين جنود الاحتلال.
وقد أظهرت المعطيات أن هذه الهجمات أدت إلى شل حركة الجنود الصهاينة في بعض المناطق، ومنعتها من تثبيت مواقعها أو المناورة بحرية، ما حول أجزاء من المناطق الحدودية في جنوب لبنان إلى ما يشبه «مربعات موت».
وخلصت التقارير العبرية إلى أن هذه التطورات كشفت عن تحول نوعي في طبيعة الحرب. فالمقاومة نجحت، عبر أدوات بسيطة نسبياً، في تقويض تفوق عسكري تقليدي عالي التكلفة، وفرض معادلة ردع ميداني جديدة.
وفي ظل استمرار هذا النزيف، يبدو أن «الخيط الرفيع» الألياف الضوئية، لم يعد مجرد تقنية، وإنما تحول إلى سلاح استراتيجي يعيد رسم ملامح المواجهة، ويضع الاحتلال أمام مواجهة قاسية لم يعهد مثلها من قبل.