عادل بشر / لا ميديا -
بحلول اليوم الثلاثاء، يكون قد مر ستون يوماً من عمر العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، الذي بدأ في 28 شباط/ فبراير الماضي، واستمر 40 يوماً بوتيرة عسكرية كبيرة، قبل أن ترضخ واشنطن لهدنة في 6 نيسان/ أبريل الجاري. وبخلاف مزاعم "الانتصار" التي لا يكف الرئيس الأمريكي ترامب، ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني نتنياهو، عن ترديدها، فإن الاعترافات من داخل المؤسسات الأمنية للعدوان تقول غير ذلك.
حول هذا قدّم "مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية"، وهو أحد أبرز مراكز التفكير الصهيونية، قراءة لافتة تعكس حجم التحول في موازين القوة، مؤكداً -في تقرير نشره أمس- أنه "رغم التفوق العسكري الأمريكي، إلا أن مزيجاً من الاستراتيجية غير المتكافئة والتماسك الداخلي والسيطرة على مضيق هرمز حال دون تحقيق انتصار عسكري سريع على إيران" كما كان يتوقع الكثيرون من معسكر العدوان الأمريكي-"الإسرائيلي".
التقرير، الذي بعنوان "لماذا لم تُهزم إيران عسكرياً؟"، يتضمن اعترافات صريحة من داخل المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية"، بأن إيران لم تُهزم. ويطرح سؤالاً محورياً أربك صناع القرار في واشنطن و"تل أبيب" معاً، فحواه: كيف فشلت حرب عسكرية تقودها القوة التي تتبجح بأنها الأعظم في العالم في تحقيق نصر استراتيجي واضح على إيران؟ الإجابة، كما يكشفها التقرير، ليست بسيطة، وإنما ترتبط بتحولات عميقة في طبيعة الحروب، وفي قدرة إيران على الصمود والتكيف وإعادة تعريف قواعد الاشتباك.
ونقل التقرير عن "مسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية" القول إن "أمريكا استخدمت قوة عسكرية حاسمة، ونفذت ضربات جوية واسعة النطاق، ونشرت أصولاً بحرية متقدمة. ومع ذلك، فإن الهدفين الرئيسيين: إعادة فتح مضيق هرمز والتدمير الكامل للبرنامج النووي الإيراني، بقيا دون تحقيق"، فضلاً عن الفشل في تحقيق الأهداف الأخرى، مثل إسقاط النظام والقضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية.
وأوضح المسؤولون الصهاينة أن أول عوامل عدم هزيمة إيران يتمثل في سقوط فرضية الحسم بالقوة التقليدية. فالتفوق الجوي والبحري، الذي شكّل لعقود العمود الفقري للعقيدة العسكرية الأمريكية، لم يكن كافياً لتحقيق نصر حاسم على إيران، التي -وفقاً للتقرير- اعتمدت تكتيكات استنزاف حدّت حرية عمل المعتدين.
وأفادوا بأن "العنصر الأكثر حسماً في هذه الاستراتيجية كان ترسانة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي تمتلكها طهران". وأقروا بأن لدى إيران "صواريخ ومُسيّرات يصعب اعتراضها"، وأنها "نجحت في إعادة تعريف ديناميكيات المواجهة، وإحداث تأثير استراتيجي بالغ، إذ أجبرت الأسطول الأمريكي على البقاء بعيداً عن السواحل الإيرانية، وجعلت أي محاولة للاقتراب شديدة الخطورة. وبهذا نجحت طهران في تقليص جزء من التفوق التكنولوجي لخصومها".
وأشار التقرير إلى أن "الساحة البحرية جسّدت هذا التحول بوضوح؛ إذ فشلت البحرية الأمريكية من فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، وتجنبت القيام بعمليات هجومية عميقة، وبدلاً من أن تكون قوة حاسمة، تحولت إلى مجرد عنصر داعم، وهو تحوّل مفاهيمي مهم؛ إذ لطالما اعتُبرت الهيمنة البحرية حجر أساس في الردع الأمريكي".
ومن المفارقات التي يسلط عليها التقرير الضوء، والتي وضعها في المرتبة الثانية من عوامل عدم هزيمة إيران، أن الولايات المتحدة أعلنت مراراً "تدمير الأسطول البحري الإيراني"، إلا أن الواقع أكد أن أسطولاً كبيراً من الزوارق الحربية الإيرانية السريعة لم يُصب بأي أذى، ونجح في السيطرة على مضيق هرمز، وعمل -إلى جانب ترسانة الصواريخ والمُسيرات- على إرعاب القطع البحرية الأمريكية وإجبارها على البقاء بعيداً عن المضيق.
أما العامل الثالث، بحسب التقرير، فهو "قدرة إيران في الحفاظ على وحدتها الداخلية"، وهو العامل الذي شكّل صدمة كبيرة للتوقعات الأمريكية. فبدلاً من أن تؤدي الضربات والحصار إلى تفكك داخلي أو تمرد واسع النطاق، شهدت إيران حالة من التماسك الوطني. حتى أطراف من المعارضة، بما فيها تيارات إصلاحية، تبنّت موقفاً وطنياً دفاعياً، إدراكاً منها أن انهيار النظام قد يؤدي إلى تفكك الدولة وحدوث فوضى شاملة. هذه النتيجة نسفت رهاناً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية، التي كانت تعوّل على الضغط الداخلي كعامل حسم سريع.
إلى جانب ذلك، قال المسؤولون "الإسرائيليون" إن "إيران حافظت على مرونة استراتيجية عالية. فلم تتخلَّ عن قضايا جوهرية، لا عن برنامجها النووي ولا عن قدراتها الصاروخية، بل واصلت إدارة الصراع بسياسة تجمع بين الغموض والضغط".
وأضافوا أن "السيطرة على مضيق هرمز، تحولت إلى ورقة ضغط مركزية بيد طهران"، مشيرين إلى عامل آخر وصفوه بـ"المهم"، وهو "القيود السياسية داخل الولايات المتحدة، فكلما طال أمد الحملة ضد إيران، ازداد الضغط الداخلي على الإدارة الأمريكية، الأمر الذي صعّب قدرة واشنطن على التصعيد العسكري". في مثل هذه الظروف، يتحول التفوق العسكري إلى عبء سياسي، خاصة عندما لا يترجم إلى إنجازات ملموسة على الأرض.
ويبقى العامل الحاسم، بحسب التقرير، هو غياب عملية برية واسعة النطاق داخل إيران. فالتاريخ العسكري يؤكد أن إسقاط الأنظمة لا يتحقق بالقصف الجوي وحده، وإنما يتطلب تدخلاً برياً مكلفاً ومعقداً، وهو -وفقاً للتقرير- خيار لم يكن مطروحاً بجدية في هذه الحرب على إيران، نظراً لتبعاته الكارثية على الولايات المتحدة وعدم ضمانة نجاحه.
واختتم مركز الأبحاث الصهيوني تقريره بالتأكيد أن "الخلاصة المستخلصة من هذه الحرب واضحة، وهي أن إيران لم تُهزم عسكرياً، ونجحت في منع خصومها من تحقيق أهدافهم"، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الانتصار الاستراتيجي، إذ أعادت طهران تعريف ميزان القوة، وأثبتت أن الإرادة السياسية والمرونة الاستراتيجية والعملياتية والتماسك الداخلي بإمكانها أن تعوّض الفجوة في القدرات العسكرية، وتكسر أي عدوان خارجي مهما بلغت قوته.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا