في حوار من الغربة حافل بالمكاشفة والذكريات.. المدرب والحكم الدولي للتايكواندو طارق قائد علي لـ«لا الرياضي»:وطني يسكن قلبي وبساط اللعـبة لغتي الخاصـة
- تم النشر بواسطة يحيى الضلعي / لا ميديا
حاوره:يحيى الضلعي / لا ميديا -
في عالم الرياضة، هناك أسماء تتجاوز حدود الممارسة لتصبح نموذجاً يُحتذى به في الإصرار والتطور.
وعندما نتحدث عن التايكواندو في اليمن، فإننا لا نتحدث فقط عن حركات قتالية أو ميداليات ملونة، بل نتحدث عن جيل من الفدائيين الذين صقلوا مواهبهم ونحتوها في صخر المعاناة، ليرفعوا علم الوطن عالياً في المحافل الدولية.
ضمن هذه الكوكبة اللامعة، يبرز اسم الكابتن طارق قائد علي، ذلك النجم الذي لم يكتفِ بالسيطرة على بساط المنافسة محلياً كلاعب ومدرب سابق بنادي أهلي تعز والمنتخب الوطني، بل امتد طموحه ليعبر الحدود ويصنع لنفسه اسماً ورقماً صعباً في سماء التدريب والتحكيم الدولي في الإمارات العربية المتحدة.
من ملاعب الأندية المتواضعة في اليمن، شق طريقه بصلابة "التشاجي"، ليتحول من لاعب متوج بذهب الجمهورية إلى مدرب قدير في نادي الرميثة بدبي، وحكم دولي معتمد يطبق العدالة على بساط الأكاديمية العالمية.
وبين ذكريات البدايات في أزقة اليمن، وهيبة البطولات الدولية، وبين مرارة الهجرة وشغف النجاح في نادي الرميثة بدبي، يأخذنا الكابتن طارق في هذا الحوار الشيق، الذي لا يتحدث فيه كلاعب ومدرب سابق فحسب، بل وخبير دولي مطلع، يشخص الوجع الرياضي اليمني، ويضع خارطة طريق للتطوير، مسترجعاً ذكريات الزملاء ومحطات العمر التي لا تُنسى.
الكابتن طارق لم يُنسِهِ بريق "الدان" ولا أضواء الإمارات حنينه لتراب الوطن، ولا ذكريات البساط الأول في نادي أهلي تعز. فتح قلبه لـ"لا الرياضي" متحدثاً عن رحلة الاغتراب، ووجع الرياضة اليمنية، وكيف يمكن للتايكواندو أن تكون جسراً للسلام والقوة... وتفاصيل أخرى.
كابتن طارق، كيف كانت الركلة الأولى في مشوارك مع التايكواندو؟
- البداية كانت من الملاعب البسيطة في اليمن، هناك حيث لم نمتلك الإمكانيات، لكننا ملكنا الشعلة والعزيمة. كان الحماس هو المحرك الأول، والإصرار على تعلم فنون الدفاع عن النفس هو ما قادني لخوض هذا الغمار منذ الطفولة.
لماذا اخترت التايكواندو تحديداً من بين كل الألعاب الرياضية؟
- لأنها فلسفة حياة وليست مجرد ركلات. هي رياضة تجمع بين القوة البدنية الفائقة والصفاء الذهني العميق، تغرس فيك الانضباط قبل القوة، واحترام الخصم قبل هزيمته. التايكواندو فن نبيل قبل أن تكون مجرد قتال.
بين بساط اللعبة وشخصية طارق، أين تجد نفسك؟
- أجد في التايكواندو لغتي التي لا تحتاج مترجماً. التوافق العضلي العصبي الذي تتطلبه اللعبة ناسب قدراتي الفطرية. شعرت منذ اللحظة الأولى أن البساط هو المساحة الحقيقية التي أستطيع فيها إثبات ذاتي وبلورة شخصيتي.
بعد سنوات طويلة، ماذا منحتك التايكواندو بعيداً عن الميدان؟
- منحتني أثمن ما يملكه الإنسان: الثقة بالنفس، الصبر الجميل، وسعة الصدر. التايكواندو علمتني أدب المنصات، فالفوز يتطلب تواضعاً جماً، والخسارة تتطلب إصراراً لا ينكسر.
إذا استعرضنا سجل إنجازاتك كلاعب، ما هي البصمة التي تعتز بها محلياً وخارجياً؟
- محلياً، أعتز بذهبية بطولة الجمهورية التي حافظت عليها لعدة مواسم. أما خارجياً، فالفخر الأكبر هو رفع علم اليمن في المحافل الآسيوية والعربية؛ فأن تحقق مركزاً متقدماً وسط شح الإمكانيات، فهذا بحد ذاته إنجاز يفوق حجم الميدالية.
اتخذتَ قراراً بالهجرة إلى الإمارات. ما الذي دفع بطلاً بوزنك للبحث عن أفق بعيد؟
- القرار جاء بحثاً عن الاحتراف بمعناه الحقيقي. كنت أريد تطوير ذاتي وتأمين مستقبلي في بيئة تُقدّر الكفاءات وتوفر الأدوات الحديثة. الإمارات اليوم توفر مناخاً مثالياً للإبداع الرياضي، وكان لا بد من خوض التجربة لنقل الخبرات وتطوير المسيرة.
وما هي طبيعة مهامك الحالية في الوسط الرياضي الإماراتي؟
- أعمل حالياً في مسارين متوازيين: حكماً دولياً معتمداً أشارك في إدارة البطولات الرسمية، ومدرباً محترفاً أسعى لنقل خبراتي للأجيال الجديدة، بالإضافة إلى التواجد في تنظيم الفعاليات الكبرى تحت مظلة الاتحادات المعنية.
حققت نجاحات لافتة مع نادي الرميثة بدبي. حدثنا عن تلك التجربة؟
- بفضل الله، استطعنا مع نادي الرميثة اعتلاء منصات التتويج في بطولات محلية قوية. لكن الإنجاز الأهم بالنسبة لي هو تأسيس قاعدة من اللاعبين الواعدين الذين يتأسسون على فكر احترافي، يجمع بين المهارة الفنية والثقافة الرياضية.
نعود للداخل؛ نادي أهلي تعز كان مصنعاً للأبطال ثم خفت بريقه. برأيك كأحد أبنائه ما الأسباب؟
- الركود في أهلي تعز هو انعكاس لغياب الدعم المؤسسي وضعف البنية التحتية. النادي الذي كان يزخر بالنجوم يحتاج اليوم إلى إرادة إدارية تعيد إحياء الألعاب الفردية، وتنتشله من دوامة الإهمال المادي الذي تسبب في هجرة كوادره.
ظاهرة هجرة الكوادر الرياضية اليمنية للخارج، هل برزت هروباً أم بحثاً عن تقدير؟
- هي نتيجة حتمية لغياب الاستقرار. عندما يجد اللاعب نفسه بلا دعم مادي أو معنوي، وبدون استراتيجية واضحة تحمي مستقبله، يصبح الرحيل هو الحل الوحيد للاستمرار. نحن لا نهرب من الوطن، بل نبحث عما يجعلنا نرفع اسمه بشكل أفضل.
ما الذي ينقص اللاعب اليمني لينافس عالمياً؟
- اللاعب اليمني يمتلك خامة فطرية صلبة وإرادة حديدية؛ لكن كما يقال: "العين بصيرة واليد قصيرة"، ينقصه التغذية السليمة، المعسكرات الخارجية المستمرة، الدعم المادي والنفسي، وكذلك مواكبة التكنولوجيا الحديثة في التدريب والتحكيم.
كيف تقيم أداء الاتحاد اليمني للتايكواندو حالياً؟
- الاتحاد، برئاسة الكابتن موفق منصر وزملائه، يبذلون جهداً خرافياً بالنظر للظروف القاسية؛ لكن لكي ننهض، نحتاج لرؤية تسويقية تجذب الرعاة والقطاع الخاص، فالاعتماد الكلي على ميزانية الدولة في ظل هذه الأوضاع لا يمكن أن يصنع تطوراً مستداماً.
بصفتك خبيراً دولياً، كيف تساهم في خدمة التايكواندو في اليمن وأنت في المهجر؟
- قلبي وعقلي معهم دائماً، أضع كافة خبراتي تحت تصرف الكوادر اليمنية، من خلال الاستشارات الفنية ونقل التعديلات الجديدة في قوانين الاتحاد العالمي (WT)، ومتابعة اللاعبين اليمنيين في الخارج لتحفيزهم ورفدهم بكل جديد لضمان بقائهم في دائرة الضوء.
يقال إن عمر الرياضي اليمني قصير. ما هو تفسيرك لذلك؟
الضغوط المعيشية هي القاتل الصامت للموهبة في اليمن. اللاعب يضطر للاعتزال مبكراً ليواجه متطلبات الحياة. يضاف إلى ذلك غياب التأمين الصحي والرياضي الذي يحمي اللاعب في حال الإصابة.
ذكرياتك مع الزميل صلاح الدكاك في نادي أهلي تعز، ماذا تحمل عنها؟
- ذكريات لا تنسى. الأستاذ صلاح الدكاك كان لاعباً يمتلك روحاً مثابرة وطاقة إيجابية كبيرة. تلك الأيام على بساط أهلي تعز هي التي صقلت علاقتنا، وما زالت روابط الود والاحترام تجمعنا حتى اليوم كرفيقي درب.
ما هي الطموحات التي ما زال الكابتن طارق يطاردها؟
- طموحاتي لا سقف لها. أسعى للتمثيل التحكيمي في الألعاب الأولمبية كأعلى هرم رياضي، وأحلم بتأسيس أكاديمية دولية احترافية تكون جسراً لنقل المواهب اليمنية إلى العالمية.
كلمة أخيرة للقائمين على الرياضة، وللصحيفة؟
- رسالتي إلى المسؤولين: استثمروا في الإنسان أولاً، فاللاعب هو الثروة الحقيقية التي لا تنضب.
وشكراً لكم في صحيفة "لا" الغراء على لفتتكم الكريمة بذكر الرياضيين في زمن النسيان. التايكواندو ستظل هي اللغة التي تجمعنا مهما باعدت بيننا المسافات.



.jpg)






المصدر يحيى الضلعي / لا ميديا