من مران إلى ميادين التأثير الإقليمي والدولي .. الشعار مسار تحرر كسر الهيمنة وأعاد تشكيل معادلات المواجهة
- تم النشر بواسطة لا ميديا
تقرير / لا ميديا -
في الثالث من ذي القعدة 1422هـ، الموافق 17 كانون الثاني/ يناير 2002م، انطلق شعار الصرخة في وجه المستكبرين من مران بمحافظة صعدة، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، كانت الأمة فيها تواجه تصاعد المشروع الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتعيش حالة من الارتباك السياسي والانكسار النفسي، وسط تمدد الهيمنة الغربية والصهيونية على القرار العربي والإسلامي. وفي خضم تلك التحولات، جاء إطلاق الشعار باعتباره موقفاً يتجاوز حدود التعبير الرمزي، ليؤسس لرؤية مواجهة، ومسار وعي، ومشروع تحرر انطلق من القرآن الكريم بوصفه مرجعية للتحرك والبناء.
واليوم، في الذكرى السنوية الرابعة والعشرين للصرخة، يبرز هذا الشعار بوصفه أحد أكثر الشعارات حضوراً وتأثيراً في الواقع السياسي والثقافي للأمة، بعدما تجاوز كونه نداءً احتجاجياً، ليتحول إلى معادلة مواجهة أسهمت في إعادة تعريف العلاقة مع قوى الهيمنة، ورسخت مفاهيم البراءة من الأعداء، ورفض التبعية، واستنهاض الشعوب لمواجهة مشاريع السيطرة والاستباحة.
منذ لحظة إطلاقه، ارتبط الشعار بالمشروع القرآني الذي طرحه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، باعتباره مشروعاً لإحياء وعي الأمة، وإخراجها من حالة السكون إلى الفعل، ومن موقع الانفعال إلى موقع المبادرة. وقد استند هذا المشروع إلى قراءة ترى أن الخلل الجوهري في واقع الأمة لم يكن عسكرياً أو اقتصادياً فحسب، وإنما في الوعي والموقف، وأن أي نهوض حقيقي يبدأ باستعادة البصيرة تجاه العدو، وتحديد موقع الأمة في معركة التحرر الكبرى.
وعلى امتداد أربعة وعشرين عاماً، ظل الشعار يمثل عنواناً لمواجهة الهيمنة الأمريكية و»الإسرائيلية»، وأداة لإحياء الشعور بالمسؤولية، وكسر ما يُوصف بحالة الهزيمة النفسية التي عاشتها شعوب المنطقة لعقود. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الصرخة باعتبارها موقفاً جامعاً، لا شعاراً فئوياً أو طائفياً، كما يحاول البعض توصيفه، وإنما تعبيراً عن رفض مشروع السيطرة، وتجسيداً لثقافة مقاومة تستمد مشروعيتها ومسار نضالها من القرآن الكريم، لا من الحسابات الظرفية أو الاصطفافات السياسية الضيقة.
وتكمن أهمية هذه الذكرى في استحضار التحولات التي رافقت مسيرة الشعار، بدءاً من مرحلة المواجهة الفكرية والتعبوية، مروراَ بمحطات الصراع العسكري والسياسي، وصولاً إلى التجسيد العملي لمفاعيل هذا الشعار في الواقع اليمني، سواء على مستوى استقلال القرار السياسي، أو بناء القدرات، أو الموقف المعلن تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ويرى مراقبون في خطاب المشروع أن واحدا من أبرز الدروس التي قدمتها الصرخة هي أن معركة الوعي تسبق معركة السلاح، وأن الانتصار يبدأ من كسر الهيمنة النفسية والثقافية، قبل كسر الهيمنة العسكرية. ومن هذا المنطلق، اكتسب الشعار بُعداً يتجاوز اليمن، ليُقدَّم بوصفه نموذجاً لإمكانية انتقال الشعوب من موقع الاستكانة إلى موقع الفعل، مهما كانت موازين القوى مختلة.
وفي هذا السياق، تُطرح الصرخة باعتبارها منطلقاً لتحول استراتيجي في مفهوم المواجهة، من رد الفعل إلى بناء القدرة، ومن رفض الهيمنة نظرياً، إلى ترجمة ذلك في مواقف عملية. وهو ما شهده اليمن في السنوات الأخيرة، وحالياً من حضور في معادلات إقليمية، تجسد ذلك في الدور الكبير الذي لعبته صنعاء خلال معركة إسناد غزة، بخوضها المعركة العسكرية مباشرة مع الكيان الصهيوني، بضربات صاروخية وبالطائرات المُسيرة إلى عمق فلسطين المحتلة، ثم إطباق حصار بحري شامل على الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر، وما ارتبط بذلك من مواجهات مع البحرية الأمريكية، ورغم الثمن الكبير الذي قدمته صنعاء وما تعرضت له من حملات قصف أمريكية صهيونية بريطانية، إلا أنها تصدت بقوة لتلك الحملات وأجبرت المعتدين على الانسحاب من البحر الأحمر، ولم تتراجع عن موقفها في مواصلة إسناد غزة حتى الدقائق الأخيرة.
كل ذلك، إضافة إلى الصمود في وجه تحالف العدوان السعودي الإماراتي الأمريكي، منذ مطلع العام 2015م، يُعد من ثمار مشروع بدأ بفكرة وموقف، ثم تطور إلى بنية وعي وقدرة وتأثير.
كما تبرز الذكرى الرابعة والعشرون مناسبة لاستحضار أحد أهم الدروس التي حملها الشعار، وهو أن التحرر من الوصاية يبدأ بتحرير الوعي من الخوف، وأن الأمة حين تدرك عدوها الحقيقي، وتستعيد ثقتها بنفسها، تصبح قادرة على إنتاج معادلات جديدة، مهما كانت التحديات جسيمة.
وبقدر ما شكل الشعار منذ انطلاقه حالة قلق لقوى الهيمنة والأنظمة العميلة، فقد مثل، في المقابل، مصدر إلهام لقطاعات واسعة في الشعوب الحرة، على مستوى العالم، ترى فيه عنواناً للكرامة والرفض والتحرر. ولعل استمرار حضوره بعد أربعة وعشرين عاماً، رغم الحروب والاستهدافات والتحديات، يؤكد أنه لم يكن مجرد هتاف أو شعار لمرحلة وقتية أو لأهداف سياسية ومصالح ضيقة، وإنما تعبيراً عن مشروع متجذر في الوعي والواقع.
وفي ذكرى الصرخة في وجه المستكبرين، لا يتوقف الحديث عند استعادة لحظة تاريخية، وإنما عند مسار كامل من التحولات، وما حمله من دروس في الثبات، والموقف، وبناء الإرادة، ومواجهة القوى الكبرى بإمكانات الشعوب وإيمانها. وهي دروس تتجدد اليوم، في ظل تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة وربيبتها «إسرائيل»، وما تفرضه من حاجة متزايدة إلى استلهام معاني الصرخة بوصفها موقفاً وسلاحاً ومعادلة وعي.
بعد أربعة وعشرين عاماً، تبدو الصرخة أكثر من مجرد ذكرى، إنها عنوان لمسار لم يتوقف، ورمز لتحول تاريخي نقل مشروع المواجهة من الهامش إلى مركز الفعل، ورسخ قناعة بأن الشعوب حين تمتلك الوعي والإرادة والموقف، تستطيع أن تواجه مشاريع الهيمنة، وأن تغيّر المعادلات، وأن تصنع من الشعار تاريخاً، ومن الصرخة مشروعاً للتحرر.
وعاما بعد آخر تأتي الذكرى السنوية للصرخة والشعب اليمني أكثر تمكينا وأعظم شأنا وأشد قوة وبأسا، بفضل تمسكه بالنهج الإيماني الصحيح، وتسلحه بهذا الشعار الخالد، والتفافه حول قيادته الصادقة، التي أعادت لليمن هيبته، وفرضت احترامه على الجميع.



.jpg)






المصدر لا ميديا