حلفاء على خلاف: حضرموت أحدث جبهات الصراع السعودي الإماراتي
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا
مودة اسكندر - موقع المهد (The cradle)
ترجمة خاص أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
على المحور الممتد من بورتسودان إلى الربع الخالي، أصبحت حضرموت ساحة اختبار لتحول النفوذ السعودي الإماراتي. يُعيد وكلاؤهما اليمنيون رسم معالم المحافظة بالقوة والتفاوض والنفوذ الاقتصادي، محولين إياها إلى مقياس لصراع أوسع على الموانئ والنفط ومستقبل اليمن.
في لحظة توتر وتصعيد عسكري وهجمات متكررة حول حقول النفط الشرقية في حضرموت، أعلن «تحالف قبائل حضرموت» والسلطة المحلية، في المكلا، في 3 كانون الأول/ ديسمبر، توقيع اتفاق رسمي لخفض التصعيد. جاء الاتفاق برعاية وفد سعودي رفيع المستوى ولجنة وساطة من شيوخ بارزين وقادة محليين.
ينص الاتفاق على الوقف الفوري لجميع أشكال التصعيد العسكري والأمني والإعلامي، وينص على إعادة تمركز قوات التحالف القبلي على بُعد كيلومتر واحد من شركة «بترومسيلة» النفطية المملوكة للدولة، مع انسحاب وحدات النخبة مسافة ثلاثة كيلومترات. كما ينص على دمج قوات حماية حضرموت مع قوة حماية الشركات النفطية، تحت قيادة واحدة، لتأمين المنشآت وحماية «الثروة الوطنية». ويتيح الاتفاق عودة الموظفين إلى مواقع أعمالهم واستمرار إنتاج النفط دون انقطاع.
جاء الإعلان بعد أسبوع من التوتر الشديد في سيئون وغيل بن يمين والهضبة المحيطة بها، حيث صد مقاتلون قبليون محاولات متكررة من قبل «المجلس الانتقالي الجنوبي»، المدعوم من الإمارات، لفرض السيطرة.
رغم اتفاق الهدنة الرسمية، لا يزال الهدوء هشاً. لا تزال عدة تشكيلات مسلحة، كلّ منها مرتبط برعاته وأجنداته الخاصة، تعمل في أنحاء المحافظة، ولا يزال مستقبل الهضبة ونفطها غامضاً.
وأفاد مصدر عسكري في «تحالف قبائل حضرموت» لصحيفة «ذا كرادل» بأن اللواء فرج البحسني، نائب رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي»، يعتزم تقويض الاتفاق بهجمات جديدة على مواقع قوات حماية حضرموت. ومن المتوقع تجدد المعارك، لاسيما حول القباء ومداخل وادي ملين.
• ذريعة مصطنعة وعدو مألوف
مع بدء جهود التهدئة، توالت التصريحات السياسية والعسكرية لتبرير العمليات الأخيرة في حضرموت، وتصوير الوحدات المنسحبة كتهديد أمني. ووصف المتحدث باسم القوات الجنوبية، العقيد محمد النقيب، عملية «المستقبل المشرق» بأنها محاولة لتأمين الوادي والصحراء، والقضاء على العناصر «الإرهابية» المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، عبر المنطقة العسكرية الأولى.
قال قائد قوات النخبة الحضرمية، العميد صالح بن الشيخ أبوبكر، إن القوات التي تم إخراجها كانت لسنوات «متنفساً للحوثيين والإخوان والتنظيمات المتطرفة»، وأن قرار دخول سيئون جاء بعد استنفاد كل الخيارات الأخرى لاستعادة الأمن والاستقرار.
ووصف بيان «المجلس الانتقالي الجنوبي» سيئون ومديريات الوادي والصحراء بـ«المناطق الاستراتيجية» التي تستخدم كممرات تهريب ونقاط انطلاق لشن هجمات ضد القوات الجنوبية والسعودية، ووصف العملية بأنها بداية فصل جديد لحضرموت.
في المقابل، فإن وسائل إعلام تابعة لحزب الإصلاح، التابع لجماعة الإخوان المسلمين، اتهمت التشكيلات الموالية للإمارات بالنهب والاستهداف الانتقامي، كما اتهمت الرياض بالتخلي عن قوات الإصلاح وإبرام صفقة مع أبوظبي بشأن الهضبة.
يقول الصحفي والناشط الحقوقي ماهر الشامي لـ«المهد» (The cradle): «ما يحدث اليوم في محافظة حضرموت ليس صراعاً محلياً عابراً أو نزاعاً قبلياً، بل هو امتداد مباشر للصراع السعودي الإماراتي على الأرض والموارد اليمنية».
يقول الشامي إن التحركات العسكرية والأمنية للفصائل والمليشيات المرتبطة بالتحالف «تهدف إلى فرض السيطرة على الثروة النفطية والملاحية، وتحويل المحافظة إلى قاعدة نفوذ تُمكّن الرياض وأبوظبي من ترسيخ سيطرتهما جنوباً وشرقاً». ويوضح الشامي أن هدف هذه المشاريع الخارجية هو «فرض مشروع التقسيم لتفكيك اليمن وإضعاف قدرته على المقاومة».
• كرة ثلج تكبر بسرعة
اشتدت حدة القتال حول هضبة حضرموت في الساعات الأخيرة. وشن «المجلس الانتقالي الجنوبي»، إلى جانب مقاتلين من يافع والضالع، هجوماً للسيطرة على مواقع رئيسية، بما في ذلك شركة «هوك»، التابعة لفرع شركة «توتال» المحلي. وقاد الشيخ عمرو بن حبريش معارك «المقاومة الحضرمية»، داعياً القبائل والمقاتلين المحليين إلى الصمود والدفاع عن الأرض.
تمكنت وحدات «تحالف قبائل حضرموت» و«قوات حماية حضرموت» من صد الهجوم، مسجلةً قتلى وجرحى وغنائم. في المقابل، سيطر «المجلس الانتقالي الجنوبي» سريعاً على سيئون ومدن وادي حضرموت، دون أي مقاومة تُذكر من ألوية المنطقة العسكرية الأولى.
واندلعت اشتباكات متقطعة في مناطق الجثمة ووادي العين، وشهدت حقول النفط انفجارات جراء قصف جوي شنته قوات «المجلس الانتقالي» على مواقع «قوات حماية حضرموت» ووحدات التحالف القبلي.
وفي ظل هذه التطورات، بدأت السعودية تحركات واسعة لاحتواء التوتر، إذ وصل وفد أمني وعسكري رفيع المستوى إلى مطار الريان بالمكلا لعقد اجتماع مع كافة المكونات الحضرمية والسلطة المحلية برئاسة المحافظ.
وتضمنت مقترحات الرياض انسحاب قوات التحالف القبلي من المواقع النفطية واستبدال «قوات درع الوطن» بها، ونشرها في الهضبة لضبط الأمن، مع إبقاء المنطقة العسكرية الأولى في مواقعها الحالية، وقيادتها العملياتية لـ«قوات درع الوطن».
وفقاً لمصدر مطلع على المفاوضات، لم تكن هذه التحركات عفوية، بل جاءت عقب مشاورات هادئة بين السعودية والإمارات حول تقاسم النفوذ في حضرموت، بما في ذلك توزيع مناطق السيطرة وإعادة تموضع الوحدات الموالية.
بموجب هذا الترتيب، ستؤمّن «قوات درع الوطن» مناطق محورية لصالح الرياض طويل الأمد، بينما يتوسّع «المجلس الانتقالي الجنوبي» جنوباً. وسيُترك للتحالف القبلي أراضٍ ثانوية محدودة، بحيث لا تستطيع أي قوة محلية مستقلة تحدي أيٍّ من القوتين الإقليميتين.
• من يحكم حضرموت حقاً؟
لا شك أن لحضرموت أهمية استراتيجية، فهي أكبر محافظات اليمن، ومصدر معظم نفطه، وتضم موانئ رئيسية. وقد جعلها هذا ساحة صراع بين الرياض وأبوظبي، الحليفتين المتوترتين اللتين يشكّل تنافسهما الخارطة السياسية لليمن.
لطالما انقسم الشمال - «الوادي والصحراء»، والساحل الجنوبي، عسكرياً. في العام 2013، أنشأ الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي المنطقة العسكرية الأولى في الشمال، التي تهيمن عليها وحدات متحالفة مع حزب الإصلاح. أما المنطقة العسكرية الثانية، التي شُكِّلت في الجنوب، فتضم قوات محلية متأصلة في المجتمعات الساحلية.
مع تفاقم التنافس الإماراتي السعودي، أنشأت أبوظبي «قوات النخبة الحضرمية» عام 2016 لتأمين الساحل والموانئ. وفي العام التالي، دعمت الإمارات تأسيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» بقيادة عيدروس الزبيدي، الذي طالب بالانفصال واشتبك مراراً مع حكومة عدن الموالية للرياض، وكانت أشدها ضراوةً عام 2018.
لموازنة هذا الهيكل المتنامي الموالي للإمارات، دعمت الرياض إنشاء «قوات درع الوطن» ذات الأغلبية الجنوبية عام 2023 بقيادة رشاد العليمي، رئيس «مجلس القيادة الرئاسي». نُشرت هذه الوحدات في شمال حضرموت ومواقع استراتيجية أخرى للحد من نفوذ «المجلس الانتقالي الجنوبي».
برز مؤخراً «تحالف قبائل حضرموت» بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، مؤكداً أن حضرموت ملكٌ لأهلها، ومتخذاً خطوات عسكرية وسياسية لإعلان الاستقلال. واليوم، يسيطر «المجلس الانتقالي الجنوبي» على سيئون ومدن الوادي، وتسيطر «قوات درع الوطن» على معسكرات المنطقة العسكرية الأولى بعد انسحابها، بينما يحتفظ «تحالف قبائل حضرموت» بمواقع نفطية حيوية، مؤكداً رفضه لأي نفوذ خارجي.
• شرارة تتحول إلى نار: الرياض تنقلب على أبوظبي
تبلور التصعيد الأخير في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، عقب تعيين سالم الخنبشي محافظاً، خلفاً لمبخوت بن ماضي، الذي كان موالياً للإمارات علناً. وأشارت هذه الخطوة إلى نية الرياض إعادة التوازن داخل المحافظة.
وكان التوقيت دالاً؛ إذ جاء التعيين بعد أيام من تكثيف قوات «المجلس الانتقالي الجنوبي» انتشارها في سيئون، وبعد أن طالب قائد «المجلس»، أبو علي الحضرمي، بالسيطرة على الهضبة وحذر التحالف القبلي من الوقوف ضد أي توسع آخر.
استجاب التحالف بسرعة، فعقد اجتماعات طارئة وأعلن التعبئة العامة، وتجمعت قواته حول الهضبة وحقول النفط: المسيلة، والعليب، وغيل بن يمين، معلنةً استعدادها للمواجهة.
ردّت الإمارات بإرسال تعزيزات عسكرية ضخمة من عدن وأبين والضالع ولحج وشبوة، بما في ذلك وحدات من «الحزام الأمني» و«الدعم الأمني» إلى جانب «النخبة الحضرمية». ولم يعد هذا الصراع محلياً فحسب، بل أصبح امتداداً لمنافسة إقليمية أوسع نطاقاً تمتد الآن من ساحل السودان إلى شرق اليمن.
تضغط الرياض على واشنطن لتقليص دور أبوظبي في حرب السودان، حتى أنها دعت الولايات المتحدة إلى تصنيف «قوات الدعم السريع»، المدعومة من الإمارات، كمنظمة إرهابية. وجاء رد أبوظبي بحشد «المجلس الانتقالي الجنوبي» قواته نحو حضرموت، وهي محافظة ذات أهمية بالغة للمملكة السعودية.
في حديثه لصحيفة «ذا كرادل»، يقول عدنان باوزير، رئيس «مجلس الإنقاذ الجنوبي» في حضرموت، إن موقف الإمارات قد يكون انتقامياً. لكنه أشار أيضاً إلى إمكانية التنسيق السعودي في تسليم المحافظة لـ«قوات درع الوطن»؛ إذ لا يمكن لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» التحرك دون موافقة الرياض.
ويرى باوزير أن السعودية استغلت الفرصة لإضعاف الإخوان المسلمين، وإسقاط آخر معاقلهم في الجنوب، المتمثل بالمنطقة العسكرية الأولى في سيئون، ودفعهم نحو مأرب، والتمهيد لأي مخططات تقسيمية مستقبلية.
وعلى أرض الواقع، يصف الوضع بأنه ضبابي، «وتظهر تصريحات تحالف قبائل حضرموت شعوراً بالمرارة، وربما التخلي عنهم من قبل السعودية، في حين يدركون عجزهم العسكري عن مواجهة القوات الموالية للإمارات القادمة من داخل المحافظة وخارجها».
وبحسب باوزير، فإن المنطقة العسكرية الأولى تستجيب مباشرةً للقادة في الرياض، وستُسلم مواقعها عند صدور الأوامر. ويعتقد أن مسألة التحالف القبلي ستُحل بتسوية قبلية، وهو سيناريو يُحذّر من أنه سيكون كارثياً على وحدة اليمن وسيادته. وتظل جميع الاحتمالات واردة.
من جانبه، يرى الشامي أن هذه التطورات تتزامن مع تنامي قدرات الردع في صنعاء، وتندرج ضمن مساعٍ سعودية إماراتية لفرض واقع جديد استباقاً للتحولات الإقليمية المتوقعة. ويرى أن ثمة مشروعاً أمريكياً «إسرائيلياً» يسعى لإضعاف اليمن والسيطرة على ممراته الاستراتيجية.
وأضاف أن التصعيد في حضرموت «يزيد تعقيد أي مسار سياسي للسلام، ويفتح الطريق أمام تفاقم الصراعات الداخلية، فيما يؤكد الردع اليمني المستمر من صنعاء أن الإرادة الوطنية لن تتراجع في وجه العدوان».
• مقاطعة عالقة بين الرعاة
أعرب الحضارم الذين تحدثوا إلى «ذا كريدل» عن إحباطهم العميق إزاء صراع يرونه خارجاً تماماً عن مصالحهم. أصبحت الفصائل المحلية أدواتٍ لأجنداتٍ إقليمية، وثروة المحافظة (نفطها وموانئها وجغرافيتها) جعلتها ورقة تفاوض في صراعٍ أكبر بكثير من اليمن.
خرجت الإمارات من هذه الجولة بسيطرتها الإقليمية الموسعة عبر مليشياتها على مناطق استراتيجية جديدة. في غضون ذلك، استغلت السعودية الوضع لإضعاف الإخوان المسلمين وإعادة ترتيب أوراق القوة لصالح عملائها، وخاصةً «درع الوطن».
لكن اللعبة الأوسع نطاقاً تبقى «الرقص على رؤوس الأفاعي». وكما هو الحال دائماً، فإن الخاسر الأكبر هو أهالي حضرموت، الواقفون على أرضٍ يطمع بها حلفاءٌ يتصرفون بشكل متزايد كخصوم.










المصدر ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا