بين يدي سيد المقاومة.. عامان على رحيلك في الحضور
- نشوان محسن دماج الأحد , 27 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:26:24 AM
- 0 تعليقات

نشوان دماج / لا ميديا -
في خضمّ الفوضى التي أعقبت أحداث عدن في العام 2015، برزت عبارة «الحوثيون احتلوا عدن» كوصف مختزل ومضلّل، لا يعكس تعقيد الواقع بقدر ما يخدم أجندة سياسية وعسكرية محددة. إن تفكيك هذه الأسطورة ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة لفهم كيف صُنعت الشرعية الزائفة لاحتلال اليمن تحت ذريعة «دعم الشرعية» و»مواجهة الاحتلال الحوثي».
لم تكن يوما عمامة ولا لحية، ولا اختزلتك الجبة إلى شكل. كنت دائما أوسع من أن تحتويك العيون، وكنا نرى فيك العيون نفسها التي تراك. نخضر أملا حينها ونغني بملء أعمارنا: أنت الأمل.
كنت تأتي من بعيد، من الجنوب الذي تعلّم أن يصغي إلى وقع الخطى، ومن القرى التي تعرف أسماء أبنائها واحدا واحدا، حتى صار صوتك مألوفا في البيوت، كأنك واحد من أهلها، يعرفون متى تبتسم، ومتى تصمت، ومتى ترفع يدك تحيينا.
ومن اليمن، من بلاد بعيدة عن بيروت في الجغرافيا، قريبة منها في الوجدان والمصير، كنا نراك كما لو أن بيننا وبينك نافذة واحدة لا بحرا ولا حدودا ولا أعداء ولا أعرابا. لم تكن المسافة بين صنعاء والضاحية الجنوبية تعني شيئا أمام شاشة صغيرة في غرفة يمنية، يجتمع حولها الرجال والنساء، ويصمت الأطفال حين يبدأ الصوت.
كان لبنان يأتي إلينا فيك. تأتي بيروت بشرفاتها، ويأتي الجنوب بجباله، وتأتي صور القرى التي لا نعرف أسماءها. يأتي كل شيء فيك، تجلس في بيوتنا دون موعد. في مقيل يمني طويل، أو في دكان صغير، أو في غرفة متواضعة أطفئت فيها أصوات المذياع والتلفاز الأخرى، كي لا يضيع حرف مما ستقول.
كان اليمني الذي أنهكته الحروب يعرف شيئا من لغة الجنوب. يعرف معنى أن يعيش الإنسان وفي رأسه وطن، وفي قلبه أمل، وفي عينيه جهة لا تُفقد بوصلتها. يعرف معنى أن يكبر الصبي قبل أوانه، وأن يصبح البيت ذاكرةً قبل أن يصبح جدارا، وأن يترك الناس خلفهم أسماءً لا يستطيعون تركها.
ولذلك لم يكن صوتك غريبا علينا أبدا. كان يصل من لبنان، فيجد في اليمن شيئا من صداه. نسمعك فنرى جبالنا أيضا، ونرى القرى التي تلتف حول صوتك كما تلتف الحكاية حول أهلها.
ولأنك سيد الحضور بلا منازع، فقد كان حضورك حاضرا في كل شيء. حتى في تلك الوقفة القصيرة قبل الجملة، في العينين حين تضيقان كأنهما تبحثان عن شيء أبعد من الحاضرين، في النظارة التي تنزعها من مكانها لتعيدها بعد رمشتين من أعيننا، وفي الصوت الذي يخرج هادئا، ثم يحتدم ليعود هادئا مرة أخرى، فيجد طريقه إلى آخر قلب.
كل القلوب كانت أنت، إلا قليلا آثر البقاء في العتمة. وحتى الذين اختلفوا معك، لم يستطيعوا أن يتجاهلوا حضورك. كنت من أولئك الذين لا يمرون في المشهد كما تمر الأسماء. وفي كل مرة تطل فيها لا بد من أن تترك وراءك سؤالا أو موقفا أو غضبا أو محبة أو خصومة، لكنك لا تترك فراغا.
ولذا حين غبت، لم يغب الصوت دفعة واحدة. ظل شيء منه معلّقا في الهواء، في الشوارع التي عرفت صورتك، وفي الوجوه التي حفظت خطبك، وفي أناس لم يروا فيك الرجل الذي يظهر على الشاشة فقط، وإنما رأوا زمنا كاملا مرّ من أمامهم وبقي في الذاكرة.
عامان منذ ذلك المساء الذي انشق فيه قلب الضاحية الجنوبية لبيروت تحت الغارات، وانطفأت معه شاشة كان الملايين يعرفون موعد ظهور صاحبها ونبرة صوته وطريقة ابتسامته، وحتى تلك الوقفة القصيرة التي كان يصمت فيها قبل أن يقول شيئا يعرف الناس أنه سيبقى في ذاكرتهم طويلا.
في اليوم التالي أعلنت المقاومة الإسلامية رسميا استشهادك كأمين عام لحزب الله. أما الذين أحبوك فلم يشعروا يومها أنهم فقدوا أمينا عاما. كان الفقد أكبر من منصب. حيث اعتادوا أن يجدوك في مكانك الذي تطل منه وبالهدوء الغريب الذي يجعل الجملة أثقل من الصراخ، والنظرة أبلغ من الكلام. كنت تقف أمام الكاميرا، فتبدو المسافة بينك وبين الذين يصغون إليك أقصر من المسافة بين شاشة وبيت.
مرّ عامان، وما زال صوتك أكثر حضورا يعود إليه الناس كملاذ.
وكيف لنا أن ننسى ذلك اليوم الذي أعلن فيه القاتل المجرم مقتلك. كان منتشيا أقصى درجات الانتشاء وبحيث لم تسعه القنوات ولا أخبارها العاجلة: قتلنا حسن نصر الله، قتلناه في غارة على الضاحية الجنوبية، قتلناه بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها أمينا عاما لحزب الله، قتلناه، قتلناه، قتلناه...
كان القاتل يقولها كما لو أنه اكتشف للتو أن الموت اختراع من صنع يديه، وكأن الذي غاب عن الشاشة قد غاب عن كل شيء. وكانت الشاشات تردد وراءه، من قناة إلى قناة، ومن خبر عاجل إلى خبر عاجل، ومن مذيع يرفع صوته إلى مذيع يرفع صوته أكثر: قتلناه. كأن العدو أراد أن يقنع نفسه قبل أن يقنع الآخرين بأن الغياب انتصار، وأن سقوط الجسد يعني سقوط كل ما تركه صاحبه وراءه.
وها هو منذ عامين، يطل كل يوم تقريبا على الشاشات المحتفية، ليقول الجملة نفسها: لقد قتلناه.
لكنه، في كل مرة، يبدو كأنه فقط يحصي أنفاسه. يريد أن يقول أكبر قدر من تلك الجملة ليثبت أنه انتصر.
وهكذا الذين احتفلوا بالخبر معه الصهيوني، فكأنهم أرادوا أن يقنعوا أنفسهم قبل أن يقنعوا الآخرين بأن الغياب انتصار، وأن سقوط الجسد يعني سقوط كل ما تركه صاحبه وراءه.
وهنا المفارقة التي لا ينتبه إليها المنتشي بانتصاره: أن المرء حين يُقتل مرة، لا يحتاج إلى من يثبت موته كل يوم. أما حين يظل قاتله مضطرا إلى إعلان قتله من وقت لآخر، فربما لأنه لم يستطع أن يطمئن إلى أن الخبر أنهى الحكاية.
لكن الحكاية هنا لا يمكن إنهاؤها. لأنها ببساطة هي الذاكرة. فحسن نصر الله ليس حكاية تنتهي حين ينتهي أصحابها، بل هو الحكاية حين تغدو ذاكرة.










المصدر نشوان محسن دماج
زيارة جميع مقالات: نشوان محسن دماج