نبيل الجمل

نبيل الجمل / لا ميديا -
تشرق في كل عام ذكرى عاشوراء، لا لتفتح جرحاً قديماً في جسد الأمة، بل لتسلط الضوء على أعظم مدرسة صاغت معالم الحرية والكرامة الإنسانية. مدرسة كربلاء لم تكن مجرد واقعة عسكرية انتهت بانتصار القوة المادية، بل كانت صرخة حق أزلية تتردد أصداؤها عبر العصور لتهز عروش المستكبرين وتوقظ الضمائر الغافلة. إن العظة الأولى والدرس الأكبر الذي يتدفق من نهر الدم الطاهر في كربلاء هو حتمية انتصار الدم على السيف؛ فالسيف، ومعه آلة البطش والمال والإعلام المضلل، قد يفوز بجولة مادية خاطفة؛ لكن الدم المظلوم المسلح بالإيمان والوعي يستقر في وجدان التاريخ منهجاً ملهماً للثوار، بينما يرتد السيف غلافاً من العار والخسران يلاحق الطغاة في كل جيل.
وتتجلى في عاشوراء العبرة البالغة في خطورة «المنطقة الرمادية» والتخاذل وقت المحن الكبرى؛ إذ كشفت كربلاء زيف الادعاءات، وفضحت طبيعة المجتمع الذي استسلم للترهيب والترغيب، فمن سمع واعية الحسين ولم ينصره، أو رضي بظلم بني أمية ولزم الصمت والقعود، قد شارك في سفك ذلك الدم الطاهر بطريقة أو بأخرى. هذا الدرس يضع الإنسانية دائماً أمام مسؤوليتها في مواجهة الاستكبار العالمي وقوى البغي، مؤكداً أن كلفة المقاومة والجهاد لحفظ العزة والكرامة أقل بكثير من الكلفة المذلة للسكوت والاستسلام، التي تدفعها الشعوب من دينها، وحريتها، ومقدراتها.
ومن عمق المأساة، تولد أعظم الدروس الأخلاقية والتربوية في التلازم الإيماني بين القول والعمل، وفي أهمية الالتفاف حول القيادة الربانية البصيرة؛ فالإمام الحسين عليه السلام لم يكن يبحث عن مغنم أو سلطة، بل كان يترجم قيم القرآن عملاً وتضحية وهو يرى انحراف الأمة، مجسداً شجاعة الأنبياء في الثبات وحيداً أمام جحافل الأعداء برباطة جأش تزلزل الجبال. وفي هذا الفضاء الإيماني، ارتقت قيم الوفاء والتضحية والإيثار إلى أسمى تجلياتها الإنسانية، من خلال بطولات أهل بيته وأصحابه، الذين قدموا أرواحهم طواعية ورأوا الموت في نصرة الحق والعدالة لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة، فصاروا دستوراً حياً للأحرار، يثبت للعالمين أن الأمة الحرة هي التي تصنع من الشهادة فجراً لبعثها، وترفع شعار «هيهات منا الذلة» سلاحاً أبدياً يحطم أغلال العبودية والظلم والطغيان في كل زمان ومكان.

أترك تعليقاً

التعليقات