اليمن بالحبر الغربي - العدد «1964»
- تم النشر بواسطة اليمن بالحبر الغربـي / لا ميديا
إعـداد:علي عطروس
معادلـة العالـــم الجديــــد..
خلال الأيام السبعة الماضية، زحفت كبرى الصحف ومراكز الأبحاث الدولية والعبرية/ الصهيونية نحو حقيقة واحدة تجنبتها لسنوات: إن اليمن الذي أرادوا إعادته إلى القرون الوسطى بحصارهم وقصفهم، قد أصبح اليوم قوة إقليمية تملي شروط الملاحة، وتخنق اقتصاد البترودولار، وتدفع حكام الرياض إلى التنقل بين الملاجئ، وتجبر قوات العدو الصهيوني على الهروب نحو تأسيس «لواء الفضاء» بحثاً عن طوق نجاة من صواريخ صنعاء.
في هذا العدد لا نكتفي بنقل ما كتبوه، بل نضع شيفرتنا النقدية على كلمتهم، ليعلم القارئ كيف يتحول التضليل الغربي حين يصطدم بالواقع اليمني إلى مجرد صراخ مكتوب. اقرؤوا ما كتبوه، وانظروا كيف يصنع الإيمان والموقف معادلة العالم الجديد.
أعاصير اليمن تعصف بعرش الرماد السعودي
تضاربت الروايات الغربية وتوحدت نتائجها الميدانية؛ فلم تعد المعركة مجرد اشتباك حدودي، بل تحولت إلى تهديد وجودي يضرب رأس الهرم السياسي والنفطي في المملكة السعودية. تكشف التغطيات الدولية الأخيرة عن تحول دراماتيكي في مسار الصراع؛ إذ بات الموقف السعودي محاصراً بضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة.
تؤكد كبرى الصحف الأمريكية والبريطانية أن الهجمات اليمنية الأخيرة قد أدخلت عائلة المُلك السعودي في حالة من الذعر والارتباك التكتيكي. وبينما تتحدث التقارير عن تنقل ولي عهد السعودية، محمد سلمان، بين ملاجئ شديدة الحراسة في جدة، تتزايد العزلة السعودية في ظل رفض واشنطن الانخراط العسكري المباشر لحماية الرياض، واقتصار الموقف الأمريكي على تقديم الدعم الاستخباري والدفاع الجوي المشروط. وفي الوقت نفسه، تلجأ الرياض إلى تشكيل تحالفات دفاعية جديدة مع باكستان وتركيا بموجب «ميثاق مكة» للبحث عن بدائل أمنية. غير أن هذه الخطوات تظل قاصرة عن توفير التغطية الشاملة لمساحة شاسعة تتعرض لدك صاروخي متواصل.
ويتكامل ذلك مع تقارير بريطانية وأمريكية تؤكد الإعلانات الرسمية عن نشر أصول دفاع جوي وطائرات ومستشارين عسكريين بريطانيين وفرنسيين ويونان وغيرهم لحماية الرياض، وسط اعترافات دبلوماسية غربية بأن «الحبل المشدود» الذي تسير عليه السعودية يكاد أن ينقطع؛ إذ تجد المملكة نفسها عاجزة عن كسر إرادة القرار اليمني المستقل الذي ربط استقرارها بإيقاف العدوان ورفع الحصار.
يسعون إلى تصوير بن سلمان كضحية لـ«التصعيد الشديد»، بينما يتجاهلون أن الرياض هي من بدأت العدوان ورعت الحصار لسنوات.
يتحدثون عن «ملاجئ جدة» و«التبرع بالدم» لمحاولة إضفاء طابع إنساني على حاكم محاصر؛ لكن الحقيقة العارية في تقاريرهم هي أن ملياراً يُنفق على السلاح الغربي لم يوفر الأمان لمطار العاصمة.
يزعمون أن اليمن يتصرف بـ«دوافع إيرانية»، فيما تعترف تحليلاتهم ذاتها بأن القرار اليمني يتجاوز أي حسابات إقليمية، ويرتكز على عقدة سيادية وتاريخية لا يفهمها منطق الوصاية!
هل أصبحت «تل أبيب» العمق الاستخباري لعاصفة الرياض الخاسرة؟
يكشف رصد الإعلام ومراكز الأبحاث الصهيونية، خلال الأسبوع المنصرم، عن حالة فريدة من الذهول والارتباك داخل المؤسسة العسكرية والاستراتيجية للعدو الصهيوني؛ إذ أدت المواجهة المباشرة مع الصواريخ والمسيّرات اليمنية إلى فرض إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الدفاع الجوي والفضائي لقوات الاحتلال «الإسرائيلي».
وتفيد التقارير الصادرة عن صحف «معاريف» و»إسرائيل اليوم» و»معهد IPS» بأن رئيس أركان العدو ووزير دفاعه إسرائيل كاتس قد أُجبروا على إعلان تأسيس «لواء الفضاء» كذراع عسكري جديد في «الجيش الإسرائيلي»، بقيادة ضباط برتب رفيعة، لمواجهة الصواريخ الباليستية اليمنية العابرة للمدارات الجوية. ويعترف القادة العسكريون الصهاينة بأن الرهان على تفوق الطيران لم يعد كافياً لوقف الإطلاق المباشر من الصحارى والمناطق الجبلية اليمنية، وأن أي إخطار صاروخي يستوجب مجسات فضائية متطورة للغاية.
وفي البُعد الإقليمي، تكشف صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «واللا» الصهيوني، نقلاً عن مسؤولين أمنيين صهاينة، أن الاستخبارات العسكرية «الإسرائيلية» (الوحدة 9900) تواصل تزويد الجيش السعودي ببيانات استخباراتية وفضائية عالية الدقة لبناء «بنك أهداف» داخل اليمن. وتؤكد المصادر الصهيونية أن حرب السعودية في اليمن «تخدم مصالح تل أبيب بامتياز»، لأنها تؤدي إلى استنزاف القدرات التسليحية لعدو جدي يستعد لمواجهة «تل أبيب» مباشرة، معربة عن ارتياح الكيان لتوسع المواجهة الإقليمية، ورصد التكتيكات اليمنية المتطورة، للتعلم منها في المواجهات القادمة.
يتباهى قادة الكيان بـ»سلاح الفضاء» و«حيتس 5»، وكأن المدارات الفضائية ستمنع صواريخ اليمن من إصابة أهدافها! أليس مضحكاً أن القوات التي تنادي بـ»حرب النجوم» تعجز عن حماية مطاراتها ومرافقها من مسيّرة يمنية بدائية الكلفة سريعة التجاوز؟! أمّا حديثهم عن تقديم المعلومات الاستخباراتية للرياض، فهو إقرار صريح ومكشوف بالتحالف العضوي بين بني سعود والكيان الصهيوني؛ فتحت ذريعة «تقويض قدرات الحوثيين»، يلتقي الفشل الصهيوني مع (الفَسْل) السعودي في غرفة عمليات واحدة برعاية أمريكية!
على كرسي الاعتراف
«لم يغادر عبد الملك الحوثي اليمن قط، ونادراً ما سافر إلى خارج صعدة. ومع ذلك، فإن الرجل، بصفته زعيم الجماعة، أصبح شخصية متزايدة الأهمية على الساحة العالمية، وقادرة على إرباك أسواق النفط وتهديد طموحات محمد بن سلمان».
وكالة «بلومبيرغ» (Bloomberg)
«التقيتُ محمد بن سلمان بعد فترة وجيزة من تعيينه وزيراً للدفاع في أوائل العام 2015. وكان آنذاك ينظّم انطلاق تحالف عسكري بقيادة السعودية لمحاربة قوات الحوثيين المتمردة، التي أطاحت بالحكومة المدعومة من السعودية في اليمن. وقال بثقة: «سنقضي على الحوثيين خلال شهرين»، ثم أضاف: «وبعد ذلك سنوجّه اهتمامنا إلى تسوية الأوضاع في الشمال»، في إشارة واضحة على ما يبدو إلى سورية والعراق. نظرتُ إليه بنظرة جامدة لا تعكس أي تعبير، وتساءلتُ في نفسي عمّا كان يدخّنه».
جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) الأسبق (John Brennan)، «Undaunted: My Twenty Years in the CIA and the National Security Council»-
أكتوبر 2020
«ما أسرع تقلّب الأحوال؛ فقبل عام من الآن كان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يتطلع إلى قيادة العالمين العربي والإسلامي. أما اليوم فقد باتت مملكته في وضع دفاعي، ويواجه بقاؤها نفسه تهديداً».
«وول ستريت جورنال»
(The Wall Street Journal)
«يطبق الحوثيون استراتيجية يلخصونها في شعار: «ميناء مقابل ميناء، ومطار مقابل مطار، وحصار مقابل حصار».
وإذا لم تقبل السعودية بالوضع الراهن الناشئ، فسيتعين عليها الإقرار بأن الحوثيين سيصبحون قوة إقليمية مهيمنة».
صحيفة «واشنطن بوست»
(The Washington Post)
«محمد بن سلمان محاصر في ملجأ مهجور. حراس باكستانيون يحرسون التاج لا الحدود. لقد جعل نفسه لا غنى عنه، وهو أكثر ما يمكن استبداله في الإنسان».
موقع «فاونتنبريدج» (Fountainbridge)
«مصدر أمني إسرائيلي: ما يجري من هجمات تنفذها السعودية في اليمن يخدم إسرائيل إلى حدّ كبير، لأنه يستنزف القوة العسكرية لعدوٍّ لإسرائيل يستعدّ ويتهيّأ لاستهدافنا مستقبلًا».
موقع «واللا» الصهيوني (Walla! News)
«وحدة 9900 في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تواصل تزويد السعودية بقدرات استخباراتية متميزة تساعد عملياتها العسكرية ضد الحوثيين، وذلك بوساطة أمريكية».
- صحيفة «جيروزاليم بوست»
(The Jerusalem Post)
«عندما سألتُ ابن سلمان في زيارة سرية عام 2021 عن رؤيته بعد ثلاث سنوات، أجاب: «أود أن أناقش معكم الاعتراف إسرائيل».
المسؤول السابق بريت ماكغورك
(Brett McGurk)
«انقلبت الخريطة الآن، وباتت السفارات والشركات توصي مواطنيها وموظفيها بالتوجه إلى دول الخليج المجاورة والسفر جواً من هناك. والعديد يفرون عبر البحرين».
وكالة «رويترز» (Reuters -
كبير المراسلين تيمور أزهري)
«من خلال سعيها إلى إبقاء اليمن ضعيفاً ومفككاً، ساهمت السعودية، «من دون قصد»، في نشوء خصم موحّد يشكّل تهديداً لأمن المملكة. والسياسة السعودية تجاه اليمن قدّمت خدمة مباشرة للحرس الثوري الإيراني».
مجلة «ناشيونال إنترست» (The National Interest - آشر أوركابي)
شلل البترودولار والهروب من القصف إلى القصيم
لم تعد الضربات اليمنية تقاس بالأضرار المادية المباشرة فحسب، بل أحدثت زلزالاً يضرب عمق النموذج الاقتصادي للمملكة السعودية، ويهدد طموحات «رؤية 2030» في مقتل. تعكس التقارير الصادرة عن الصحافة الاقتصادية الدولية (Financial Times, CNBC, Bloomberg, The Economist) مظاهر الشلل المتزايد في مفاصل الاقتصاد السعودي.
وتؤكد «فايننشال تايمز» أن أسعار استئجار الطائرات الخاصة المغادرة من السعودية قد قفزت بنسبة تجاوزت 50%، وارتفع أسطول «الشارتر» إلى أسعار خيالية (مثل رحلة القصيم-جنيف التي بلغت 94 ألف يورو)، في ظل إغلاق مطار الملك خالد الدولي بالرياض وتأجيل وإلغاء أكثر من 5500 رحلة تجارية. وأفادت الوكالات الدولية بأن كبار التنفيذيين الغربيين ومراسلي الصحف ركبوا الحافلات والسيارات براً عبر البحرين للفرار، بينما اضطرت الشركات إلى تعليق خدماتها بسبب ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.
وعلى الصعيد الاستثماري، شكل قرار تأجيل مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» (المعروف بـ«دافوس الصحراء») إلى العام 2027، ضربة قاضية لجهود جذب رؤوس الأموال الأجنبية؛ إذ اعتذر رؤساء بنوك عالمية مثل (JPMorgan) و(Goldman Sachs) و(BlackRock) عن الحضور. وتتكامل هذه المشهدية مع تراجع مؤشر السوق السعودي خلال 8 أسابيع متتالية، في أطول سلسلة خسائر منذ 32 عاماً، وانكمش الناتج المحلي المتوقع بنسبة 3.3%، ولمح الاتحاد الآسيوي والياباني لكرة القدم إلى طلب نقل بطولة كأس آسيا خارج المملكة نتيجة المخاطر الأمنية الكارثية.
وتبددت أوهام «نيوم» و»دافوس الصحراء» أمام أول اختبار حقيقي للردع اليمني! أين ذهبت الاستثمارات المليارية والوعود البراقة بإنهاء الاعتماد على النفط؟! لقد أثبتت الأيام أن كبار التنفيذيين يفرون براً عبر البحرين ويشترون تذاكر الطيران الخاص بـ 94 ألف يورو عند أول صفارة إنذار، بينما تكتفي السلطات بطلب الصمت وتأجيل المؤتمرات! اقتصاد البترودولار الذي بُني على استنزاف الشعوب يكتشف اليوم أن الأمن لا يُشترى بصفقات كوشنر ولا برعايات بطولات الجولف!
كواليس التضليل ووراثة الخيبة..«ستارلينك» - «إبستين»
تفتح الصحافة الاستقصائية الغربية، في أعدادها الأخيرة، ملفات الكواليس السياسية والإعلامية التي دارت خلف أروقة واشنطن والرياض؛ كاشفةً عن حالة من العجز السياسي والتضليل الممنهج الذي تمارسه الإدارات الأمريكية وحلفاؤها لتغطية الفشل العسكري في اليمن.
فتسلّط صحيفة «نيويورك تايمز» الضوء على الحرب الإعلامية والدعائية المتصاعدة، مشيرةً إلى الاستغلال الذكي والفعال من قبل الإعلام اليمني لملفات الشبهات الأخلاقية والسياسية الغربية، وعلى رأسها «ملفات جيفري إبستين» ونشر تسريبات النسائج والصلات الموثقة بالبلاط الملكي السعودي، مما جرد الرياض من محاولات الاستعطاف الديني بعد حادثة المطار. وفي السياق التقني، تكشف وكالة «رويترز» عن ضغوط مارستها إدارتا بايدن وترامب على إيلون ماسك لتعديل وتقييد خدمات الأقمار الصناعية
«ستارلينك» في «الشرق الأوسط» واليمن لمنع أنصار الله من استخدامها في الاتصالات وتوجيه الضربات البحرية.
وعلى المستوى الاستراتيجي، تؤكد تسريبات المنسق السابق للبيت الأبيض، بريت ماكغورك، ومقالات «ناشيونال إنترست» و»ريسبونسيبل ستيتكرافت» أن التدخل السعودي التاريخي في اليمن منذ عقود -والذي قام على تفتيت اليمن وإضعافه- هو الذي صنع اليوم النخبة اليمنية الصلبة والمرعبة للرياض. وبينما يُظهر الكاتب والصحفي بيبي إسكوبار أن نضال الشعب اليمني في باب المندب يمثل رأس الحربة لدول الجنوب العالمي ضد الهيمنة الاستعمارية والغربية، تخلص أدبيات مراكز الأبحاث الأمريكية إلى أن خيارات واشنطن والرياض قد وصلت إلى ممر مسدود؛ إذ لا القصف الجوي قادر على الحسم، ولا الحصار القاسي قادر على زحزحة موقف صنعاء الشامل.
يحاول الإعلام الأمريكي حصر القضية في «حرب دعائية» حول إبستين أو «تعديل ستارلينك»، وكأن المسألة مجرد مناورة إعلامية أو ثغرة تقنية! تناسى هؤلاء أن القضية بالنسبة للشعب اليمني هي قضية وجود وسيادة ودفاع عن أمة تُباد وتُحاصر. يعترف بريت ماكغورك وخبراء واشنطن بأنهم جربوا كل أشكال الابتزاز والصفقات الخلفية للتطبيع والإخضاع وفشلوا. لقد انقلب السحر على الساحر. واليمن الذي أرادوا إبقاءه خائفاً ومفككاً، بات اليوم يفرض معادلاته على خارطة «الشرق الأوسط» والعالم!










المصدر اليمن بالحبر الغربـي / لا ميديا