دمشق - خاص / لا ميديا -
سلسلة أحداث وأخبار تخص سورية، خلال الأيام القليلة الماضية، تبدو في ظاهرها أخباراً متنوعة، لكن البحث فيها يُظهر أنها مترابطة مع بعضها وبقوة، وتشير إلى أكثر من مسار تسير فيه سورية والمنطقة؛ أبرزها:
- رئيس حكومة الاحتلال «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو يقوم بزيارة -استفزازية- إلى مرتفعات الجولان السورية المحتلة، والمشرفة على سورية ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة.
- قوات من فصائل مسلحة منضوية تحت إمرة «الجيش السوري» الجديد للقتال في اليمن.
- انفجار كبير في موقع لتخزين أسلحة قرب بلدة سرمدا في محافظة إدلب، شمال غرب سورية.
- حرب بيانات دمشقية، وفي أكثر من اتجاه. 
فرئيس حكومة الاحتلال «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، يقف -بكل صفاقة ووقاحة- فوق أرض سورية محتلة، يستعرض فائض القوة التي بات يشعر بها، بعد التغيير في سورية وما حدث في غزة وجنوب لبنان، ويقول وهو يؤشر إلى الأماكن التي يقصدها: «نحن في قمة جبل الشيخ. دمشق هنا، ولبنان هناك، وهضبة الجولان السورية هناك، ونحن نسيطر على كل المنطقة من قمة جبل الشيخ وحتى نهر اليرموك، ومن هنا حتى البحر المتوسط، سيطرة مطلقة لم يكن لها مثيل».
من جانبه وزير حرب الكيان، يسرائيل كاتس، تعهد، أثناء مرافقته نتنياهو، بعدم الانسحاب من هذه المنطقة، ووجّه رسالة خاصة إلى رئيس السلطة السورية «أحمد الشرع» (أبو محمد الجولاني) قال فيها: «نوجّه من هنا رسالة قوية وواضحة جداً، إلى رئيس سورية، الذي يجلس على بُعد 35 كيلومتراً من هنا، في قصره بدمشق: نحن هنا على جبل الشيخ، نحن في المنطقة الأمنية، ولن نتحرك من هنا».
كل هذا الاستفزاز والتحديات، قابلته السلطات السورية ببيان من وزارة الخارجية وصف زيارة نتنياهو بالاستفزازية، وبأنه «الدخول غير الشرعي لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الأراضي السورية».
البيان اعتبر الزيارة وما رافقها من تصريحات «انتهاكاً صارخاً لسيادة سورية ووحدة أراضيها، وللقانون الدولي».
ودعت الخارجية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والدول الفاعلة «إلى تحمّل مسؤولياتها، لوقف هذه الاعتداءات، والعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974».
أما ما هو ملفت أكثر فهو أن كل هذه الاستفزازات والتحديات «الإسرائيلية» جاءت مترافقة مع إرسال قوات سورية، من فصائل مساحة منضوية تحت قيادة الجيش السوري الجديد، إلى اليمن، للقتال إلى جانب القوات المدعومة من السعودية والإمارات، ضد «الحوثيين» (أنصار الله). وما هو مأساوي أكثر أن أعداداً كبيرة من هؤلاء المقاتلين وقعوا في الأسر، بعد وقت قصير من دخولهم المعارك.
أما التفجير الكبير الذي حدث في موقع يتم فيه تخزين الأسلحة القديمة، قرب بلدة سرمدا في محافظة إدلب، شمال غرب سورية، والقريبة من الحدود التركية، فقد نتج عنه مقتل أكثر من خمسة عشر جندياً وجرح العشرات، وحدوث تدمير كبير في المكان. لكن ما هو لا فت أن معلومات -غير رسمية- قالت إن التفجير لم يكن بسبب وجود مستودع الذخيرة القديمة - كما قال بيان ووزارة الدفاع السورية، وإنما جاء من الجو، بواسطة طائرة مسيّرة، وأن المستهدف هو القيادي السابق في «جبهة النصرة» (أبو سليمان دارة عزة)، والذي كان يعمل أمنياً مقرباً من الجولاني قبل سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وهو من التيار الجهادي السوري، الذي أصبح يتهم الجولاني وبعض المقربين منه في الحكومة بأنهم انسلخوا عن دينهم.
وحين حدوث الانفجار -بحسب المعلومات- كان أبو سليمان مجتمعاً مع عدد الجهاديين السوريين والأجانب، وبعض ضباط الجيش الحر، لبحث تشكيل كتلة إسلامية داخل السلطة تعمل على التغيير من داخله، وتم استهدافهم بمسيّرة أمريكية.
وهذا الاستهداف يأتي ضمن سياسة التخلص من المتطرفين والأجانب وأصحاب الأفكار والمشاريع الجهادية، وهو ما تضمنته الشروط الأمريكية والأممية، لإضفاء الشرعية على السلطة السورية، كما أصبح مطلباً داخلياً، ولا بد منه للعمل في إطار مؤسسات الدولة. 
وتشهد دمشق فوضى بيانات وبيانات مضادة، حول عدة مواضيع، بدأت مع قرار وزارة التربية فصل الشباب عن البنات في المدارس، إذ كانت مختلطة في معظمها، واستكملت مع حفلة الفنانة أصالة نصري، المقررة في السابع عشر من الشهر الجاري، والتي اعتبرها بيان (يقف وراءه الداعية المصري المعروف بالشيخ الذهبي، والذي يثير  الجدل في سورية، ويدعو إلى تنقيب النساء السوريات) بأنها فسوق وفجور وقيم غريبة تتناقض مع الشريعة الإسلامية والمجتمع الدمشقي. واستنكر بيان آخر لنخب ومثقفين دمشقيين «ما تحاول فرضه بغض التيارات الراديكالية المتطرفة من تقزيم لهوية دمشق، وتمزيق لقيم الحرية والمساواة، التي لطالما تحلى بها المجتمع الدمشقي».
هذه الحملة ترافقت مع قيام مجهولين بفبركة فيلم إباحي، بواسطة الذكاء الصناعي، يستهدف السياسي ورجل الدين الدكتور محمد حبش، المعروف بانفتاحه وثقافته العالية، ومعاداته للطائفية، وله نشاطات عربية وعالمية تحاول إعطاء صورة منفتحة عن الدين الإسلامي.
قوبلت هذه الخطوة بموجة من البيانات من نخب ثقافية وسياسية واجتماعية ودينية سورية تستنكر هذه العملية، وتدافع عن الدكتور حبش، وعن الأفكار والقيم التي يعمل لأجلها.
قد تبدو هذه الأخبار متفرقة، في بلد يسعى إلى الاستقرار بعد التغيير الدراماتيكي الذي أدى إلى سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ووصول حركة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها بقيادة الجولاني إلى السلطة؛ لكن الحقيقة أنها تبدو كحبات المسبحة، التي يجمع بينها خيط واحد، وتدور كلها حول الصراع الشرس الجاري لتحديد هوية سورية، السياسية والاجتماعية والدينية، والتي تحولت مع التطورات المتسارعة التي تجري، إلى واحد من أهم المواقع الجيوسياسية في العالم، باعتبارها تشكل الممر والمركز لمشاريع خطوط إنتاج ونقل الطاقة والتواصل البري بين الخليج وتركيا وأوروبا، وكمركز رئيس للتحول الرقمي الجاري في العالم، وبموقعها في قلب منطقة غرب آسيا وشرق المتوسط، وهي المنطقة التي كانت على مدى التاريخ المؤشر إلى صعود وهبوط الامبراطوريات والدول العظمى، وهي التي تشهد اليوم صراعات شرسة ستتحدد بنتيجتها معالم الخريطة الجيوسياسية وتوازنات القوى والقوة في المنطقة والعالم، ومن سيحسم هذا الصراع لصالحه ستكون له اليد الطولى في رسم هذه الخرائط، وسيضمن الهيمنة على المنطقة والعالم لمئة عام قادمة.