الساحل الغربي بعد تبدّل الموازين.. اليمن في قلب إعادة تشكيل الإقليم
- أمل المالكي الأحد , 13 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:08:47 AM
- 0 تعليقات

أمل المالكي / لا ميديا -
لم يعد ما يجري في الساحل الغربي اليمني شأناً عسكرياً محلياً يمكن فصله عن بقية المشهد، فالموقع الجغرافي للساحل، وقربه من باب المندب، يجعلان أي تحول فيه مرتبطاً مباشرة بحسابات البحر الأحمر والخليج والطاقة والتجارة الدولية.
والمستجدات الميدانية الأخيرة، وفق المعطيات المتداولة، تفتح أمام اليمن والمنطقة مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم تعد فيها الجغرافيا مجرد مساحة للصراع، بل عاملاً مؤثراً في صياغة القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية.
الساحل الغربي يعيد تعريف أهميته
طوال سنوات الحرب، ظل الساحل الغربي إحدى أكثر المناطق حساسية في الصراع اليمني، بسبب إشرافه على البحر الأحمر وارتباطه بممر بحري عالمي.
لكن المتغير الأهم اليوم هو أن أي تبدل في موازين السيطرة على هذه المنطقة ينعكس على مجمل الحسابات المحيطة بباب المندب.
هذا يعني أن القوى الإقليمية لن تنظر إلى التطورات باعتبارها معركة على مواقع عسكرية فقط، وإنما باعتبارها تحولاً يمكن أن يؤثر في مستقبل الملاحة والطاقة والأمن البحري.
فباب المندب ليس طريقاً للسفن فحسب؛ إنه جزء من منظومة اقتصادية تمتد من آسيا إلى أوروبا، وأي اضطراب فيه يرفع كلفة النقل والتأمين ويضغط على الأسواق العالمية. وتشير تقديرات حديثة إلى أن المضيق يحمل نسبة مهمة من حركة الطاقة والتجارة العالمية.
الإقليم يتحرك في أكثر من اتجاه
المشهد اليمني لا يمكن قراءته بمعزل عن التوتر الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، ولا عن استمرار الصراع «الإسرائيلي» - الفلسطيني، ولا عن التنافس السعودي - الإيراني.
فالمنطقة دخلت مرحلة تتداخل فيها الملفات بصورة غير مسبوقة: الخليج مرتبط بأمن الطاقة، والبحر الأحمر مرتبط بالتجارة، و»إسرائيل» مرتبطة بالحسابات البحرية، واليمن يقع عند نقطة التقاء هذه الدوائر. ولهذا فإن أي تصعيد في جبهة واحدة يمكن أن ينتقل تأثيره إلى جبهة أخرى.
وهذه هي خطورة المرحلة؛ لأن المنطقة لم تعد أمام أزمات منفصلة، بل أمام سلسلة أزمات مترابطة.
هرمز وباب المندب.. الجغرافيا تتحول إلى اقتصاد
أثبتت التطورات الأخيرة أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية عسكرية فقط.
فاضطراب هرمز ينعكس على أسواق النفط، بينما اضطراب باب المندب يضغط على حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. وقد حذرت تقارير دولية من أن التزامن بين اضطرابات الممرين يمكن أن يضاعف الضغوط على الأسواق وسلاسل الإمداد.
وهنا يكتسب اليمن أهمية إضافية؛ فموقعه يجعله لاعباً لا يمكن تجاوزه عند بحث مستقبل البحر الأحمر.
السعودية أمام معادلة أكثر تعقيداً
بالنسبة إلى السعودية، لم يعد الملف اليمني مجرد مسألة أمن حدودي.
فالرياض تواجه اليوم معادلة تجمع بين حماية المنشآت والطاقة، وتأمين طرق التجارة، وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية أوسع. ولهذا اتجهت السعودية، خلال الفترة الأخيرة، إلى الجمع بين أدوات الردع والتحرك الدبلوماسي وبناء ترتيبات دفاعية إقليمية، في محاولة لمنع توسع دائرة المواجهة.
ومن هنا فإن التسوية اليمنية قد تصبح بالنسبة إلى الرياض جزءاً من استراتيجية أمن إقليمي أوسع، وليس مجرد اتفاق لإنهاء حرب قديمة.
«إسرائيل».. البحر الأحمر في الحساب الأمني
أما «إسرائيل» فتتعامل مع البحر الأحمر باعتباره جزءاً من أمنها البحري والتجاري.
وأي تغير في البيئة المحيطة بباب المندب يفرض عليها إعادة تقييم حركة السفن وخطوط الإمداد والخيارات الأمنية.
لذلك فإن التطورات في الساحل الغربي لا تُقرأ في «تل أبيب» باعتبارها ملفاً يمنياً داخلياً فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من بيئة استراتيجية أوسع تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
الولايات المتحدة والقوى الدولية
واشنطن بدورها تنظر إلى باب المندب من زاوية مختلفة: حماية الملاحة، أمن الطاقة، وحماية المصالح التجارية الدولية. لكن التجربة أثبتت أن الانتشار العسكري وحده لا يستطيع إنتاج استقرار دائم.
فكلما بقيت أسباب الصراع السياسي والاقتصادي قائمة، ظل البحر معرضاً للارتداد من البر. ولهذا فإن أي مقاربة دولية جادة تحتاج إلى معالجة أصل الأزمة اليمنية، وليس الاكتفاء بحماية السفن بعد اندلاع الخطر.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد المعركة
وإذا كانت التطورات العسكرية قد أعادت ترتيب مواقع القوة، فإن التحدي الأكبر سيكون في اليوم التالي.
اليمن بحاجة إلى تحويل أي مكاسب ميدانية إلى واقع سياسي واقتصادي أفضل: مؤسسات تعمل، طرق مفتوحة، مرتبات منتظمة، موارد وطنية محمية، إعادة إعمار، وبيئة تسمح لليمنيين باستعادة حياتهم.
فالقوة العسكرية لا تكفي لبناء دولة، والانتصار الميداني لا يصبح إنجازاً تاريخياً إلا عندما يترجم إلى أمن واستقرار وتنمية.
اليمن داخل المشهد الجديد
ما يحدث في الساحل الغربي يؤكد أن اليمن لم يعد ملفاً هامشياً في حسابات المنطقة.
فالجغرافيا اليمنية تقع عند نقطة تتقاطع فيها مصالح الخليج والبحر الأحمر و«إسرائيل» والولايات المتحدة والقوى الآسيوية والأوروبية.
ومن هنا فإن مستقبل اليمن سيكون مرتبطاً بدرجة كبيرة بكيفية إدارة هذه المرحلة: هل تتحول الجغرافيا إلى مصدر صراع دائم، أم تتحول إلى عامل جذب للاستقرار والتعاون الاقتصادي؟ ذلك هو السؤال الحقيقي.
الخلاصة: المشهد الإقليمي يتغير بسرعة، واليمن يقف في قلب واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
الساحل الغربي وباب المندب، إلى جانب هرمز، أصبحت أجزاء من منظومة واحدة تتصل بالطاقة والتجارة والأمن الدولي. ولهذا فإن تجاهل العامل اليمني لم يعد خياراً واقعياً أمام أي قوة إقليمية أو دولية.
لقد انتقلت أهمية اليمن من حدود الجغرافيا إلى صميم الحسابات الإقليمية، وأصبح مستقبل البحر الأحمر مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بمستقبل الاستقرار في اليمن نفسه.
والمرحلة القادمة لن تحددها الجبهات وحدها، بل ستحددها قدرة الأطراف على فهم المتغيرات الجديدة وصناعة تسوية تمنع تحويل اليمن والبحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة لصراع إقليمي بلا نهاية.
يا أهل اليمن، لكم في الكعبة ركن اسمه «الركن اليماني»، ولكم في السماء نجم «سهيل»، ولكم أربعون حديثاً عن رسولنا الكريم (ص) في فضائل أهل اليمن، فلكم من العراق ألف تحية.
إعلامية عراقية










المصدر أمل المالكي
زيارة جميع مقالات: أمل المالكي