قسم التحقيقات / لا ميديا -
لم يعد الوقوف في تقاطعات الطرق هو المشهد الوحيد لظاهرة التسول في اليمن؛ فالحاجة القاسية التي أفرزتها سنوات العدوان والحصار، تحولت إلى ستار تستغله عصابات منظمة لابتزاز عاطفة المجتمع، سواء عبر استئجار الأطفال في الجولات أو من خلال شاشات الهواتف فيما بات يُعرف بـ«التسول الرقمي».
وبين مطرقة الفقر الموجع الذي يطحن الفئات الهشة ويسحق طموحاتهم، وسندان الاستغلال والاتجار بالبشر الذي يغتال الثقة المجتمعية ويسد أبواب الخير، تبدو المعالجات الرسمية وحملات المكافحة قاصرة، وتدور غالباً في حلقة مفرغة من الاحتجاز المؤقت والجباية، في ظل غياب أرقام دقيقة وحلول مستدامة للتمكين الاقتصادي.
في هذا التحقيق تفتح صحيفة «لا» ملف «التسول» بأبعاده الشائكة؛ لترصد لغة الأرقام والفجوات المخفية، وتستمع لأوجاع الضحايا على الأرصفة، متتبعةً خيوط الجريمة المركبة عبر الرؤى القانونية والدينية والاجتماعية، وصولاً إلى الموجهات الشاملة التي تضع خريطة طريق جذرية لإنقاذ المجتمع من هذه الظاهرة الخطيرة.

الحاجة تجبرنا
وسط حرارة الشمس اللافحة، راقبنا شكرية (23 عاماً)، بملابسها اللائقة، من يراها أمام أحد المطاعم لا يظن أنها متسولة؛ كانت تتنقل بخفة بين المارة والسيارات، وكأن لديها فراسة لتشخيص من قد يستجيب لطلبها. وحين اقتربنا لأخذ رأيها طلبت مبلغاً من المال أولاً، ولم تبح بوجعها إلا بعد أن اطمأنت تماماً لعدم تضررها.
تبدأ شكرية حديثها قائلة: «وضعنا في البيت سيئ جداً. أمي تعبانة، وأبوي حالته النفسية تعبانة، وما عندنا أحد يصرف علينا». وعن دراستها التي ضحت بها تضيف: «تركت الدراسة من بعد الصف السادس.. لو جلست في البيت، من بيجيب لنا الأكل والعلاج؟».
الشارع ليس مكاناً آمناً لفتاة في مقتبل العمر، وهو ما تؤكده شكرية بمرارة: «أخرج وأنا أعرف أني ممكن أتعرض لكلام خادش أو تحرش، وهذا أكثر شيء يضايقني، وأحياناً أضطر أغير مكاني وأهرب».
تتراوح حصيلتها اليومية بين ألفين وخمسة آلاف ريال، لكن الأيام الشحيحة تحمل لها مأساة أخرى في دكانهم المستأجر، حيث تختتم قصتها بوجع مضاعف: «أحياناً إذا رجعت البيت وما معي فلوس، أتعرض للضرب والتعنيف، ويقولون لي: لماذا رجعتِ بدون شيء؟».

اكسب من عرق جبينك!
نقطة تحول أخرجت (إبراهيم) من دائرة التسول إلى العمل.. يروي لصحيفة «لا» كيف قادته حملة لمكافحة التسول قبل عامين إلى مسار جديد، بعد أن دخل جلسات توعية واستلم مبلغاً بسيطاً من «مؤسسة بنيان»، ذهب به مباشرة لشراء أدوية والدته. لكن الدافع الحقيقي للتغيير جاء من جارٍ كفله ليخرج من الحجز، حيث وجه له كلمات قاسية كانت بمثابة الإنقاذ: «يكفي فضيحة، خذ لك عربية واكسب من عرقك واسكه لك». استأجر إبراهيم عربية يدوية ونزل للعمل حمالاً في «سوق الخضرة المركزي».
ويختتم إبراهيم حديثه: «عندما أوصل لسيارة الزبون، لا أطأطئ رأسي. أقف أمامه، وعيني في عينه، وأقول له: حسابي كذا. أستلم أجرتي وأنا أستحقها. أصبحت أتعب وأتوجع، لكنني لم أعد مضطراً لتصنع المرض أو تحمل نظرات القرف من أحد».

أيش أعمل؟
أمام بوابة «سوق الخضرة المركزي» في شارع الستين تجلس (س.ع) يومياً باحثة عن طوق نجاة في الحياة. وفي حديثها لصحيفة «لا»، تلخص واقعها قائلة: «أجي كل يوم أطلب من الناس، هذا وضعي وما معي شيء ثاني». تعيش في حالة ترقب وخوف دائمين من الملاحقة، وتوضح: «لما أشوف مكافحة المتسولين أهرب، أخاف يمسكوني ويأخذوني، فأقوم وأبعد من المكان».
ورغم قسوة الشارع، تجد (س.ع) بصيصاً من الإنسانية وتشكر «أصحاب المطاعم اللي يخصصوا لنا رز، وبعض الزباين يساعدونا بما يقدروا عليه».
وتختتم قصتها بتساؤل عن البديل المفقود: «كل يوم أجي وأنا عارفة إني أغامر، وأقهر وأتعب، لكن أيش أعمل؟ الطفل يحتاج حليب وحفاظات، وأنا أحتاج العلاج، وما عندي مصدر ثاني».

تركتُ دراستي
في زاوية أخرى تروي أسرار (25 عاماً) لصحيفة «لا» قصة مؤلمة تكشف كيف اغتال الفقر والتنمر حلمها الجامعي.. كانت طالبة في المستوى الثاني بجامعة 21 سبتمبر، لكن ضيق الحال دفعها لخيار قاهر: «ظروفي صعبة وما قدرت أوفر حق المواصلات والملازم، فنزلت للشارع أطلب الله».
لإخفاء هويتها كانت تختار أماكن بعيدة كالمستشفيات الخاصة والمطاعم، وتلجأ لتغيير نبرة صوتها لجمع ما تيسر من المال. لكن صدمة قاسية كانت بانتظارها أمام بوابة أحد المطاعم: «في نفس اللحظة خرجت زميلتي، شافتني وعرفتني من عيوني وشنطتي حق الجامعة.. وقفت مصدومة والتفتت تهمس لأختها وتؤشر علي، هربت وما التفت ورائي».
عاشت أسرار أياماً من الرعب وانعدام النوم، لتتحقق مخاوفها بعد أسبوع من الحادثة عند عودتها للجامعة: «حضرت وكانت الفضيحة في الكلية، قالت زميلتي للبنات: زميلتنا شحاتة». كانت تلك الكلمات القاسية بمثابة رصاصة الرحمة على طموحها، لتختتم مأساتها بوجع يختزل كل شيء: «من ذلك اليوم جلست في البيت، وتركت دراستي ومستقبلي».

المدة طالت
يروي أبو سلام (32 عاماً) لصحيفة «لا» مأساة دفع ابنته إلى الشارع، كاشفاً عن خفايا احتكار الأماكن بين المتسولين، ويقول: «إذا نقلناها من المكان اللي تجلس فيه إلى مكان ثاني، المتسولين الموجودين هناك يضربونها، وكل واحد يعتبر المكان حقه».
وعن انعدام البدائل وغياب الدعم، يوضح الأب الذي يعيل أربعة أبناء: «لو جلست بنتي في البيت، ما في أحد يعطينا أكل.. ولا نستلم شيء من أي منظمة أو جهة رسمية».
لم تقتصر المعاناة على شظف العيش، بل امتدت لتنهش كرامتهم. يصف أبو سلام الأثر النفسي المدمر على ابنته قائلاً: «من يوم دخلت في التسول صارت تتعب نفسياً كثير، الإنسان لما يضطر يمد يده كل يوم ويتعرض للإهانة، يفقد جزءاً من شعوره بإنسانيته».
ورغم أمنياته بالانتقال لمدينة أخرى لفتح مشروع يعفيهم من السؤال بعيداً عن نظرات الناس التي وصمتهم بالتسول، إلا أن العجز يقيده. ويختتم حديثه بمرارة تلخص وجع سنوات من الانتظار والمرض: «كل يوم أقول لأولادي إن شاء الله تصلح أحوال البلاد، لكن المدة طالت ووضعنا صار أسوأ».

جريمة مركبة
لم يعد الشارع الساحة الوحيدة التي تُنسج فيها حكايات التسول. في قراءة لهذه التحولات لصحيفة «لا»، تضعنا الدكتورة ابتسام المتوكل، مدير عام حماية الأسرة بوزارة الداخلية أمام صورة أخرى من الاستغلال: «استغلال الأطفال بدفعهم للتسول من قبل عصابات إجرامية يدخل في جرائم الاتجار بالبشر ويعاقب عليه القانون، ويجب حماية الأسرة من التسول واستغلالهم من التسول الرقمي والتسول في الشارع».
الظاهرة ارتدت قناعاً جديداً أبعد من مجرد الوقوف في الجولات: «الشارع لم يعد المكان الوحيد للمتسولين. العصابات نقلت نشاطها إلى التلفونات ومواقع التواصل وهذا ما نسميه التسول الرقمي. الموضوع لم يعد شخصا محتاجا يطلب مساعدة، بل شبكات منظمة تدير مئات الحسابات الوهمية على فيسبوك وواتساب بأسماء نساء أو حالات إنسانية مزيفة».
وتكتمل ملامح هذا الفخ في اصطياد مدروس للضحايا، تقول المتوكل: «هذه العصابات تسرق صور أطفال مرضى من الإنترنت وتزور تقارير طبية وروشتات وتوزعها في الجروبات وتستهدف المغتربين اليمنيين في الخارج بشكل خاص لأن عاطفتهم قوية ويتبرعون بحسن نية. يدرسون الضحية ويعرفون كيف يبتزونه عاطفيا برسائل صوتية مدروسة ومقاطع فيديو مسروقة».
أما دوافع هذا التحول، فتعود للعوائد المهولة: «التسول الرقمي أخطر من تسول الجولات لأن العائد المالي فيه ضخم جدا ويتم تحويله عبر محلات الصرافة بأسماء أشخاص متعاونين مع العصابة. الجريمة هنا مركبة، نصب واحتيال وتزوير واستغلال لصور الأطفال».
وتؤكد المتوكل أن هذا العبث لا يسرق الأموال فحسب، بل يغتال الثقة المجتمعية من الجذور وهو أثر مدمر، وتقول: «الكارثة أن هذه العصابات تدمر الثقة تماما، ولما يجيء محتاج حقيقي مريض في بيته لا يلقى من يصدقه أو يعطيه ريالا واحدا لأن المحتالين الرقميين أكلوا كل شيء وسدوا أبواب الخير».

العودة للشارع
في نزول ميداني لصحيفة «لا» إلى عدد من الجولات كان الهدف تقصي الأثر الحقيقي لبرامج ومشاريع «مكافحة التسول» على الأرض.. وعند الاقتراب من بعض الفتيات المتسولات، وطرح سؤال محدد عن مدى الاستفادة الفعلية من تلك المشاريع التي شملتهن، جاءت الردود لتكشف عن فجوة عميقة.. حيث لم تحمل تجارب هؤلاء الفتيات أي قصص عن الدعم والتمكين، بل لخصن تفاصيل ما يحدث معهن بالقول: «يتم حبسنا ومنعنا فقط، دون أي فائدة مما يُذكر عن مكافحة التسول».
هكذا يبدو المشهد من زاوية الأرصفة؛ مجرد إجراءات تبعدهن عن الجولات لفترة مؤقتة وإيداع في الحجز، حيث لم يتم إيجاد وسائل دخل حقيقية ومستدامة تقيهن العودة للشارع، لتستمر الدوامة ذاتها بين غياب الحلول وقسوة الرصيف.

هوامير التسول!
للوقوف على البعد القانوني في هذا الملف الذي يمس صميم الأمن الاجتماعي، يضع القاضي الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين، رئيس مجلس القضاء الأعلى، عبر صحيفة «لا» النقاط على الحروف، فاصلاً بين الحاجة والجريمة: «قانونيا التسول ليس ظاهرة فقر، هو جريمة يعاقب عليها القانون».
وفي قراءته للنصوص التشريعية، يحضر القانون بصرامة لسد منافذ التحايل: «المادة 203 من قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لسنة 1994 صريحة في تجريم (الاعتياد) على التسول لمن يملك وسيلة مشروعة للعيش، وغلّظت العقوبة لتصل إلى الحبس سنة كاملة متى ما اقترنت الجريمة بالاحتيال كادعاء عاهة أو استغلال طفل من غير الفروع».
وأكد رئيس مجلس القضاء أن «من يثبت قيامه بتأجير الأطفال أو الدفع بهم للشارع، يُكيف فعله كـ(استغلال اقتصادي) وتعريض حدث للانحراف. كما أن الشبكات التي تستغل النساء والأطفال للتسول قسراً، تُكيف قضاياهم كجرائم (الاتجار بالبشر) وتشكيل عصابي للابتزاز، وهي جنايات جسيمة لا تسامح فيها».
ويرى شجاع الدين أن «القضاء اليمني حاسم في هذا التوجه؛ من دفعته الحاجة الحقيقية مكانه برامج التأهيل والتمكين، أما (هوامير التسول) وممتهنو الاستغلال فسيطالهم سيف القانون بأقصى العقوبات التعزيرية لتجفيف هذه البؤر الإجرامية».

طالبين الله
في مقاربة تلخص تحول أرصفة الشوارع إلى ساحة للابتزاز، يربط المواطن محمد الصبري (تعز) لصحيفة «لا» بين ما يحدث في الحملات الميدانية قائلاً: «في صنعاء يخرجون حملات مكافحة التسول، وكان المسؤولين يتفقون مع بعض الشحاتين على مبلغ وكل مكان له سعر، والذي ما يدفع يأخذوه لمركز إيواء الشحاتين». وينسحب هذا الاستغلال اليوم على أصحاب البسطات في مدينته تحت غطاء منع العشوائيات، ويختتم بمرارة: «اليوم يحصل نفس الشيء بتعز بمكافحة البسطات المخالفة، من يدفع أكثر يترك يطلب الله ومن لا يدفع طلعوه فوق الطقم.. أرزاق ناس فاسدين من عرق ناس طالبين الله على أسرهم، وبعضهم يدفع عشرين ألف مقابل السماح لهم».

التسول المنظم
ولأن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاملاً في الأدوار يضعنا مدير عام مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بأمانة العاصمة، ناصر الكاهلي أمام تشخيص دقيق للواقع: «ظاهرة التسول أقرب الى كارثة تطال مختلف الجوانب وعلينا معالجتها».
وتتجاوز أبعاد هذه الكارثة حدود الأرصفة المحلية لتأخذ طابعاً إجرامياً عابراً للحدود، فالخطورة تكمن في أن «التسول المنظم عبر العصابات أصبح إساءة لليمن بتهريب أطفال إلى دول الجوار لاستغلالهم في ظاهرة التسول ويتطلب الأمر التحرك أمنياً لمكافحة هذه العصابات».
ويشدد الكاهلي على أن يوجه «المجتمع صدقاته وعطاءاته إلى الأسر المتعففة في الحارات والأحياء، وعدم إعطاء الصدقات للأطفال في الجولات الذين يتم استغلالهم من العصابات».

مراكز الكرامة
للوقوف على الرد الرسمي وسط هذا الجدل تنقل صحيفة «لا» توضيح «البرنامج الوطني لمعالجة ظاهرة التسول» عبر صفحته على «فيسبوك» لأبعاد قراره الأخير: «نؤكد أن إقرارنا لـ5 جولات نموذجية في أمانة العاصمة يُمنع فيها التسول بشكل كامل، جاء بعد أن أصبحت هذه الجولات مراكز تجمع للمتسولين من المحافظات، وتُمارس فيها أعمال التسول المقنع والاتجار بالبشر عبر استغلال الأطفال والنساء بالإكراه».
وفيما يخص البدائل، تشير خطة البرنامج إلى أنها تعمل على «تقديم خدمات الإحالة والتأهيل والتدريب المهني والتمكين الاقتصادي، وذلك عبر توجيه المتسولين لزيارة (مراكز الكرامة) التابعة للبرنامج (للنساء والأطفال والفتيات والكبار) لدراسة حالاتهم».
وفي مواجهة الانتقادات، تظهر وجهة النظر الرسمية قائلة: «ما تم تداوله مؤخراً في مواقع التواصل الاجتماعي كان لتضليل الرأي العام؛ حيث تم عرض العقوبات القانونية الخاصة بقانون الاتجار بالبشر وقانون رعاية الأحداث، ولم يُعرض الوجه الآخر المتعلق بالتدخلات والتمكين والقروض التي نقدمها».
وتتجلى الغاية الأساسية للبرنامج بالتفريق الواضح بين الاستغلال والكسب الحلال: «رؤيتنا واضحة وهي إخراج المتسولين المعتادين على البقاء في الجولات كـ(وظيفة روتينية اعتيادية يومية) من وضعية اعتياد التسول.. كما نشير إلى أن إجراءاتنا التوعوية لا تستهدف منع الباعة المتجولين من العمل، بل تستهدف حصراً المتسولين المعتادين».

مهنة دائمة
ولمقاربة الظاهرة من زاوية علم الاجتماع، يضعنا الدكتور فؤاد الصلاحي، أستاذ علم الاجتماع السابق بجامعة صنعاء، عبر صحيفة «لا» أمام تحليل دقيق لتركيبة الشارع، حيث يفكك هذه الفئات إلى ثلاث مجموعات رئيسية؛ تبدأ بالمحترفين الذين اتخذوا الأمر «مهنة دائمة» مستندين إلى نفوذ يضمن إفلاتهم من العقاب، مروراً بضحايا الاستغلال 
الخاضعين قسراً لسيطرة العصابات، وصولاً إلى من دفعتهم «ظروفهم القاسية» كالفقر والمرض لتكون يدهم الممدودة «وسيلة أخيرة للبقاء، وهم غالباً من الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع».
ويتجاوز هذا التحليل السوسيولوجي تصنيف الأشخاص إلى تشريح الأساليب؛ حيث يوضح الصلاحي تباين الأنماط في الشارع بين الصريح والمقنع، فهناك من يستتر «خلف خدمات رمزية يقدمها للناس كدعوتهم لشراء بعض السلع الخفية كالمناديل الورقية، أو ممارسة عمل خفيف كمسح زجاج السيارات».
ويحذر التحليل من التداخل الخطير مع عالم الجريمة عبر «التسول الجانح» الذي تصاحبه أفعال كالسرقة والخطف. وفي مقابل من قذفت بهم أزمة طارئة أو عجز جسدي، يبرز الوجه الاستغلالي لـ«التسول القادر» الذي يمارسه الفرد السليم الذي اختار الرصيف «كسلاً غير راغب في العمل، أو لأنه وجد أموال التسول جيدة وسهلة المنال بخلاف العمل، والكد، والتعب».

لغة الأرقام!
تكشف الإحصائيات الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية عن رصد 2,300 متسول في شوارع العاصمة صنعاء خلال عام 2025، في حصيلة أولية لفرق الرصد لا تمثل التعداد النهائي. وعلى مسار المعالجات، تخرج 80 متدرباً ومتدربة من برامج مهنية وريادة أعمال في مارس 2025، بينما استكمل 95 مستفيداً من فئة المتسولين المرحلة الأولى من التمكين الاقتصادي في أمانة العاصمة وحجة والمحويت.
وفي سياق متصل، أعلنت الوزارة عن تمويل 180 مشروعاً إنتاجياً بتكلفة 80 مليون ريال (لم تقتصر جميعها على المتسولين)، مشيرة إلى أن نسبة نجاح بعض النماذج تجاوزت 70٪، في حين سُجلت إحالة 8 قضايا استغلال لنساء وأطفال تحت غطاء التسول إلى المباحث والنيابة. ورغم ذلك، يواجه هذا الملف فجوة إحصائية واسعة؛ إذ يغيب الرقم الحقيقي لمن خرجوا نهائياً من دائرة التسول، ولا توجد بيانات توضح عدد المشاريع التي صمدت لأكثر من ستة أشهر، كما تنعدم النسب المعلنة للحالات التي باعت مشاريعها وعادت للشارع رغم إقرار الوزارة بوجودها. إلى جانب غياب الأرقام الخاصة بمن تم تمكينهم اقتصادياً.

283 متسولاً استفادوا من برامج الرعاية
أوضحت مؤسسة «بنيان» أنها عملت على بناء وتدريب فريق ميداني للبرنامج، إلى جانب تدريب 29 من «فرسان الحماية المجتمعية»، كما أطلقت مبادرات لرعاية عدد من المتسولين في أمانة العاصمة، من بينها مبادرة «ولقد كرمنا بني آدم»، التي استفاد منها نحو 50 شخصًا من الأطفال بلا مأوى والمتسولين والمشردين.
وأضافت لصحيفة «لا» أن لها دورًا في إنشاء وتفعيل البرنامج الوطني لمعالجة ظاهرة التسول، من خلال رعاية ورش إعداد خطة البرنامج والمشاركة في إطلاقه في عدد من المحافظات.
وبحسب بيانات المؤسسة، بلغ عدد الأطفال بلا مأوى والمتسولين والمشردين المستفيدين من الرعاية 283 شخصًا، فيما بلغ عدد المستفيدين من أنشطة التوعية 2,999 شخصًا، إضافة إلى 1,041 من المشردين الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية، واستفادوا من الرعاية والمناصرة.

توجيهات ثورية
وإزاء هذه «الظاهرة الخطيرة» التي يعتبر امتهانها لغير المضطر «جريمة»، يوجه السيد عبدالملك الحوثي، قائد الثورة بتحرك شامل تتكامل فيه جهود الدولة والمؤسسات والمجتمع. ويضع بدائل جذرية ترتكز على التكافل وبناء اقتصاد صحيح عبر إنشاء «تعاونيات زراعية وجمعيات استثمارية»، إلى جانب تفعيل مسارات «الإحسان، والرعاية، والقرض الحسن غير الربوي» لإنقاذ ذوي الحاجة الحقيقية وتفريج كربهم.