رصاصة في قلب مشروع «الاكتفاء».. «الزراعة» تغتال ثورة القمح.. مزارعو قمح الجوف يعتصمون للمرة الثالثة بحثاً عن قيمة محصولهم المكدس في مخازن الحكومة
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
تحقيق - عادل بشر / لا ميديا -
لليوم السادس على التوالي، يواصل مزارعو القمح في محافظة الجوف اعتصامهم المفتوح أمام مبنى وزارة الزراعة والري والثروة السمكية في صنعاء، بعد أن عادوا للمرة الثالثة خلال أسابيع إلى المكان ذاته، حاملين المطالب عينها، والوعود المكسورة نفسها، والقلق ذاته من أن يتحول المشروع الذي استثمروا فيه مئات الملايين من الريالات إلى تجربة خاسرة تنهي واحدة من أهم قصص الثورة الزراعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
الاعتصام الحالي ليس احتجاجاً جديداً، بقدر ما هو امتداد لأزمة تتفاقم موسماً بعد آخر. فالمزارعون الذين سلموا محصولهم للمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب منذ أربعة أشهر، يؤكدون أنهم لم يحصلوا حتى الآن على بقية مستحقاتهم المالية، رغم تعهدات رسمية سابقة بصرفها خلال أسبوعين، وهو الوعد الذي يقولون إنه انتهى دون تنفيذ.
وبينما كانت الحكومة تتحدث خلال الأعوام الماضية عن «الثورة الزراعية» و»الاكتفاء الذاتي» باعتبارهما خياراً استراتيجياً، يقضي اليوم عدد من المستثمرين والمزارعين نهاراتهم ولياليهم أمام الوزارة، لا للمطالبة بدعم أو إعانات أو قروض، وإنما بقيمة محصول سلموه بالفعل إلى جهة حكومية.
وإذا كانت القضية في ظاهرها نزاعاً مالياً، فإن ما يقوله المعتصمون يكشف وجهاً آخر أكثر خطورة، فالكثير منهم يؤكد أن الموسم القادم قد يشهد انسحاب عدد كبير من المستثمرين من زراعة القمح، بعد أن فقدوا الثقة بالجهات التي دعتهم في الأساس إلى الاستثمار في هذا المحصول الاستراتيجي.
وعد لم يُنفذ
قبل أقل من أسبوعين فقط، رفع المزارعون اعتصامهم الثاني بعد زيارة القائم بأعمال وزير الزراعة ومدير مكتب الزراعة بمحافظة الجوف إليهم، وتعهدهما بصرف بقية المستحقات خلال أسبوعين، غير أن المهلة انتهت ولم تُصرف الأموال، فعاد المزارعون مجدداً إلى الاعتصام.
صحيفة (لا) نزلت إلى مكان الاعتصام والتقت بعدد من المزارعين الذين أشاروا إلى أن ذات المشكلة حدثت خلال موسم 2024/2025م، قائلين: «في الموسم الماضي 2024/2025م، أيضاً تأخرت مستحقاتنا شهرين، ولم تُصرف إلا بعد اعتصام استمر عشرة أيام. أما هذا الموسم 2025/2026م فقد مضت أربعة أشهر، وهذا هو الاعتصام الثالث».
ويؤكد المعتصمون أنهم هذه المرة لن يرفعوا اعتصامهم بمجرد تلقي الوعود، وإنما بعد استلام مستحقاتهم كاملة. وقال لـ(لا) المُزارع محمد الويسي: «جاءتنا وساطات تطلب منا إنهاء الاعتصام، لكننا قلنا لهم، نحن أصحاب حق، ومن المفترض أن تذهبوا إلى الجهات المختصة للمطالبة بتنفيذ التزاماتها، لا أن تطلبوا من أصحاب الحقوق مغادرة الشارع».
مستثمرون لبوا النداء
بعكس الصورة النمطية عن المزارعين، فإن عدداً كبيراً من المعتصمين ليسوا من أبناء محافظة الجوف، وإنما مستثمرون قدموا من صنعاء وعمران وصعدة ومحافظات أخرى بعد دعوات رسمية للتوسع في زراعة القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
استأجروا مساحات واسعة، واستصلحوا الأراضي، وأنشأوا شبكات ري محوري، وحفروا الآبار، وضخوا استثمارات بمئات الملايين من الريالات، على أساس وجود شراكة واضحة مع الجهات الحكومية تقوم على شراء المحصول وسداد قيمته عقب كل موسم، غير أن الواقع -وفقاً لهم- جاء مختلفاً.
ويقول المزارع محمد الويسي: «لدي مزرعة مساحتها مائة هكتار في منطقة الساعد بمديرية الحزم، أدفع إيجارها السنوي أربعة وعشرين مليون ريال، وأنشأت فيها بنية تحتية بمئات الملايين، بما في ذلك شبكة الري المحوري، وتحملت ديونا كبيرة، وفي النهاية أجد نفسي أفترش الرصيف أمام وزارة الزراعة بحثاً عن قيمة محصول القمح».
ويضيف الويسي: «كان المفترض أن أقضي هذا الوقت في التخطيط للموسم القادم والتوسع بزراعة القمح وإدخال تقنيات حديثة، لكننا أصبحنا نهدر الوقت والمال والجهد في مطاردة مستحقاتنا».
القمح في المخازن
المزارعون المعتصمون أمام وزارة الزراعة، كشفوا في حديثهم مع (لا) عن اتفاق سابق جمع وزيري الزراعة والمالية ومحافظ الجوف ومدير مؤسسة الحبوب ومدير مكتب الزراعة بالجوف، يقضي بتفادي سلبيات العام الماضي، بحيث تقوم تلك الجهات بتسويق المحصول عبر كبار التجار والمستوردين لتوفير السيولة اللازمة لسداد مستحقات المنتجين.
وأكدوا أن الغرفة التجارية أبدت استعدادها لإلزام كبار المستوردين بشراء القمح المحلي. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فالقمح -بحسب إفاداتهم- بقي مكدساً في مخازن المؤسسة.
ويقول المُزارع طه: «القمح البلدي اليوم غير موجود في الأسواق لأنه لا يزال داخل مخازن الحكومة». مضيفاً: «إذا حاول المزارع بيع محصوله بنفسه يستغله التجار ويعرضون أسعاراً متدنية، بينما الحكومة قادرة على تنظيم السوق إذا أرادت».
خسائر تتضاعف وتشجيع يتراجع
لا تتوقف شكوى مزارعي القمح عند تأخر المستحقات، فبحسب حديثهم، فإن مستوى الدعم الحكومي تراجع بصورة واضحة مقارنة بالأعوام الماضية.
ويقولون إن مؤسسة الحبوب كانت توفر لهم الديزل والأسمدة إلى جانب البذور، أما خلال الموسم الأخير 2025/2026م فلم يحصلوا سوى على البذور، التي تقوم المؤسسة باستعادتها أثناء الحصاد بكمية أكبر مما تقدمه.
ويوضح المزارع عارف الخبي ذلك قائلاً: «على سبيل المثال، إذا قدمت مؤسسة الحبوب لنا بذورا بكمية 40 كجم، فإنها تستعيدها خلال الحصاد بـ51 كجم».
كما يشير المزارعون إلى أن سعر شراء القمح انخفض من 24 ألف ريال للكيس (50 كجم) في المواسم السابقة إلى 15 ألف ريال للجودة الأولى و14 ألفاً للجودة الثانية.
ويرى المعتصمون أن انخفاض السعر بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر صرف المستحقات جعل كثيرا من المستثمرين عاجزين عن الوفاء بالتزاماتهم المالية، لافتين إلى أن هناك من المستثمرين من يقبعون اليوم في السجون نتيجة لتراكم الديون وعجزهم عن سدادها.
الأراضي بلا حرث والموسم يقترب
الأخطر -بحسب المزارعين- أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالموسم الماضي فقط، وإنما بدأت تؤثر مباشرة في الموسم القادم الذي يطرق الأبواب خلال بضعة أشهر.
ففي بيان صادر عن المعتصمين، أكدوا أن أراضيهم ما تزال حتى الآن دون حراثة لعدم قدرتهم على شراء الوقود.
وأوضح البيان أن معداتهم الزراعية متوقفة لغياب السيولة اللازمة لتوفير الديزل والزيوت، مؤكدين بأن «السبب المباشر في كل ذلك هو تأخر وزارة الزراعة ومؤسسة الحبوب في صرف قيمة محصول القمح».
وحذّر البيان من أن «استمرار الوضع بهذا الشكل، يهدد الأمن الغذائي للبلاد وسيؤدي إلى ضياع موسم زراعي كامل»، مشيراً إلى أنه في حال عدم الاستجابة لمطالبهم المتمثلة بصرف بقية مستحقاتهم المالية في أقرب وقت، فإن الاعتصام المفتوح أمام الوزارة سيتواصل بخطوات تصعيديه سلمية إذا استمرت المماطلة.
«اشتغلنا... فأين حقنا؟»
ومن أكثر التصريحات التي لاقت تفاعلاً بين المعتصمين، ما قاله المزارع محمد الويسي مخاطباً القائم بأعمال رئيس الحكومة محمد مفتاح: «قلت للمواطن الذي اشتكى من الجوع: انزل اشتغل. ونحن نقول لك اليوم: اشتغلنا، ودفعنا من دم قلبنا قبل عرق جبيننا، والآن نلاحق حقوقنا عند الحكومة».
مستقبل الاكتفاء
ما يجري أمام وزارة الزراعة يتجاوز، في نظر كثير من المزارعين، حدود نزاع مالي بين مؤسسة حكومية ومورديها.
فالمزارعون يؤكدون أنهم لبوا نداء القيادة الثورية والوطنية عندما دعت إلى التوسع في زراعة القمح، واستثمروا أموالهم في أحد أهم مشاريع الأمن الغذائي، لكن استمرار تأخر المستحقات، بحسب إفاداتهم، يهدد بإخراج المستثمرين من هذا القطاع، وهو ما قد ينعكس على المساحات المزروعة والإنتاج في المواسم المقبلة.
فعدد منهم يؤكد أنه لن يعود إلى زراعة القمح إذا استمرت هذه السياسات، وتراكمت الاختلالات والعراقيل موسماً بعد آخر دون وضع الحلول الجذرية لها.
ويقول أحد المعتصمين: «لا نستبعد أن وراء ما يحدث مخططا كبيرا لإفشال النهضة الزراعية والتوجه الوطني لتحقيق الاكتفاء الذاتي، لأن المستثمر عندما يخسر، وعندما تتكرر أمامه العقبات، لن يواصل استثماره». وذهب بعضهم إلى اتهام سياسات الجهات المختصة في الحكومة بأنها -من حيث النتيجة- تدعم القمح المستورد أكثر مما تدعم المنتج المحلي، في ظل استمرار استيراد كميات كبيرة من الخارج، مقابل تعثر تسويق القمح المحلي وتأخر سداد قيمته.
صمت رسمي
حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، لم تعلن الجهات المختصة تفسيراً رسمياً لأسباب استمرار تأخر صرف بقية المستحقات، رغم انقضاء المهلة التي التزمت بها أمام المزارعين.
بدورنا في صحيفة (لا) نقلنا الاتهامات والملاحظات التي طرحها المزارعون المعتصمون إلى المدير التنفيذي للمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، ولا زلنا بانتظار رده لنشره بغرض استكمال جميع جوانب القضية.
وكانت (لا) قد كشفت في تحقيق نشرته بتاريخ 29 حزيران/ يونيو الفارط، أن بقية مستحقات مزارعي القمح ما تزال متوقفة رغم استكمال إجراءات الصرف وتوقيعها من الجهات المعنية، في حين ظل التسهيل المصرفي معلقاً، وهو ما أدى إلى تعطيل صرف بقية المستحقات.
وفي ذلك التحقيق، أوضح مدير مكتب الزراعة بمحافظة الجوف المهندس مهدي الظمين في تصريح لـ(لا) أن نحو مليار ريال من مستحقات المزارعين لا يزال عالقاً رغم وجود اتفاقية موقعة بين وزارات المالية والزراعة والاقتصاد والمؤسسة العامة للحبوب بشأن عملية الصرف.
وأشار إلى أن إجمالي المبالغ المستحقة للمزارعين يبلغ نحو أربعة مليارات ريال، وأن الجزء المتبقي لم يُصرف بسبب عدم اعتماد المبلغ من قبل البنك المركزي، رغم استكمال الإجراءات والتوقيعات من الجهات الحكومية الأخرى، لافتاً إلى أن الاعتصام -وهو الثاني آنذاك- رُفع بعد تفاهمات مع قيادة وزارة الزراعة وصدور توجيهات رئاسية بصرف مستحقات المزارعين، التي أكد الظمين أن «الصرف سيتم في ظرف أيام» من ذلك التأريخ، لكن الأيام مضت، وانقضت المهلة التي أُعطيت للمزارعين، دون أن تُنفذ التعهدات، ليعودوا مجدداً إلى الاعتصام، لكن بثقة أقل في الوعود، وإصرار أكبر على البقاء حتى استلام حقوقهم.
أرقام كبيرة وثقة معدومة
خلال السنوات الأخيرة، تحولت الجوف إلى أحد أهم نماذج التوسع في إنتاج القمح، وارتفعت المساحات المزروعة والإنتاج بصورة غير مسبوقة، حيث بلغت المساحة المزروعة بالقمح -وفق بيانات مكتب الزراعة بالجوف- خلال الموسم الشتوي (2025/2026م) نحو 17 ألفاً و600 هكتار، فيما تجاوز عدد المزارعين المشاركين في زراعة المحصول سبعة آلاف وخمسمائة مزارع.
وفي مطلع حزيران/ يونيو الماضي أعلن مكتب الزراعة في الجوف تحقيق إنتاج قياسي تجاوز مليوناً و21 ألف كيس قمح بقيمة تزيد على 15 مليار ريال، واعتبر ذلك إنجازاً استراتيجياً يعزز السيادة الغذائية ويؤكد نجاح خطط التوسع الزراعي في المحافظة.
غير أن هذا الإنجاز يبدو اليوم أمام اختبار حقيقي.
فالاكتفاء الذاتي، وفقاً لخبراء الاقتصاد، لا يُقاس فقط بعدد الأكياس المنتجة، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات على بناء الثقة مع المنتجين، والوفاء بالتزاماتها تجاههم، وضمان استمرارهم في الزراعة.
أما إذا أصبح المزارع يقضي الأشهر في ملاحقة مستحقاته، ويبدأ الموسم الجديد مثقلاً بالديون، فإن الخطر لن يقتصر على خسارة موسم واحد، وإنما يمتد إلى خسارة الثقة نفسها، وهي الركيزة التي لا يقوم أي مشروع وطني من دونها.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا