عادل بشر / لا ميديا -
من أمام مكتب النائب العام في العاصمة صنعاء، ارتفعت أصوات مزارعي ومنتجي ومكاثري البطاطس الذين قدموا من محافظات ذمار وعمران وإب، حاملين ملفاً يختزل واحدة من أخطر القضايا التي تواجه الزراعة اليمنية اليوم، فالمحتجون لم يأتوا للمطالبة بتعويضات أو دعم موسمي فحسب، وإنما يدقون ناقوس خطر كبير يهدد أراضيَ زراعية كاملة، بعد أشهر من الجدل حول شحنات بذور مستوردة أغرقت السوق المحلية، وأظهرت الفحوصات المخبرية إصابة معظمها بآفات حجرية خطيرة تهدد التربة والإنتاج الزراعي لسنوات طويلة.
وفي وقفة احتجاجية حاشدة، رفع المشاركون لافتات وشعارات مستلهمة من توجيهات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي بخصوص أولوية دعم الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي، مؤكدين أن ما تعرض له قطاع البطاطس خلال الموسم الحالي يمثل انتكاسة خطيرة للجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وخلال الوقفة، وجّه المزارعون مناشدة عاجلة إلى السيد القائد وإلى النائب العام القاضي عبدالسلام الحوثي، عرضوا فيها حجم الأضرار والخسائر التي لحقت بهم نتيجة إغراق متعمد للسوق المحلية بكميات كبيرة من بذور البطاطس المستوردة، من قبل جهات نافذة وتجار، دون مراعاة لاحتياجات السوق الفعلية، أو لقرار حظر استيراد بذور البطاطس، أو للخطط الزراعية الرامية إلى حماية المنتج المحلي.

صرخة الحقول
جاء في المناشدة: «نرفع إليكم هذه المناشدة العاجلة والصرخة من أمام مكتب النائب العام، معبرين عن وجع المزارعين والحقول التي طالها الخراب، مستغيثين بالله ثم بعدالتكم لإنصافنا وحماية الأمن الغذائي لبلدنا من كارثة حقيقية ألمّت بنا وبأراضينا الزراعية نتيجة تصرفات غير مسؤولة وجائرة من قبل بعض المستوردين والتجار».
وأكدت المناشدة أن تدفق كميات كبيرة من البذور المستوردة إلى السوق تسبب بانهيار التوازن بين العرض والطلب، وألحق خسائر مالية واسعة بالمزارعين ومراكز إكثار البذور والشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس، الأمر الذي أدى إلى تراكم الديون وتهديد مئات العاملين في هذا القطاع بخسارة مصادر رزقهم والتوقف عن الإنتاج.
وأشار المُزارعون إلى أن «الكارثة لم تتوقف عند الخسائر المادية المباشرة فحسب، وإنما تجاوزت ذلك إلى جريمة بيئية وزراعية مكتملة الأركان»، إذ تبيّن وجود شحنات مستوردة مصابة بآفات حجرية خطيرة، وهو ما يرفع مستوى التهديد من مجرد إغراق تجاري إلى خطر زراعي وبيئي قد يمتد أثره لسنوات طويلة.
وفي مناشدتهم، حذّر المزارعون من أن هذه الآفات قادرة على تلويث التربة الزراعية وإفقادها قدرتها على إنتاج البطاطس والمحاصيل التابعة للعائلة الباذنجانية لفترات طويلة، وهو ما يعني، بحسب تعبيرهم، «إهلاك الحرث والنسل» وحرمان آلاف الأسر من موردها الاقتصادي الأساسي.

استهداف الأمن الغذائي الوطني
وفي لهجة شديدة، اعتبرت المناشدة أن ما جرى يمثل استهدافاً مباشراً للأمن الغذائي الوطني، وضربة موجعة لمشروع الاكتفاء الذاتي الذي تبنته الدولة خلال السنوات الماضية في مواجهة الحصار والعدوان. وأشارت إلى أن إغراق السوق بالبذور المستوردة، إلى جانب المخاطر المرتبطة بإصابة بعضها بآفات حجرية، يتناقض مع التوجهات الوطنية الداعمة للإنتاج المحلي، ويهدد بإضعاف قدرة المزارعين على مواصلة العمل والإنتاج.
وطالب المزارعون باتخاذ جملة من الإجراءات العاجلة، في مقدمتها محاسبة الشركات والجهات التي قامت باستيراد وإدخال الشحنات الملوثة وتوزيعها على المزارعين، واتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المتورطين في إغراق السوق والإضرار بالاقتصاد الوطني والمنتج المحلي.
كما دعوا إلى تشكيل لجنة فنية وقانونية لحصر الأضرار التي لحقت بالمزارعين ومراكز الإكثار، وتقدير حجم الخسائر، تمهيداً لإلزام الجهات المتسببة بتعويض المتضررين، بما يمكنهم من الاستمرار في الإنتاج وعدم مغادرة هذا القطاع الحيوي.
وشددت المناشدة كذلك على ضرورة التحفظ الفوري على أي كميات متبقية من البذور الملوثة بالآفات الحجرية وإتلافها وفق الطرق العلمية المعتمدة، منعاً لانتشارها إلى مناطق أخرى، وحفاظاً على سلامة التربة والثروة الزراعية الوطنية.

استمرار التصعيد
وتُعد وقفة أمس الأول (الأحد) هي الثانية التي ينظمها مزارعو ومكاثرو بذور البطاطس وبطاطس المائدة، أمام مكتب النائب العام؛ ففي أواخر أيار/ مايو الماضي، نفذ عشرات المزارعين من أبناء محافظة ذمار وقفة احتجاجية، رفضاً لإدخال شحنة البذور المستوردة والمصابة بمرض العفن البُني إلى المحافظة بغرض تحويلها إلى سماد عضوي، محذرين من كارثة بيئية وزراعية تهدد التربة والأمن الغذائي الوطني لسنوات طويلة.
ورفع المشاركون في الوقفة شعارات تندد بما وصفوه بـ»الجريمة بحق الأرض والإنسان»، مطالبين بسرعة التحرك لإتلاف الشحنة المصابة وفق الإجراءات الحجرية المعتمدة، ومحاسبة الجهات المتورطة في إدخالها ونقلها إلى مناطق زراعية غنية بالمزارع والوديان.
وقدّم المزارعون، يومذاك، شكوى ومناشدة رسمية إلى النائب العام، القاضي عبدالسلام الحوثي، أوضحوا فيها خطورة استمرار التعامل مع الشحنة بهذه الطريقة، مؤكدين أن مرض العفن البني من أخطر الأمراض الحجرية التي تصيب البطاطس، لما له من قدرة على البقاء في التربة والانتشار لفترات طويلة، بما قد يؤدي إلى تدمير مساحات زراعية واسعة وإلحاق خسائر يصعب احتواؤها مستقبلاً.
وأشاروا إلى أن الشحنة الملوثة جرى إدخالها إلى منطقة «يفاع» في محافظة ذمار، وتم وضعها بالقرب من المزارع والوديان، مؤكدين أن أجزاءً من الشحنة «تسربت إلى مناطق مجهولة»، الأمر الذي يضاعف المخاوف بشأن احتمالات انتقال العدوى إلى الأراضي الزراعية والمياه والتربة.
ولوّح المزارعون بخطوات احتجاجية تصعيدية في حال تجاهل مطالبهم، وأنهم مستعدون لتنفيذ وقفات واعتصامات مفتوحة، وحتى التخييم أمام مكتب النائب العام، إلى حين اتخاذ قرار عاجل بإتلاف الشحنة ومحاسبة المسؤولين عن إدخالها.

قضية رأي عام
تأتي هذه التطورات في سياق قضية شغلت الرأي العام الزراعي خلال الأشهر الماضية، إذ كانت «لا» قد كشفت في تقارير عدة معززة بالوثائق الرسمية «أخطر خرق للحجر النباتي في اليمن»، وتناولت كيف جرى نقل الشحنة المصابة، التي يبلغ وزنها 139 طناً، من منفذ عفار الجمركي في محافظة البيضاء، بعد ثبوت إصابتها بمرض حجري خطير، إلى محافظة ذمار، وتسليمها إلى معمل لإنتاج السماد العضوي، في خطوة أثارت تحذيرات واسعة من كارثة زراعية وبيئية تُهدد الأمن الغذائي الوطني لعقود.
كما أثارت القضية آنذاك تحذيرات من جهات متخصصة ومنظمات معنية بالبيئة وحماية المستهلك، أكدت أن البروتوكولات الحجرية الدولية تشدد على ضرورة عزل الشحنات المصابة بالآفات الحجرية وإتلافها وفق إجراءات فنية صارمة، منعاً لانتقال العدوى إلى التربة والمياه والمزارع.
وتُعيد الوقفات الاحتجاجية للمزارعين طرح الأسئلة بشأن الجهات التي سمحت بنقل الشحنة المصابة، والإجراءات الفنية التي اتُّخذت لضمان عدم تحول عملية «التحويل إلى سماد» إلى بوابة لنشر واحد من أخطر الأمراض الزراعية المعروفة عالمياً.
وبينما ينتظر المزارعون استجابة الجهات المختصة، تبدو القضية مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصاً في ظل شعور المحتجين بأن خسائرهم لم تعد تقتصر على موسم زراعي واحد، وإنما باتت تمس مستقبل الأرض الزراعية نفسها ونتائجها ستنعكس على حاضر اليمن الزراعي ومستقبله لعقود قادمة.