دمشق - خـاص / لا ميديا -
شهدت الحركة السياسية والدبلوماسية من وإلى دمشق، خلال الفترة الماضية، تقلبات عديدة، كان أبرزها إلغاء الزيارة التي تم الحديث عنها لرئيس السلطة السورية أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) لواشنطن، رافقتها تصريحات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأنه قد طلب من الجولاني الدخول إلى لبنان لضرب حزب الله، وتردد دمشق في ذلك، لأسباب داخلية وخارجية، وبسبب خطورة هذه الخطوة، ونصائح من جهات إقليمية عديدة، منها أنقرة بعدم الدخول في هذه المغامرة.
كما ألغيت الزيارة التي كانت مقررة إلى باريس، للمشاركة في القمة السبعة الكبار، التي تدعو عادة لحضورها عددا من رؤساء الدول من خارج المجموعة، وفي قمة باريس تمت دعوة قادة الدول المؤثرة في المنطقة ماعدا تركيا، لكن مشاركة الجولاني في القمة، ألغيت لأسباب يبدو أنها ليست بعيدة عن أسباب إلغاء زيارة واشنطن، والمتعلقة بالدخول السوري إلى لبنان، بعد التصريحات الواضحة من دمشق بأنها لن تقوم بهذه الخطوة بناء على طلب أحد، ولتجنب لقاء الرئيس ترامب، والتعرض لضغوط مباشرة حول هذا الموضوع، واستغلال الرئيس ترامب للأجواء التي يوفرها اللقاء المباشر، للإدلاء بتصريحات قد تكون محرجة للسلطات السورية.
اليوم، الجولاني مدعو لزيارة العاصمة التركية أنقرة، بالتزامن مع استضافتها لقمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في السابع والثامن من تموز المقبل، في مشاركة هي الأولى من نوعها في تاريخ سورية الحديث، حيث كانت دمشق، في مقدمة الدول المقاومة للمشاريع الأطلسية والغربية في المنطقة، وفي مقدمتها مشاريع "الناتو"، مما يجلعها تشكل علامة فارقة، تشير إلى عمق التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، بفعل التطورات المتسارعة، التي تجري في المنطقة وحولها، وفي مقدمتها العدوان الأمريكي -"الإسرائيلي" الأخير على إيران، والانتقال المتسارع لتوازنات القوى والقوة، من ضفتي الأطلسي إلى آسيا، وانتقال العالم من مرحلة القطب الأمريكي الواحد، إلى العالم المتعدد الأقطاب، حيث تقف سورية بما تمتلكه من موقع جيوسياسي هام، يجعلها مفتاح المنطقة، وإحدى أهم ركائز ومؤشرات هذه التحولات.
وفي توضيح لا بد منه، فالجولاني لن يكون في أنقرة للمشاركة في اجتماعات وفعاليات "قمة الأطلسي"، وهو لن يجلس على طاولة اجتماعات قادة الحلف، لأن بروتوكولات الحلف تمنع ذلك، وإنما هي زيارة متزامنة مع القمة.
هذا الأمر لن يغير من أهمية الزيارة، لأن عدم حضوره اجتماعات القمة لأسباب بروتوكولية، لكن الزيارة تفتح له كواليس وممرات القمة، ويمنحه حضور قادة الحلف الفرصة للقاءات ثنائية، ولاجتماعات ونقاشات، لا تتوفر خلال الحركات السياسية والدبلوماسية العادية.
ومن شبه المؤكد، أن أردوغان سيعمل لترتيب لقاء بين الجولاني والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعوضه عن إلغاء زيارة واشنطن، كما قد يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ما كرون، كبديل عن الزيارة التي كانت مقررة إلى باريس، حيث سيكون كل ضيوف قمة باريس، موجودين في أنقرة، إضافة إلى لقاءات أخرى، تساعد السلطات السورية الجديدة، على تكريس وجودها واعتراف العالم بها.
كما يمكن أن تحقق فوائد مهمة للجولاني، في الملفات الداخلية، حيث تعطيه المزيد من الشرعية، وبأنه أصبح أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه أو تجاهله.
وأيضاً تعزز موقفه في الملفات الداخلية، وخاصة حول العلاقة مع قوات سورية الديمقراطية "قسد" وتطبيق الاتفاق الذي جرى بين الجانبين، لمعالجة الوضع في المناطق التي تسيطر عليها "قسد" خاصة وأن تركيا، تقف بقوة خلف الموقف السوري من هذا الموضوع.
أيضاً مشهد الجولاني في أنقرة، يعطي رسالة للمستثمرين ولرؤوس الأموال، بأن الأمور جيدة، وتنتظر مشاركتهم في إعادة بناء سورية.
وتركيا هنا تلعب دوراً مهماً، لا يمكن أن يُقرأ المشهد السوري بدونه، فتركيا والرئيس أردوغان شخصياً، كان لهما الدور الأهم في التغيير الدراماتيكي الذي حدث في سورية، مع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ووصول "حركة تحرير الشام" بقيادة الجولاني إلى السلطة، وهو ما اعترف به ترامب أكثر من مرة، وتركيا عضو في "حلف شمال الأطلسي"، وتشكل القوة الثانية في الحلف بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بواشنطن، رغم بعض التباينات، التي تظهر بين الحين والآخر في مواقف البلدين، وهي في صراع مستمر مع المشروع "الإسرائيلي" في المنطقة، بسبب تضارب المصالح بينهما، كما هي في صراع مستمر على زعامة المنطقة، مع إيران ومصر والسعودية وكل هذه الملفات، لا يمكن لأنقرة معالجتها والنجاح فيها بدون أن تضمن أن دمشق إلى جانبها، وهو ما يجعلها في صراع مستمر، بين كل هذه الدول والقوى، ليكون لها الدور الأكبر في التأثير على القرار والموقف السوري.
وسط هذه الأجواء، تحاول أنقرة تحقيق عدة أهداف دفعة واحدة، فهي تقدم نفسها على أنها البوابة للحكم الجديد في دمشق، وبأنها اللاعب الإقليمي الأهم في المنطقة، ورسالة أخرى إلى الدول التي تنافس تركيا على زعامة المنطقة، بأن دمشق تحت جناحها، أما الهدف الأهم، فهو محاولة أنقرة تأكيد تأثيرها وسيطرتها على القرار السوري.
وتؤكد معلومات إعلامية ومصادر غير رسمية، بأن أنقرة التي ظهرت بأنها تعارض التدخل السوري في لبنان، وضرب حزب الله، لكنها في زيارة الجولاني، خلال "قمة الأطلسي" سيستغلها أردوغان للتأكيد للرئيس ترامب وقادة الأطلسي، بأنه الممسك بالقرار السوري، وأن قرار دخول سورية إلى لبنان بيده، وهو ما سيجعل الموقف والقرار السوري، ورقة مساومة بيد أردوغان، ليس لتحقيق مصالح سورية والدفاع عن موقفها، وإنما لتعزيز موقف أردوغان وتركيا، أمام ترامب والأطلسي، خاصة وأن التوتر يغلب على العلاقة بين أنقرة وكل من واشنطن وبروكسل.
بقي أن نتساءل هنا: هل ستبقى الدعوة إلى قمة أنقرة قائمة حتى موعد عقدها، أم أنها قد تلغى كما ألغيت زيارتا واشنطن وباريس؟!
الجواب على هذا السؤال مشروع، وهو رهن بالتطورات المتسارعة، التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وحول الملف اللبناني.